واشنطن العاصمة 05:46 PM

صراع ليبيا يضرب خزانات النفط

تطورات متلاحقة تضع منشآت الطاقة والبنية التحتية في صلب الملف الأمني والسياسي الليبي.

· 4 دقيقة قراءة
صورة تظهر تصاعد الدخان من مجمع الزاوية النفطي عقب هجمات بطائرات مسيرة، 11 أغسطس 2026. (الاتحاد الأوروبي/Copernicus Sentinel-2/صورة موزعة عبر رويترز).
صورة تظهر تصاعد الدخان من مجمع الزاوية النفطي عقب هجمات بطائرات مسيرة، 11 أغسطس 2026. (الاتحاد الأوروبي/Copernicus Sentinel-2/صورة موزعة عبر رويترز).

دخل الصراع الليبي مرحلة جديدة، أكثر خطورة، مؤخرا بعد هجمات مباشرة استهدفت بطائرات مسيرة مواقع نفطية.

والأحد، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية تفكيك خلية وصفتها بالتخريبية، قالت إنها تقف وراء هجمات بطائرات مسيرة استهدفت خزانات النفط في مدينتي طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية، إلى جانب إحباط مخططات أخرى كانت تستهدف منشآت حيوية، وقيادات سياسية، وأمنية، وعسكرية.

وقالت الحكومة إن العملية الأمنية أسفرت عن القبض على خمسة عناصر، ليبيين وأجانب، مشددة على استمرار الملاحقة، والإعلان لاحقا عن “تفاصيل المخطط” وهوية الأطراف المتورطة فيه.

ويمثل استهداف مصفاة ومنشآت الزاوية بالطائرات المسيرة تطورا لافتا، نظرا لأسلوب الهجوم والأهمية الاستراتيجية للموقع المستهدف.

ووفق ما أعلنته المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة لتسويق النفط، فقد تعرضت المصفاة لهجوم بخمس طائرات مسيرة مجهولة المصدر خلال 24 ساعة، ما أدى إلى تضرر عدد من خزانات الوقود واندلاع حريق بإحداها، نتج عنه احتراق 4.5 مليون لتر من البنزين.

والزاوية أكبر مصافي النفط العاملة في ليبيا، بطاقة تبلغ 120 ألف برميل يوميا، وتؤدي دورا محوريا في توفير الوقود اللازم لتشغيل المرافق والخدمات الحيوية، كما ترتبط مباشرة بتشغيل محطات إنتاج الكهرباء ومحطات تحلية المياه المجاورة في المنطقة الغربية.

وبعد الهجوم بأيام دعا كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مسعد بولس، إلى إجراء تحقيقات شاملة، مؤكدا الحاجة إلى مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة ومهنية قادرة على توفير الأمن للشعب الليبي.

ووصفت رئيسة البعثة الأممية لدى ليبيا، هانا تيتيه، استهداف مصفاة الزاوية بالتطور المقلق، وحذرت من تداعياته على قدرة السلطات على تقديم السلع والخدمات العامة للسكان في غرب ليبيا.

والتوترات الأمنية ليست جديدة على الزاوية، إذ شهدت المدينة خلال السنوات الماضية اشتباكات بين تشكيلات مسلحة، وقع بعضها وسط الأحياء السكنية، وأسفر عن سقوط ضحايا وأضرار في الممتلكات العامة والخاصة.

وتفاقمت التوترات في بعض المراحل لتصل إلى إغلاق مصفاة النفط أو تعطيل عملها، لكن استهداف المصفاة بالطيران المسير جاء ليشكل تطورا أكثر خطورة ويضع النفط مجددا في قلب الصراع الليبي، ليس فقط باعتباره مصدرا رئيسيا لإيرادات الدولة، وإنما أيضا باعتباره عنصرا حاسما في قدرة الأطراف المتنافسة على إدارة المؤسسات والمنشآت الاستراتيجية.

ويربط عضو المجلس الأعلى للدولة نوح المالطي التطورات الأخيرة بالانقسام السياسي والعسكري الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات.

ويقول لـ”الحرة” إن ذلك الانقسام جعل السيطرة على الموارد والمنشآت النفطية جزءاً من معركة النفوذ، في وقت لا تزال فيه البلاد عاجزة عن الوصول إلى مؤسسات موحدة وجيش واحد يقدر على فرض الأمن في جميع مناطقها.

ويغطي قطاع النفط أكثر من 95 في المئة من إجمالي إيرادات ليبيا العامة، بواقع 17.8 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، ونحو 22 مليار دولار خلال عام 2025، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي.

ورغم إعلان الحكومة الليبية تصفية الخلية، بقيت هوية الطرف المسؤول عن الهجمات غير محددة بصفة رسمية.

وحمّل خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة السابق، حكومة عبد الحميد الدبيبة مسؤولية التصعيد الأخير، مشيرا في تصريحات لـ”الحرة” إلى أن الدبيبة يسعى إلى بسط سيطرته الأمنية على الزاوية ومصراتة، اللتين تعدان خارج نطاق سيطرته.

بينما قال عضو مجلس النواب الليبي عبد المنعم العرفي لـ”الحرة” إن التفجيرات تعكس هشاشة حكومة الوحدة وعدم قدرتها على بسط نفوذها في جميع المدن.

ورغم محاولات حكومة الوحدة توسيع نفوذها الأمني، لا تخضع الزاوية ومصراتة للسيطرة الأمنية المباشرة لها، إذ تتمتع فيهما تشكيلات مسلحة بنفوذ أوسع منذ الإطاحة بالقذافي عام 2011.

وقال مصدر أمني مسؤول في حكومة الوحدة لـ”الحرة” إن الدبيبة عقد في التاسع من أغسطس، أي في اليوم السابق لاستهداف المصفاة، اجتماعا أمنيا موسعا ضم عددا من المسؤولين الأمنيين والعسكريين.

وبحسب المصدر، طرح الدبيبة خلال الاجتماع فكرة توجيه ضربة عسكرية إلى التشكيلات المسلحة في الزاوية، لكن المقترح قوبل بالرفض من أحد القادة العسكريين المشاركين في الاجتماع.

واتهم المصدر التشكيلات المسلحة والميليشيات المتصارعة في المدينة بالمسؤولية عن الهجمات التي طالت المصفاة، معتبرا أن ذلك يهدد أحد أهم مقومات الدولة، وهو قطاع النفط.

ومن ناحية أخرى، ربط مصدر من مجلس الدولة في تصريحات لـ”الحرة” ضرب المصفاة بالرغبة في إثارة التوترات والتلاعب بمقدرات الدولة.

ومرت ليبيا منذ إطاحة القذافي بفترات انتقالية تولت خلالها ست حكومات زمام الحكم، ما سمح بظهور تشكيلات وتحالفات عسكرية غير نظامية، أعقبتها سلسلة من التوترات الأمنية والصراعات السياسية والعسكرية، وصولا إلى انقسام السلطة بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب.

وتسيطر حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة على المنطقة الغربية، بينما تتولى حكومة أسامة حماد إدارة المناطق الواقعة تحت نفوذ مجلس النواب في الشرق.

وأدى استمرار الخلاف إلى ترسيخ واقع وجود حكومتين ومراكز نفوذ متعددة، مع استمرار التنافس على المؤسسات والموارد، وفي مقدمتها النفط.

ويحتفظ الدبيبة بحقيبة وزارة الدفاع، لكنه لا يمتلك جيشاً موحداً ونظامياً يخضع بالكامل لسلطة الحكومة، ما يجعل إدارته تعتمد على تحالفات مع تشكيلات مسلحة.

وفي المقابل تقع مساحات واسعة من المنطقة الشرقية والجنوبية تحت نفوذ القيادة العامة للجيش الوطني، بقيادة خليفة حفتر.

وتشمل تلك المساحة أحواضا وحقولا نفطية مهمة، بينها حوضا سرت ومرزق، بينما تقع مصفاة الزاوية وعدد من الحقول النفطية المهمة ضمن مناطق نفوذ حكومة الدبيبة.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة