تسعى الصين إلى توسيع دورها في النقاش حول مستقبل النظام الأمني في الشرق الأوسط، بالتزامن مع انشغال دول المنطقة في تقييم علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة على خلفية الحرب مع إيران.
وطرح الرئيس الصيني شي جين بينغ، الثلاثاء، أربع نقاط لبناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط، داعيا دول المنطقة إلى تولي زمام أمنها ورفض التدخل الخارجي ومعالجة القضية الفلسطينية وتعزيز التنمية والتعاون الدولي.
لكن خبراء أميركيين يرون أن الطرح الصيني لا يرقى حتى الآن إلى مستوى تقديم نظام أمني بديل للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة، وإنما يعكس محاولة من بكين لتقديم نفسها كشريك دبلوماسي واقتصادي يمنح دول المنطقة مساحة أكبر للمناورة من دون أن يتحمل التزامات أمنية مماثلة لواشنطن.
وجاءت المبادرة الصينية بعد زيارة نادرة أجراها شي إلى القاهرة، هي الأولى له منذ 10 سنوات، في إطار تحركات أوسع لبكين لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي في المنطقة.
وسبقت الزيارة تحركات مماثلة، إذ زار العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بكين في نهاية أغسطس، والتقى شي الذي دعا إلى “حل دبلوماسي” للأزمة في الشرق الأوسط وضرورة احترام سيادة دول المنطقة.
ويقول آرون غلاسرمان، زميل السياسة الخارجية لدى مركز تحليل الصين التابع لمعهد سياسة جمعية آسيا، إن أجندة بكين المؤلفة من أربع نقاط “ليست في الواقع مقترحا لشيء ملموس”، وإنما وسيلة لتقديم نفسها خطابيا كشريك بنّاء لدول الشرق الأوسط وتمييز نفسها عن الولايات المتحدة.
وأضاف غلاسرمان لـ”الحرة” أن الولايات المتحدة يُنظر إليها في أجزاء من المنطقة على أنها شريك “غير موثوق وغير مقيّد بالمعايير والقانون الدوليين”، وهو ما يوفر للصين فرصة لتقديم نفسها كطرف مختلف.
ويرى أن دوافع بكين في الشرق الأوسط ترتبط بدرجة كبيرة بمصالحها الاقتصادية.
فعلى مدى عقود، اعتمدت دول الشرق الأوسط، وخاصة دول الخليج، على الولايات المتحدة باعتبارها الشريك الأمني الرئيسي في مواجهة التهديدات الإقليمية، وفي مقدمتها إيران والصواريخ والطائرات المسيرة وأمن الملاحة والطاقة.
وتستند هذه الشراكة إلى وجود عسكري أميركي واسع في المنطقة، واتفاقيات دفاع وتعاون أمني، إضافة إلى صفقات أسلحة وتدريبات مشتركة وتبادل للمعلومات.
وتوفر دول خليجية، بينها قطر والبحرين والكويت والإمارات والسعودية، تسهيلات عسكرية مهمة للقوات الأميركية، فيما تستضيف قطر قاعدة العديد، التي تعد من أهم مراكز العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة.
وتتمتع الولايات المتحدة أيضا بعلاقات أمنية وثيقة مع دول خارج الخليج. فالأردن شريك رئيسي لواشنطن في مكافحة الإرهاب وأمن الحدود، ويستضيف قوات ومنشآت عسكرية أميركية، فيما تتلقى مصر مساعدات عسكرية سنوية من واشنطن تبلغ نحو 1.3 مليار دولار.
وفي المقابل، لا يقدم الطرح الصيني حتى الآن التزامات أمنية مماثلة.
ويقول جون كالابريس، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأميركية بواشنطن، إن “بكين لا تقدم رؤية مختلفة للنظام الإقليمي، بقدر ما تمنح دول المنطقة مخرجا من الشروط التي تأتي مع الرعاية الأميركية”.
وأوضح لـ”الحرة” أن العرض الصيني يقوم على “شراكة اقتصادية ودبلوماسية من دون شروط تتعلق بالحكم، ووساطة من دون التورط في تحالفات، وتضامن خطابي ضد التنمر الخارجي بتكلفة قليلة على الصين”.
ويضيف كالابريس أن هذا العرض يمنح دول المنطقة مساحة أكبر للمناورة بين القوى الكبرى ويعزز التعددية القطبية على المستوى الدبلوماسي، لكنه لا يعني أن الصين أصبحت مستعدة لتولي دور أمني مماثل للدور الأميركي.
وقال إن الطرح الصيني “لا يرقى إلى مستوى نظام أمني منافس”، لأن الصين تفتقر إلى الإرادة والقدرة اللازمتين لدعم نظام من هذا النوع.
وقد لا تحتاج بكين، في الوقت الحالي، إلى إزاحة الولايات المتحدة من الشرق الأوسط حتى تحقق أهدافها. فزيادة قدرة دول المنطقة على تنويع علاقاتها بين واشنطن وبكين وقوى أخرى تتيح للصين توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي من دون الدخول في التزامات أمنية واسعة.
ويقول غلاسرمان إن “الصين أقل اهتماماً بتشكيل ميزان القوى الإقليمي من اهتمامها بضمان أن أي توازن يتم التوصل إليه في نهاية المطاف يسمح لها بمواصلة الاستفادة اقتصادي”.
وأضاف أن مصالح بكين في المنطقة “اقتصادية بالدرجة الأولى”، وتشمل الطاقة والتجارة والاستثمار، مشيرا إلى أن الأولوية الصينية هي الحفاظ على هذه المصالح وتعزيزها رغم الصراع الحالي.