واشنطن العاصمة 11:50 PM

التوازن الصعب.. مصر بين تركيا وقبرص واليونان

المستجدات الأخيرة تطرح تساؤلات حول توجهات القاهرة تجاه دول شرق المتوسط وكيفية الحفاظ على مصالح متوازنة.

· 4 دقيقة قراءة
رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يرحب بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قبل اجتماعهما في أثينا، اليونان، 7 مايو 2025. رويترز/لويزا جولياماكي
رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يرحب بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قبل اجتماعهما في أثينا، اليونان، 7 مايو 2025. رويترز/لويزا جولياماكي

تسعى مصر منذ عام 2014 إلى تعميق شراكتها مع قبرص واليونان، جارتيها بحوض البحر المتوسط، وصولا إلى عقد الدول الثلاث قمة سنوية ثلاثية لبحث القضايا المشتركة، لا سيما فيما يتعلق بملفات الطاقة.

غير أن هذه العلاقات وضعت مؤخرا في اختبار، في ظل التقارب والتعاون الاقتصادي والعسكري المتنامي بين مصر وتركيا، التي تتقاطع مصالحها بشكل حاد مع اليونان وقبرص.

كما وقعت اليونان قبل أيام صفقة تسليح كبرى مع إسرائيل، تسعى من خلالها إلى تحقيق مزيد من الردع في مواجهة أنقرة، إلا أن هذه الخطوة قد تلقي بظلالها على علاقاتها بالقاهرة.

وتثير هذه المستجدات تساؤلات بشأن أولويات السياسة الخارجية المصرية في شرق المتوسط، ومدى نجاحها في التوفيق بين مصالحها وعلاقاتها مع الأطراف الإقليمية المتنافسة.

واستضافت مصر، قبل أيام، قمة جديدة مع اليونان وقبرص، قال بيانها الختامي إن علاقات الدول الثلاث تمثل “نموذجا ناجحا” للتعاون الإقليمي.

وسبق أن أثمرت الشراكة بين مصر واليونان وقبرص عن تأسيس “منتدى غاز شرق المتوسط” عام 2019، الذي ضم في عضويته دولا منتجة، ومستهلكة، ودول عبور للغاز في المنطقة.

وتلا ذلك ترسيم الحدود البحرية بين عدد من الدول الأعضاء في المنتدى.

وجرت تلك التطورات بينما كانت علاقة مصر وتركيا تمر بمنعطف وعر بعد إطاحة الرئيس المصري السابق محمد مرسي من الحكم عام 2013. وكان مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين يحظى بدعم قوي من نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

لكن العلاقات المصرية التركية بدأت في التحسن تدريجيًا منذ عام 2020، مع تبادل الزيارات بين المسؤولين من البلدين، وصولا إلى رفع العلاقات الدبلوماسية بينهما إلى مستوى السفراء عام 2023.

ومع ذلك، بقيت ملفات لم تحسم بعد بين الجانبين المصري والتركي، يرتبط كثير منها أبضا بمنطقة شرق البحر المتوسط.

وترفض أنقرة، على سبيل المثال، ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص، وترهن شرعية أي اتفاق من هذا النوع بإشراك جمهورية شمال قبرص التركية، التي لا تعترف بها سوى تركيا.

كما تشكل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 نقطة خلاف أخرى، إذ امتنعت تركيا عن التوقيع عليها بسبب رفضها بسط السيادة اليونانية على بحر إيجة، في حين أقرتها كل من مصر وقبرص.

ويقول عبد اللطيف درويش، أستاذ الاقتصاد وإدارة الأزمات بجامعة كارديف اليونان، إن أثينا لا تنظر بارتياح إلى التقارب المصري التركي خلال الفترة الأخيرة، معتبرا أن هذا التطور يمنح القاهرة ورقة ضغط في إدارة علاقاتها الإقليمية.

ويرى في تصريحات لـ”الحرة” أن تطور العلاقات بين القاهرة وأنقرة قد يقود في نهاية المطاف إلى حالة من الاستقطاب، لا سيما في ظل التنافس الراهن بين قوى دولية وإقليمية، وبقاء القضايا العالقة بين أنقرة وأثينا من دون حل.

ويمثل النزاع في بحر إيجة والحدود البحرية جوهر الخلاف بين تركيا واليونان، وهو ملف معقد تتداخل فيه أبعاد قانونية واقتصادية وعسكرية.

وعلى الجانب الآخر، ترتبط تركيا وقبرص بتاريخ طويل من الخلافات مرورا بإعلان جمهورية شمال قبرص التركية سنة 1983.

وتجددت الخلافات مع تنقيب نيقوسيا عن الغاز في شرق المتوسط، ومطالبة تركيا بنصيب للقبارصة الأتراك في الموارد الطبيعية بالمنطقة.

ويرى نوفل ضو، مدير المعهد الجيوسياسي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن الأولوية بالنسبة لقبرص ألا يؤدي التقارب الحاصل بين مصر وتركيا إلى الإضرار بمصالحها فيما يتعلق بالقضايا الخلافية مع الجانب التركي.

لكنه يشدد في تصريحات لـ”الحرة” على أن تقارب مصر وتركيا شأن سيادي يقرره البلدان وحدهما، ولا يحق لأي دولة التدخل فيه، طالما لا يمس سيادة الآخرين.

ويقترب هذا الطرح من تقييم محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، للقمة الأخيرة في مدينة العلمين، إذا يرى انعقادها في هذا التوقيت تأكيدا على استمرار الشراكة بين البلدان الثلاثة، بصرف النظر عن أي متغيرات.

ويلفت حجازي إلى علاقات تستند إلى روابط تاريخية وثقافية عمرها قرون بين مصر واليونان، مشيرا إلى اتفاقيات أبرزها ترسيم الحدود البحرية بين البلدين عام 2020، ومصالح خاصة بمشروعات الربط الكهربائي، فضلا عن رؤية مشتركة لأمن منطقة شرق المتوسط.

ويرى أن هذه الشراكة ليست في خطر، باعتبار أن القاهرة تتبع نهجا دبلوماسيا متوازنا ينفتح على أنقرة، دون أن يعني ذلك تخليا عن حليفيها التقليديين في أثينا ونيقوسيا.

وبالتزامن مع التقارب المصري التركي، أضاف الإعلان الأخير عن صفقة عسكرية ضخمة بين إسرائيل واليونان أبعاداً جديدة للمشهد.

وتتولى إسرائيل بموجب الصفقة التي أطلق عليها اسم “درع أخيل” بناء شبكة دفاع جوي يونانية متعددة الطبقات، تقدر على التعامل مع الطائرات والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

وقال رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، إن بلاده تعمل على بناء علاقة استراتيجية مع إسرائيل، بينما اعتبر نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنها “من أهم صفقات التسلح في تاريخ البلاد”.

ويرى درويش أن الصفقة قد تمثل أحد التحديات أمام توسيع التقارب المصري اليوناني، رغم قراءتها سياسيا باعتبارها خطوة من أثينا لتحقيق التوازن الإقليمي بمواجهة تركيا.

وأعلنت الصفقة بينما تشهد العلاقات بين مصر وإسرائيل حالة من الفتور تتركز أساسا حول الترتيبات الأمنية والسياسية ومستقبل قطاع غزة.

ولفت حجازي إلى أن اليونان، بعد اتفاقها الدفاعي مع إسرائيل، سارعت إلى طمأنة القاهرة بأن تعاونها مع تل أبيب ليس مرتبطا بها.

ولم تصدر أثينا بيانا رسميا بهذا المعنى لكن رئيس وزرائها ميتسوتاكيس طار بعد أيام قليلة، تحديداً في 8 سبتمبر، إلى القاهرة للقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالتزامن مع انعقاد القمة الثلاثية مع قبرص.

وفي المقابل لم تصدر مصر أي تعليق على صفقة “درع أخيل”، لكن القاهرة تفضل تقليديا التعامل بحذر مع التحولات الأمنية والعسكرية في منطقة شرق المتوسط.

ويشدد درويش على أن بناء التحالفات الإقليمية لا ينبغي أن يكون قائمًا فقط على اعتبارات القوة أو التوازن العسكري، وإنما يتطلب أيضا العمل على حل الملفات الخلافية والأزمات القائمة في المنطقة.

بينما يرى حجازي أن القاهرة ترفض منطق “المعسكرات” وتؤمن بأن المصالح الوطنية تتسع للجميع.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة