واشنطن العاصمة 11:48 AM

لماذا يثير "جبل الفأس" قلق واشنطن؟

أهمية "جبل الفأس" تتجاوز حدود المنشأة نفسها وما يجري حاليا فيها لتطرح سؤالاً حول قدرة المجتمع الدولي على التحقق من مسار البرنامج النووي الإيراني.

· 5 دقيقة قراءة
أصفهان، إيران [صورة: STR / صورة أقمار صناعية ©2026 Vantor / AFP] تُظهر صورة الأقمار الصناعية، التي وفّرتها شركة Vantor لوكالة فرانس برس، مركبات عند المدخل الغربي لمجمع أنفاق جبل الفأس (Pickaxe Mountain) المجاور للمنشأة النووية في نطنز، بالقرب من نطنز، في محافظة أصفهان وسط إيران، بتاريخ 21 يونيو/حزيران 2026.

عاد موقع “جبل الفأس” في إيران إلى واجهة الأحداث، بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن واشنطن رصدت نشاطا في الموقع، محذراً طهران من مواصلة العمل فيه.

وأكد ترامب خلال كلمته بمؤتمر الحزب الجمهوري في دالاس، الأربعاء، إن الولايات المتحدة قد تضرب الموقع، إذا استمرت إيران في أنشطتها التي وصفها بالاستفزازية.

وجاءت تصريحات ترامب بعد يوم من نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS تحليلاً جديداً لصور الأقمار الصناعية.

وتوصل التقرير إلى أن النشاط الإنشائي في “جبل الفأس” خلال عام 2026 قد بلغ أعلى مستوياته منذ إنشاء الموقع، مع مؤشرات على انتقال المشروع من مرحلة الحفر إلى البناء والتجهيز داخل المجمع.

وتزداد خطورة تلك المعلومات في ظل عدم تمكن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من التحقق ميدانياً من طبيعة النشاط داخل المجمع، ما يجعل صور الأقمار الصناعية أحد المصادر الرئيسية المتاحة لرصد التطورات الجارية داخله.

ما هو جبل الفأس؟

يقع جبل الفأس في محافظة أصفهان، على بعد نحو كيلومترين جنوب منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، ونحو 220 كيلومتراً جنوب طهران.

والموقع عبارة عن مجمع أنفاق محفور داخل جبل من الغرانيت، ما يمنحه مستوى من الحماية يفوق المنشآت النووية التي تقع فوق سطح الأرض.

ويقول إريك بروير، نائب رئيس برنامج أمن المواد النووية في مبادرة التهديد النووي لـ”الحرة”، إن أهمية الموقع زادت بعد الأضرار التي لحقت بنطنز وفوردو خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية، إذ بقي”جبل الفأس” بين عدد محدود من المواقع الإيرانية التي يمكن نظرياً استخدامها في أنشطة تخصيب اليورانيوم.

لكن بروير يشدد على أن الغرض الدقيق للمنشأة لا يزال غير محدد، لأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تتمكن من دخولها.

وكانت إيران أعلنت أن الموقع مخصص لتخزين أجهزة الطرد المركزي.

وبدأ بناء “جبل الفأس” عام 2020، بعد تعرض منشأة في نطنز لأضرار كبيرة إثر انفجار قالت السلطات إنه ناتج عن عمل تخريبي.

وقال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك، علي أكبر صالحي، إن إيران تبني منشأة جديدة لتجميع أجهزة الطرد المركزي داخل الجبل، وفق رويترز.

ويقول سبنسر فاراغاسو، الباحث الرئيسي في معهد العلوم والأمن الدولي لـ”الحرة”، إن منشأة جبل الفأس تثير “قلقاً بالغاً”، لأنها قد توفر لإيران مساراً لإعادة بناء برنامجها النووي.

ويضيف أن الموقع، وفق تقييم المعهد، قد يكون كبيراً بما يكفي لاحتضان منشأة تخصيب، وربما في مرحلة لاحقة منشآت مرتبطة بإنتاج مكونات نووية حساسة.

لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن المنشأة ليست فاعلة حالياً وفق تقييم المعهد، وأن احتمال نقل أجهزة طرد مركزي إليها لا يثبت بدء عمليات التخصيب.

نشاط كبير

وتظهر أحدث صور الأقمار الصناعية التي حللها CSIS تحولاً في طبيعة العمل داخل الموقع. فبعدما ركزت المراحل الأولى بدرجة كبيرة على حفر الأنفاق، أظهرت الصور الأخيرة زيادة كبيرة في حركة المركبات والأعمال على الطرق، إلى جانب تدعيم مداخل الأنفاق ورصف أجزاء من شبكة الطرق وإزالة مخلفات الحفر.

ويخلص التحليل إلى أن النشاط يتوافق مع انتقال الموقع تدريجياً من مرحلة الحفر إلى البناء والتجهيز الداخلي.

ويقول جوزيف رودجرز، نائب مدير وزميل في مشروع القضايا النووية في CSIS، إن وتيرة البناء خلال العام الحالي هي الأعلى في تاريخ الموقع، وإن إسرائيل أبلغت الاستخبارات الأميركية بأنها تعتقد أن إيران نقلت أجهزة طرد مركزي وأجزاء منها إلى المجمع في الخريف الماضي.

لكن رودجرز يؤكد أن الأدلة المتاحة لا تثبت إذا كانت تلك الأجهزة موجودة فعلاً داخل الأنفاق أو ما إذا كانت إيران تستعد لتشغيل الموقع للتخصيب. ويوضّح أن الطريقة الوحيدة لحسم ذلك هي عمليات التفتيش الميدانية.

ولا تقتصر المخاوف على المنشأة التي بدأ بناؤها في 2020. فقد أشار فاراغاسو إلى مجمع أنفاق آخر قريب يعود إلى عام 2007، قال إن صور الأقمار الصناعية أظهرت توسيعه وتحصينه خلال 2025، ثم تغطيته بالخرسانة ودفنه.

كما أظهرت الصور حركة شاحنات باتجاه المنطقة، ما يثير تساؤلات حول احتمال نقل معدات أو مواد إليها.

هل يصعب تدمير الموقع؟

العمق والتحصين هما أبرز ما يميز “جبل الفأس” عسكرياً. ويقدّر رودجرز أن المجمع يقع على عمق يتراوح بين 80  و100 متر داخل جبل من الغرانيت، وهو ما يجعله أكثر صعوبة في الاستهداف من منشآت نووية مكشوفة.

ويقول بروير إن عمق الموقع أكبر من عمق منشأة فوردو، التي كانت تمثل تحدياً للذخائر الأميركية، ولذلك قد تتمكن الضربات من إلحاق أضرار بالمجمع من دون تدميره بالكامل أو جعله غير قابل للاستخدام.

ويضيف أن استهداف مداخل الأنفاق قد يكون وسيلة لحرمان إيران مؤقتاً من الوصول إلى المنشأة.

في المقابل، يرى فاراغاسو أن جبل الفأس ليس محصناً تماما ضد الهجوم، لكن استهدافه سيكون معقداً بسبب نقص المعلومات الكافية عن تصميمه الداخلي.

وحدد معهد CSIS نقاط ضعف محتملة، لكن غياب مخططات تفصيلية يجعل تقييم نتائج أي ضربة أمراً غير مؤكد.

ويذهب تحليل CSIS إلى أن طبيعة التحصين تجعل تدمير المجمع بالكامل أمراً صعباً حتى باستخدام أثقل الذخائر التقليدية الأميركية، مثل قنبلة GBU-57، فيما قد تقتصر نتيجة الضربات على إضعاف المنشأة أو تعطيلها مؤقتاً.

ولا يتعلق الجدل فقط بالقدرة على تعطيل “جبل الفأس”، بل بما إذا كان تدمير منشأة واحدة يمكن أن يمنع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية في موقع آخر.

ويقول جون إيراث، مدير السياسات في مركز الحد من التسلح وعدم الانتشار لـ”الحرة”، إن “جبل الفأس” ليس منشأة عاملة حالياً وفق المعلومات المتاحة، وإن تدميره قد يلحق ضرراً بقدرات إيران النووية، لكنه لن يقضي على البنية المعرفية المتاحة لها لتخصيب اليورانيوم، ما يتيح لطهران إعادة بناء قدراتها في موقع آخر في حال قررت مواصلة برنامجها.

أزمة التفتيش

وتأتي قضية “جبل الفأس” وسط تصاعد الخلاف بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعدما أقر مجلس محافظي الوكالة في 9 سبتمبر بإحالة ملف طهران إلى مجلس الأمن الدولي، بسبب عدم امتثالها لالتزاماتها المتعلقة بالضمانات النووية.

وتقول الوكالة إن عدم تمكن مفتشيها من الوصول إلى المنشآت الإيرانية والتحقق من وضع المواد النووية، يثير مخاوف بشأن الانتشار النووي.

وكانت الوكالة قدرت قبل الحرب الحالية أن مخزون إيران يبلغ 440.9 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المئة، وهي كمية تشير التقديرات النظرية إلى إمكانية استخدامها، بعد مزيد من التخصيب والمعالجة، لإنتاج يورانيوم يستخدم في صنع أسلحة نووية.

وفي المقابل، تقول طهران إن الظروف الأمنية التي أعقبت الحرب تحول دون استئناف عمليات التفتيش.

وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، الخميس، إن ما وصفها بـ”التحركات السياسية” للوكالة قد تدفع دولاً إلى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة