جاءت تصريحات شيخ عقل الموحدين الدروز في سوريا، حكمت الهجري التي قال فيها “نحن جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل”، لتطرح تساؤلات حول مستقبل وموقع محافظة السويداء داخل الدولة السورية، وحدود الدور الإسرائيلي الفعلي تجاه الأقلية الدرزية في البلاد.
وقال الهجري في تصريحات من مقره في “دارة قنوات” قبل أيام: “نحن كموحدين دروز جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل ومشتركون معها في العقيدة”.
وتحدّث عن تطورات مرتقبة بخصوص السويداء، مشيرا إلى دور أوروبي أميركي عبر إسرائيل، دون أن يكشف ماهية هذه التطورات.
وطالب الهجري مرارا بانفصال محافظة السويداء عن سوريا، ووصف السلطات الجديدة في دمشق بقيادة الرئيس أحمد الشرع بـ”حكومة المتطرفين”.
وازداد الشرخ بين الأقلية الدرزية والدولة السورية بعد أحداث العنف الدامية في يوليو 2025 التي قتل فيها أكثر من 1700 شخص، معظمهم من الدروز إلى جانب أفراد من البدو، حسب الأمم المتحدة.
وقال عمر الأسعد، الكاتب والصحفي المقرّب من الهجري في تصريحات لـ”الحرة”، إن ما قاله الشيخ “يُقرأ من خلال الاعتداءات المتكررة على الطائفة الدرزية من قبل الجماعات الإسلامية المتشددة ابتداء من مجزرة قلب لوزة في إدلب عام 2015، مرورا بهجوم تنظيم داعش على السويداء عام 2018، وصولا إلى المجازر في يوليو 2025”.
وتحدّث الأسعد عن “حالة حصار يعيشها أهل السويداء، يتخللها نقص المواد التموينية والطبية، عدا عن الأزمات المتعلقة بالرواتب والتعليم وحرية التنقل، إضافة إلى الخروق المستمرة للهدنة،” في إشارة إلى وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في 19 يوليو 2025 برعاية ووساطة دولية.
ويتهم قادة دروز في السويداء، السلطات في دمشق بفرض حصار على المحافظة، بعد رفضها الاندماج مع الدولة السورية، وهو الأمر الذي تنفيه دمشق.
ويقول محافظ السويداء مصطفى البكور، المعين من دمشق، في تصريحات لـ”الحرة” إن قنوات التواصل مع الفعاليات الدينية والاجتماعية والأهلية في السويداء يجب أن تبقى مفتوحة، لكنه أوضح أن أي حوار جدي “يحتاج إلى ثوابت واضحة، في مقدمتها وحدة سوريا، وسيادة مؤسساتها، ورفض العنف، ورفض أي تدخل خارجي في الشأن السوري.”
وعن تصريحات الشيخ الهجري، قال البكور، إن الدولة لا تتعامل مع محافظة السويداء من خلال موقف شخص أو تصريح جهة بعينها، وحاول رسم خط فاصل بين التعامل مع الهجري بصفته طرفا سياسيا وبين التعامل مع المجتمع المحلي، في ظل مخاوف من أن يؤدي التصعيد الإعلامي والسياسي إلى توسيع دائرة التوتر داخل المحافظة.
وقال إن دمشق “لا تعتبر أن موقف الهجري، مهما بلغت حدته، يمكن أن يتحول إلى خلاف مع أبناء السويداء أو أن يُحمّل سكان المحافظة مسؤولية مواقف سياسية لا تمثلهم بالضرورة.”
وأقرت الحكومة السورية في سبتمبر 2025 خارطة طريق، تحظى بدعم دولي، لإصلاح العلاقات بين الفصائل الدرزية والبدو ودمشق، واندماج السويداء في الدولة السورية، لكنها لم تحقق أي نجاح حتى الآن، وبقيت المدينة خارج سيطرة دمشق، واتسعت أزمة الثقة بين الطرفين.
وأشار الأسعد إلى “تباعد نفسي بين أهالي السويداء وعموم المجتمع السوري”، معتبرا أن “الفاعلين السياسيين والنخب السورية لم يصدروا أي مبادرة جدية تجاه أهالي السويداء”، وهذا ما زاد تعقيد المسألة حسب تعبيره.
وطالب بإجراءات بناء ثقة على طريق إصلاح العلاقة مع دمشق، من ضمنها “حرية التنقل وفك الحصار، وإعادة القرى لأهلها المهجرين منها، والكشف عن مصير المغيبين قسرا، والبدء بالمحاسبة على الانتهاكات، والاعتراف بالجرائم المرتكبة والاعتذار عنها. والحديث بعد ذلك عن مستوى آخر من الضمانات السياسية والقانونية والدستورية.” وشكك في أن الدولة السورية لديها القدرة أو النية للقيام بذلك.
ورغم إجماع قادة الدروز في السويداء، على ضرورة حماية مجتمعهم بعد أعمال العنف، فإنهم لا يتحدثون بصوت واحد عندما يتعلق الأمر بالانفصال عن سوريا.
ويعتبر مدير العلاقات الإعلامية في مديرية إعلام السويداء قتيبة عزام، تصريحات الهجري “بعيدة كل البعد عن الواقع ولا تمثل أبناء المحافظة”.
وقال عزام، في تصريح لـ”الحرة”، إن الهجري “يمثل مجموعة محدودة من الأشخاص الذين التفوا حوله”، وشدد على أنه أو غيره “لا يستطيعون تغيير تاريخ الطائفة من أجل تنفيذ مصالح شخصية”، في إشارة إلى رفضه اعتبار الدروز في سوريا جزءا لا يتجزأ من إسرائيل.
إلا أن الأسعد شدد على ضرورة عدم تجاهل العلاقات بين الدروز في سوريا، والمجتمع الدرزي في إسرائيل الذي يؤثر على القرار الإسرائيلي. وللدروز في سوريا امتدادات دينية وقيادات روحية في إسرائيل.
وعند اندلاع أعمال العنف في السويداء في يوليو 2025، قصف الجيش الإسرائيلي قوات الحكومة السورية التي دخلت إلى المحافظة، ووجه ضربة لمقر وزارة الدفاع السورية في قلب العاصمة دمشق في رسالة تحذير للسلطات الجديدة تحت عنوان حماية الدروز.
وعلى الجانب الإسرائيلي، يقول السياسي الدرزي عضو الكنيست، أكرم حسون، في تصريح خاص لـ”الحرة”، إن تصريحات الهجري لا يمكن فصلها عن حالة انعدام الثقة التي نشأت بين قطاع واسع من دروز سوريا والسلطات في دمشق، عقب أحداث العنف والانتهاكات التي شهدتها مناطقهم.
واتهم حسون السلطات السورية بالمسؤولية عن انتهاكات طالت الدروز وأقليات أخرى، معتبرا أن ما جرى جعل من الصعب على أبناء الطائفة الاطمئنان إلى قدرة الحكومة على حمايتهم وضمان حقوقهم.
وشكلت الحكومة السورية بعد الأحداث الدامية في السويداء لجنة للتحقيق في الانتهاكات وتحديد المسؤوليات، وأكدت أن كل من تثبت مسؤوليته سيحاسب، سواء كان من القوات الحكومية أو الجماعات المسلحة.
ونفى حسون أن يكون ضم السويداء مطروحا بصورة رسمية في إسرائيل، لكنه شدد على أن دروز إسرائيل مستعدون لتقديم الدعم الذي يطلبه أبناء الطائفة في سوريا، سواء كان إنسانيا أو سياسيا أو أمنيا.
وقال حسون: “موضوع ضم السويداء لم يُطرح على جدول أعمال الحكومة ولا على جدول أعمال الكنيست الإسرائيلي”.
ومنذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وضعت إسرائيل هدفين معلنين في جنوب سوريا، هما نزع السلاح من المنطقة الواقعة جنوب دمشق، التي تشمل السويداء، ومنع تعرض أبناء الطائفة الدرزية للخطر.
وحضر ملف الدروز في اللقاء الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في الأردن، في الثالث والعشرين من أغسطس.
وبحسب الرواية الإسرائيلية التي نقلتها وسائل إعلام، وضعت إسرائيل مجموعة من “الخطوط الحمراء” أمام أي اتفاق أمني مع دمشق، أحدها ضمان أمن الدروز السوريين.
وفي المحصلة، تبدو تصريحات الهجري أقرب إلى التعبير عن انهيار عميق في الثقة بدمشق والبحث عن مظلة حماية خارجية، أكثر من كونها إعلانا عن مشروع انفصال متفق عليه مع إسرائيل.
ففي الوقت الذي تؤكد إسرائيل أنها لن تسمح باستهداف الدروز، لا يوجد موقف حكومي إسرائيلي معلن يتبنى ضم السويداء أو الاعتراف بانفصالها.
وفي المقابل، تتمسك دمشق بوحدة البلاد وعودة مؤسسات الدولة إلى السويداء، وتقول إن ذلك يمكن أن يتحقق بالحوار والشراكة مع المجتمع المحلي، وليس من خلال مواجهة عسكرية.