كشفت المعارك الأخيرة في مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية في جنوب لبنان عن جزء مهم من شبكة الأنفاق التي طورها حزب الله على مدى سنوات.
وأعلن الجيش الإسرائيلي في بداية سبتمبر العثور على منشآت قيادة وأسلحة تحت الأرض، ما أعاد تسليط الضوء على شبكة أنفاق الحزب وتاريخها، والأطراف المساهمة في تشييدها وتطويرها.
ثم قال الجيش الإسرائيلي في 6 سبتمبر، إنه فجّر 15 نفقا في منطقة النبطية جنوبي لبنان، تمتد من محيط قلعة الشقيف وصولا إلى مرتفعات علي الطاهر، التي أعلنت إسرائيل إحكام السيطرة العملياتية عليها، بعدما رفض حزب الله تسليمها للجيش اللبناني، ضمن إطار خطة نزع السلاح غير الشرعي وحصره بيد الدولة، التي رعتها واشنطن.
وذكرت مصادر عسكرية لبنانية لـ”الحرة” أن الجيش الإسرائيلي سيطر على المداخل الجنوبية للمرتفعات، بينما لا يزال يراقب مداخل أخرى بالطائرات المسيرة، من دون معرفة حجم توغله داخل شبكة أنفاق حزب الله، الذي تصنفه واشنطن جماعة إرهابية.
ويعود تاريخ أنفاق حزب الله إلى ما هو أقدم بكثير من منشآت علي الطاهر، إذ بدأ الحزب، تطويرها تدريجيا منذ منتصف الثمانينيات، خلال فترة الوجود الإسرائيلي في لبنان. ثم توسعت هذه المنظومة بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.
وكان حزب الله يتمتع آنذاك بحرية عمل واسعة أتاحتها الدولة اللبنانية التي شرعت نشاطاته بموجب البيان الوزاري تحت مسمى “المقاومة”.
وظهرت أهمية الأنفاق بالنسبة لحزب الله، الموالي لإيران، بشكل أكبر خلال “حرب تموز” عام 2006، وحينها اصطدم الجيش الإسرائيلي بمنظومة من التحصينات والمخابئ والأنفاق التي كانت تضم مواقع قيادة وتخزين ومرافق للحياة اليومية، إضافة إلى وسائل اتصال وتهوية.
وفي عام 2018، وثقت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، شبكة أنفاق لحزب الله قرب الخط الأزرق بين لبنان وإسرائيل الذي حددته الأمم المتحدة عام 2000، وقالت القوة الدولية حينها إنها تحققت بشكل مستقل من وجود 4 أنفاق قرب الحدود.
وكشفت أن اثنين منها يصلان إلى إسرائيل. وقدرت اليونيفل عمق الأنفاق حينذاك بين 29 و46 مترا، قبل أن تكتشف عددا أكبر منها بحلول عام 2019.
يقول الخبير العسكري، العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني حسن جوني، لـ “الحرة” إن تركيز حزب الله على الأنفاق بدأ كجزء من الخطة الدفاعية في لبنان في فترة ما بعد حرب 2006. وبدأ في ذلك الوقت العمل لإدماج شبكة الأنفاق مع المنظومة الدفاعية، وبناء بنى تحتية متكاملة تحت الأرض، تتماهى وتتكامل في نفس الوقت مع خطط الهجوم.
ويميز جوني بين أنواع عدة لأنفاق حزب الله، فمنها المخصص لربط المراكز والمقرات لتأمين حركة المقاتلين ونقل المعدات واللوجستيات أو إخلاء الجرحى، ومنها أنفاق لنقل المسلحين إلى نقاط أمامية، كتلك التي استغلها مقاتلو الحزب في حرب تموز.
ومع اتساع هذه الشبكة من الأنفاق على مدى سنوات، برزت تساؤلات بشأن الخبرات والإمكانات التي ساعدت حزب الله على تطويرها، والجهات التي قدمت له الدعم في مراحل بنائها وتحصينها.
وبحسب مقال نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، نقل عنه تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس الأميركي (CRS)، استعان حزب الله بخبراء ومعدات من كوريا الشمالية للمساعدة في حفر الأنفاق وإنشاء التحصينات تحت الأرض، في إطار تعاون كوري شمالي–إيراني في لبنان بين عامي 2003 و2004.
ويشير المقال إلى أن شركة “مؤسسة كوريا للتعدين والتطوير التجاري” (KOMID) ، المعروفة أيضا باسم “تشاغوانغ سينيونغ”، قدمت المساعدة للإيرانيين وعناصر حزب الله في أعمال الحفر، مستفيدة من الخبرة الكورية الشمالية الطويلة في إنشاء الأنفاق العميقة، لا سيما تلك التي حفرتها كوريا الشمالية تحت المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين.
كما أشار تقرير آخر لخدمة أبحاث الكونغرس الأميركي، إلى أن التعاون الكوري الشمالي–الإيراني شمل تصميم وبناء ملاجئ وأنفاق تحت الأرض ضمن برنامج لتطوير منشآت للبنية التحتية النووية الإيرانية، وشمل التعاون بين بيونغ يانغ والحرس الثوري الإيراني مساعدة واسعة لحزب الله في بناء منشآت عسكرية تحت الأرض في لبنان.
وتحدث خبراء عسكريون عن تعاون آخر بين حزب الله وحركة حماس، التي تصنفها واشنطن جماعة إرهابية، فيما يتعلق ببناء الأنفاق.
ويقول رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية، اللواء المتقاعد في الجيش المصري، سمير راغب في حديث لـ “الحرة” إن “ضباطا إسرائيليين يعتقدون أن حزب الله تلقى معلومات من حماس بشأن تشييد الأنفاق”، مشيرا إلى أن كلاهما طور إمكانياته محليا بدعم مادي من إيران.
ويتفق مع هذا الطرح، مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية، اللواء وائل ربيع، الذي قال لـ”الحرة” إن حماس وحزب الله تبادلا الخبرات، إذ طوّرت الحركة الفلسطينية نماذج حفر وتدعيم خرساني خاصة بها تناسب الطبيعة الجغرافية للقطاع، لتصبح شريكا لحلفائها في تطوير تكتيكات حرب الأنفاق في المنطقة.
ولم يستبعد العميد حسن جوني، التعاون بين حماس وحزب الله في تطوير الأنفاق، لكنه شكك في نجاعتها بالنسبة لحزب الله، خلافا لما هو الحال عليه بالنسبة لحماس.
ويقول جوني إن مفهوم الأنفاق في غزة أكثر تطبيقا وفعالية، لأن طبيعة الأرض لا توفر مساحات اختفاء وحماية للمسلحين بسبب الجغرافيا المكشوفة.
وبالتالي كانت حاجة حماس أكبر لشبكة واسعة جدا من الأنفاق، تؤمن ديناميكية التحرك تحت الأرض عبر أنفاق تخترق القطاع بالطول وبالعرض.
ويعتبر جوني أن بناء الأنفاق يكون عامل قوة في حالات الدفاع، أما إذا كانت معارك تلك المجموعات المسلحة، مثل حزب الله، ذات طبيعة غير تقليدية وتتحرك خلالها بديناميكية معينة، تصبح هذه الأنفاق والبنى التحتية “دون جدوى، بدليل ما حصل في علي الطاهر”، حسب تعبيره.