واشنطن العاصمة 02:46 PM

الحرب تفتح "خزائن المستقبل" الخليجية

الاضطرابات الإقليمية تدفع دولا خليجية للاستعانة بالثروات الضخمة المودعة في صناديقها السيادية.

· 5 دقيقة قراءة
مشهد عام لمدينة الكويت - 23 ديسمبر 2024. رويترز/ محمد عبد الغني
مشهد عام لمدينة الكويت - 23 ديسمبر 2024. رويترز/ محمد عبد الغني

دخلت الثروات السيادية في دول الخليج اختبارا جديدا مع استمرار الحرب، بعدما اتسعت الضغوط على الإنفاق الحكومي والإيرادات وحركة التجارة والطاقة والشحن.

وفي الكويت تحول النقاش بشأن استخدام هذه الثروات إلى خطوة رسمية قبل أيام، بعدما أصدر مجلس الوزراء مرسوما بقانون يجيز الاقتراض من احتياطي الأجيال القادمة لدعم الاحتياطي العام.

وتطرح الخطوة الكويتية سؤالا أوسع بشأن الدور الذي يمكن أن تلعبه الصناديق السيادية الخليجية خلال الأزمات، بعدما أصبحت من أكبر المستثمرين في العالم، وتملك أصولا تمنح حكومات المنطقة خيارات تمويلية واسعة إلى جانب الاقتراض والاحتياطيات العامة.

ويتيح القرار الاقتراض من الصندوق ضمن ضوابط أهمها ألا يتجاوز إجمالي القروض خلال سنة مالية متوسط عوائد “احتياطي الأجيال” خلال آخر خمس سنوات.

كما لا يمكن أن يتجاوز إجمالي القروض المتراكمة 10 بالمئة من صافي أصول الاحتياطي.

وتدير الهيئة العامة للاستثمار في الكويت صندوقين رئيسيين: صندوق الاحتياطي العام، الذي يمثل الخزانة الرئيسية للحكومة، وصندوق احتياطي الأجيال القادمة، الذي أنشئ عام 1976 لاستثمار جزء من إيرادات الدولة لصالح الجيل القادم.

وجاء السماح بالاقتراض بعدما اتسعت الفجوة بين الموارد المتاحة للاحتياطي العام والأموال المتراكمة في احتياطي الأجيال، في وقت تقدر أصول الهيئة العامة للاستثمار بنحو تريليون دولار، لتبقى بين أكبر المستثمرين السياديين في العالم.

وسبق أن استعانت الكويت باحتياطي الأجيال بعد الغزو العراقي عام 1990 لتمويل إعادة البناء. كما شهدت فترات لاحقة ما يعرف بمناقلة الأصول بين الاحتياطيين.

ويقول محمد رمضان، المستشار السابق لوزير المالية الكويتي، إن الجديد اليوم هو وجود آلية منظمة للاقتراض، مشيرا في تصريحات لـ”الحرة” إلى الحجم الكبير جدا لاحتياطي الأجيال، في وقت صار الاحتياطي العام ضعيفا.

وتفصل القوانين الكويتية بين الإيرادات العامة للدولة وعوائد استثمارات الصناديق السيادية. وتدخل إيرادات النفط والإيرادات المحلية الأخرى في الموازنة، بينما لا تدخل عوائد استثمارات احتياطي الأجيال ضمن الإيرادات التي تمول الإنفاق العام.

وحسب رمضان، تستهدف الضوابط الجديدة دعم الاحتياطي العام من دون التأثير بصورة كبيرة على احتياطي الأجيال.

وخلال السنوات الأخيرة باتت الصناديق السيادية الخليجية بين أكبر مالكي الأصول والاستثمارات في العالم، مع توسعها في الأسهم والعقارات ومشروعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب استثماراتها المحلية المرتبطة بخطط التنويع الاقتصادي.

وفي 2025 استثمرت سبعة من أكبر الصناديق الخليجية نحو 119 مليار دولار، بما يعادل نحو 43 بالمئة من إجمالي الأموال التي استثمرتها الصناديق السيادية عالميا خلال العام.

واستمر النشاط الاستثماري خلال الحرب الحالية، إذ ضخت الصناديق السيادية الخليجية نحو 53.9 مليار دولار عبر 108 صفقات خلال النصف الأول من 2026، فيما تصدرت “مبادلة” الإماراتية الصناديق الأكثر نشاطا باستثمارات بلغت 15.2 مليار دولار.

وتتباين طبيعة هذه الصناديق بين دولة خليجية وأخرى.

ففي الكويت يرتبط “احتياطي الأجيال” بصورة مباشرة بادخار جزء من ثروة الدولة للمستقبل، بينما يدير صندوق الاستثمارات العامة السعودي أصولا واستثمارات ترتبط بمشروعات التحول الاقتصادي داخل المملكة.

وفي الإمارات تعمل صناديق كبيرة بينها جهاز أبوظبي للاستثمار و”مبادلة” وADQ، إلى جانب جهاز قطر للاستثمار وجهاز الاستثمار العماني و”ممتلكات” في البحرين.

وتقدر أصول جهاز قطر للاستثمار، على سبيل المثال، بنحو 600 مليار دولار.

وسبق أن أفادت “فاينانشيال تايمز” بأن الدوحة لجأت إلى صندوقها السيادي للمساعدة في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي خلال الحرب الحالية، بالتزامن مع خفض ميزانيات بعض الجهات الحكومية بما يصل إلى 30 بالمئة.

لكن المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية القطرية قال لاحقا إن الأرقام الواردة في تقرير الصحيفة غير دقيقة، موضحا أن خفض الـ30 بالمئة جاء في إطار إجراءات احترازية اتخذت في بداية الأزمة، وكانت مرتبطة بالمصاريف التشغيلية فقط، وليس الرواتب أو المصاريف الرأسمالية.

وفي المقابل قالت S&P Global Ratings إن الحكومة القطرية تعتمد خلال 2026 على مزيج من الاقتراض والسحب من الأصول لتمويل العجز، مشيرة إلى أن الأصول الحكومية السائلة تشمل أموال جهاز قطر للاستثمار وصندوق استقرار الموازنة واحتياطيات المصرف المركزي.

ويرى الكاتب والاقتصادي العماني يوسف الهوتي في تصريحات لـ”الحرة” أن الحرب المستمرة في المنطقة تحول بعض الصناديق السيادية تدريجيا من دورها الاستثماري طويل الأجل إلى لعب دور “جسر مالي” خلال الأزمات، خصوصا مع زيادة الإنفاق وتراجع بعض الإيرادات.

لكن استخدام الثروات السيادية لا يقتصر على السحب المباشر من الصناديق أو بيع استثماراتها. إذ تستطيع الحكومات استخدام السيولة والعوائد، أو الاقتراض من الصندوق كما فعلت الكويت، كما يمكنها اللجوء إلى أسواق الدين أو بيع حصص في شركات واستثمارات قائمة.

وبدأت السعودية قبل أيام محادثات لجمع ما لا يقل عن ثمانية مليارات دولار عبر قرض جديد، بحسب بلومبرغ، بعدما جمعت نحو ستة مليارات دولار من إصدارات الدين المحلية والدولية خلال العام.

وفي المقابل جمع صندوق الاستثمارات العامة سبعة مليارات دولار من سوق السندات في مايو، بالتزامن مع إعادة ترتيب استراتيجيته الاستثمارية للفترة بين 2026 و2030.

وفي الإمارات لم يعلن عن سحب استثنائي من الصناديق السيادية الرئيسية لتمويل الموازنة بسبب الحرب، بل أعلنت “مبادلة” في أبريل ارتفاع الأصول التي تديرها بنسبة 17 بالمئة إلى نحو 1.4 تريليون درهم، أي قرابة 385 مليار دولار، مع استمرار نشاطها الاستثماري خلال العام.

وأثرت حرب إيران بشدة على صادرات الطاقة الخليجية، إذ سجلت الكويت في أبريل صفرا من صادرات النفط الخام للمرة الأولى منذ نهاية حرب الخليج عام 1991، بعدما كانت تصدر نحو 1.2 مليون برميل يوميا في فبراير.

وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية القوة القاهرة مع تعطل الشحن عبر مضيق هرمز في مارس، قبل أن تبدأ لاحقا في رفع هذه القيود تدريجيا مع تحسن الأوضاع.

كما أوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال وأعلنت القوة القاهرة على عدد من عقود التصدير، فيما تراجع إنتاج البحرين النفطي وأوقف حقل أبو سعفة المشترك مع السعودية في مارس.

وتمنح أحجام الأصول السيادية الحكومات الخليجية خيارات تمويلية عدة، في وقت لجأت فيه جهات حكومية وشبه حكومية في المنطقة إلى أسواق الدين والقروض خلال الحرب، إلى جانب استخدام الاحتياطيات والسيولة المتاحة.

ويقول محمد القياض الشليخي، المستشار السابق في وزارتي العمل والإسكان في السعودية، إن الأزمة أعادت إبراز وظيفة الصناديق باعتبارها “ممتصا للصدمات” إلى جانب دورها الأصلي في بناء ثروة المستقبل.

ويرى الهوتي أن اللجوء إلى الدين يسمح للحكومات بالحفاظ على الأصول المستثمرة بدلا من بيعها، معتبرا أن ذلك يدخل ضمن قدرتها على التعامل مع الصدمات.

لكنه يضيف أن “المشكلة تبدأ عندما تتحول الاستثناءات إلى طريقة دائمة لتمويل المالية العامة”.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة