واشنطن العاصمة 01:23 PM

سماء زرقاء إلى حدّ مريب 

هذا المقال جزء من سلسلة مقالات بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر.

اقرأ بـ English
· 3 دقيقة قراءة
زهور تصطف عند مكتب تذاكر شركة يونايتد إيرلاينز في مطار لوغان في بوسطن، ماساتشوستس، في 18 سبتمبر/أيلول 2001. قبل أسبوع من هذا اليوم، اختُطفت الرحلة 175 التابعة لشركة يونايتد إيرلاينز، التي كانت متجهة من بوسطن، وتحطمت في مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك. رويترز/برايان سنايدر

أحاول أن اتخيل.

هل طلبت كرستين لي هانسون من والدتها، سو كيم، أن تجلس عند النافذة؟

عندما وصلت مع أمها وأبيها، بيتر، إلى مقاعدهم في الصف التاسع عشر في الطائرة، هل بدّلت الطفلة مقعدها 19D مع مقعد والدتها في 19F لتراقب بينما ترتفع الطائرة بثقلها عن أرض المدرج في مطار لوغان في بوسطن؟ هل راقبت مدينتها وهي تبتعد وتصير أصغر، وهل راحت بدهشة الأطفال تقيس بأصابعها أحجام المباني وهي تصغر لتصير طوع يديها؟

كان ذلك في صباح الحادي عشر من سبتمبر 2001. السماء، كما في حكايات الأطفال، صافية تماما وزرقاء إلى حدّ مريب. لكن ما كان بالإمكان التنبؤ مع طقس خريفي جميل كهذا، بقدوم عاصفة. كانت الغيوم الخفيفة التي تخترقها الطائرة في صعودها إلى الارتفاع المناسب، أقرب إلى قطع من القطن الأبيض المتناثر، بالنسبة إلى الطفلة التي لم تبلغ بعد عامين ونصف. وفي عمرها، أبسط الأمور تبعث على الدهشة: ألوان ملابس المضيفة مثلا، أو ضوء القراءة فوق المقعد، أو حتى صوت محرك الطائرة وهو يهدر بإيقاع يحرّض على النعاس.

لكن خمسة إرهابيين يحملون السكاكين وشفرات الحلاقة ورذاذ الفلفل يظهرون فجأة في بدن الطائرة ويبدأون بالصراخ وطعن المضيفات. كيف لطفلة أن تستوعب مشهدا كهذا في دماغها الصغير؟

ربما ظنّت الطفلة لوهلة أن ما يحدث لعبة ما. وربما التفت إليها والدها بيتر، وبنظرة تحاول بصعوبة إخفاء رعب خانق، رسم ابتسامة على وجهه، وطمأنها بأن كل ما يحدث مجرد لعبة. ربما أقنعها، كما فعل روبيرتو بينيني في تحفته الحائزة على الأوسكار “لا فيتا أي بيلا” (الحياة حلوة)، أن كل هذا الإرهاب الجنوني المحيط بها، ليس سوى لعب أطفال وأن هناك جائزة في نهاية اللعبة.

في الفيلم الذي تدور أحداثه في إيطاليا في العام 1943 بعد احتلال ألمانيا النازية لها، يتم اعتقال غويدو (يلعب دوره روبيرتو بينيي نفسه) مع عائلته ضمن اعتقالات بالجملة طالت يهودا ايطاليين، ويتم ترحيلهم بالقطار إلى معسكر نازي، بعد فصل الأم عن ابنها وزوجها. غويدو، لتجنيب ابنه الرعب، يقنعه بأن معسكر الاعتقال هو جزء من لعبة، وبأن عليه الاختباء، وعندما ينجح في جمع ألف نقطة سينال في نهاية اللعبة جائزة عبارة عن دبابة حقيقية!

يحوّل غويدو المعتقل النازي المريع، إلى جزء من لعبة ممتعة لابنه كآلية دفاعية في وجه الإرهاب النازي.

هل قام بيتر، والد كرستين، بالأمر نفسه مع ابنته؟ هل دفعه الخوف إلى ملعب الكذب الأبيض لإحاطة الطفلة بطمأنينة كاذبة في انحدار الطائرة مثقلة بحقد خاطفيها الإرهابيين للارتطام بالبرج الجنوبي؟ 

لا نعرف تماما ماذا حدث في الدقائق الأولى بعد اختطاف الطائرة، لكن تشير تحقيقات لجنة 11 سبتمبر إلى أنه بعد اقتحام الخاطفين لقمرة القيادة واستخدام رذاذ الفلفل الحار والسكاكين، أُجبر معظم ركاب الدرجة الأولى والصفوف الأمامية والوسطى على التحرك والتراجع قسرا نحو مؤخرة الطائرة، ومن ضمنهم كرستين ووالديها. هل نجح بيتر في اقناع ابنته بأن هذا جزء من اللعبة؟ في الخلف هناك، في خضم الخوف والانتظار القاتل، أجرى بيتر مكالمتين هاتفيتين بوالده، وثقتها التحقيقات. في الاتصال الأول الذي تلقاه والده عند الساعة 8:52 صباحا، في بلدة إيستون بولاية كونيتيكت، قال بيتر وبدا متماسكا: “أعتقد أنهم سيطروا على قمرة القيادة لقد طُعنت إحدى المضيفات، وربما قُتل شخص آخر في المقدمة. الطائرة تقوم بحركات غريبة. اتصل بشركة يونايتد إيرلاينز أخبرهم أنها الرحلة 175، من بوسطن إلى لوس أنجلوس”.

هل سمعت كريستين والدها وهو يهمس لجدها بهذه الكلمات؟ هل كانت تفهم ما يجري وأن الحكاية ليست لعبة؟ هل خطفها الرعب هي أيضا، وفهمت فداحة الموقف؟ هل كانت تمسك بيد أبيها أم بطرف ثوب أمها؟

في الاتصال الثاني، أمكن للأب أن يشعر بالرعب والارتجاف الذي كان يتخلل صوت ابنه: “الوضع يزداد سوءا يا أبي. لقد طُعنت إحدى المضيفات. يبدو أن بحوزتهم سكاكين ورذاذ الفلفل الحار. قالوا إن لديهم قنبلة. الوضع يزداد سوءا للغاية على متن الطائرة. الركاب يتقيؤون ويشعرون بالإعياء. الطائرة تتحرك بحركات متشنجة وعنيفة. لا أعتقد أن الطيار هو من يقود الطائرة. أعتقد أننا نهوي أظن أنهم ينوون الذهاب إلى شيكاغو أو مكان ما والاصطدام بمبنى. لا تقلق يا أبي، إذا حدث ذلك، فسيكون سريعا جدا.. يا إلهي، يا إلهي”.

كرستين حائرة ربما إزاء كل ما يحدث حولها.

ربما بكت؟

ربما احتضنت أمها وأباها بكل ما أوتيت من قوة، وأغمضت عينيها في لحظة الارتطام. ربما كما فعل غويدو في “الحياة حلوة” قبل إعدامه، أثناء تماسه الأخير مع ابنه وهو يخفيه في خزانة، همس والد كريستين في أذنها: “إنها الجولة الأخيرة يا صغيرتي. الجميع يبحثون عنا، فقط إياكِ أن تصدري صوتا، ولا تفتحي عينيكِ حتى يرحلوا جميعا. وحين ينتهي كل شيء، سنكون قد جمعنا الألف نقطة وفزنا بالجائزة الكبرى!”.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة