واشنطن العاصمة 06:56 PM
حين غنّت أصالة لسوريا التي تتسع للجميع

ماغازين · سبتمبر 2026

حين غنّت أصالة لسوريا التي تتسع للجميع

دمشق تغنّي من جديد... ولا ينبغي لرجال الدين أن يُسكتوا صوتها

مصطفى أكيول

مصطفى أكيول كاتب في شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN)، وزميل أول في معهد كاتو – المركز العالمي للحرية والازدهار. تتركز أبحاثه على تقاطعات السياسات العامة والإسلام والحداثة. يمكن متابعته على منصة «إكس» عبر الحساب: ‎@AkyolinEnglish.

اقرأ بـ English
· 7 دقيقة قراءة

في ليلة 17 سبتمبر، شهدت دمشق حدثا لم تعرف مثله منذ خمسة عشر عاما. فقد صعدت أصالة نصري، النجمة السورية المولودة في دمشق، والتي عاشت في المنفى منذ أن أعلنت بشجاعة تأييدها للانتفاضة ضد بشار الأسد عام 2011، إلى خشبة المسرح في صالة الفيحاء الرياضية.

وقالت أمام جمهور ملأ الصالة عن آخرها: “الحمد لله… عدتُ إلى دمشق!”.

لكن ما جرى بعد ذلك كان أبعد من مجرد حفلة موسيقية عادية. فقد رفرفت الأعلام السورية بين أرجاء الصالة، وردد الجمهور الغفير كلمات الأغنيات معها، فيما ذرفت أعين كثيرين الدموع. وقالت امرأة تبلغ 56 عاما للصحفيين: “لم أكن أتصور أن يأتي هذا اليوم. إنه أشبه بحلم جميل”.

وبدت أصالة نفسها تكافح لحبس دموعها وهي تفتتح الحفل بأغنية “سوريا جنة”، التي أصدرتها في الأسبوع الذي انهار فيه نظام الأسد، في ديسمبر 2024. أما وزير الثقافة محمد ياسين صالح، الذي انضم إليها على خشبة المسرح، فوصف عودتها بأنها رمز لـ”الحرية في مواجهة القمع”.

لكن اللافت أكثر كان تنوع الجمهور نفسه. فقد ضم نساء محجبات وأخريات غير محجبات، ورجالا من مختلف المشارب والانتماءات. وكما قالت على منصة إكس المذيعة التلفزيونية السورية آسيا هشام:

المحجبات يغنين…
والعلمانيون يغنون. المحافظون يغنون… والليبراليون يغنون. أهل السويداء يغنون، وأهل الساحل يغنون، ودرعا وحلب ودمشق والرقة ودير الزور والحسكة وحمص تغني… الرسالة واضحة: لقد سقط القرد (الأسد)… ولذلك تتسع سوريا لتشمل الجميع.

كانت تلك، بالفعل، رسالة جميلة عن الانفتاح والاحتواء، وهي رسالة تحتاج إليها سوريا بشدة بعد أكثر من نصف قرن من الاستبداد الوحشي، وأكثر من اثني عشر عاما من الحرب الأهلية المدمرة.

فسوريا تضم غالبية عربية سنية متفاوتة في درجات التدين، إلى جانب العلويين والمسيحيين والأكراد والدروز وغيرهم. وما يمكن أن يجمع هؤلاء جميعا، ويضمن لهم العيش في سلام وازدهار، هو شعور تعددي بالانتماء إلى الوطن، يحترم عقيدة كل فرد وهويته وطريقة عيشه. ويمكن تعزيز هذا الشعور من خلال لحظات يلتقي فيها السوريون جميعا، مثل حفلة أصالة، ليتشاركوا مشاعر الفرح والأمل والإلهام.

رد فعل أصولي

لكن تحقيق هذه الرؤية التعددية ليس بالأمر السهل، تماما كما هو الحال في الغرب هذه الأيام؛ إذ يوجد دائما من يريد أن يجعل قبيلته أو عقيدته هي السائدة.

وفي الأسابيع التي سبقت الحفل، قاد عدد من رجال الدين المحافظين حملة لإلغاء الفعالية. وكان أبرز أصواتها هاني دهب، وهو واعظ مصري يُعرف باسم الشيخ الذهبي، الذي ندد بـ”الحفلات الآثمة”، بل ذهب إلى حد الادعاء ــ كما اتضح لاحقا، على نحو خاطئ ــ بأن الحفل أُلغي بالفعل.

وفي السادس من سبتمبر، صدر بيان رسمي وقّع عليه 62 شخصية عامة، بينهم عضوان في مجلس الشعب ودبلوماسي سوري أُعيد إلى الخدمة، ودعا البيان الحكومة إلى مراجعة القواعد المنظمة للفعاليات العامة، وسحب الدعم الرسمي عن أي نشاط يُعتبر متعارضا مع “هوية المجتمع السوري وقيمه”.

ولم يسمِّ البيان أصالة بالاسم، لكن توقيته لم يترك مجالا كبيرا للشك في المقصود.

ويحسب للحكومة، أنها لم ترضخ لهذه الضغوط. بل إن وزارة الثقافة أعلنت أنها ستساعد في رعاية ألبوم أصالة المقبل.

وكان ذلك مؤشرا آخر على الجهود التي تبذلها في الآونة الأخيرة حكومة الرئيس أحمد الشرع لاحتضان مختلف مكونات المجتمع السوري، إلى جانب التوصل إلى اتفاق مع القوات التي يقودها الأكراد، وإعادة فتح مدارس مسيحية أُغلقت لعقود في ظل نظام الأسد، واتخاذ خطوات لإعادة الممتلكات المصادرة إلى الجالية اليهودية السورية التي اضطرت إلى العيش بعيدا عن وطنها لسنوات طويلة.

لكن هذه الخطوات التي تبعث على الأمل تزامنت، للأسف، مع حملات أقل مدعاة للتفاؤل، من بينها حوادث اضطهاد طالت العلويين والدروز.

وتذكّرنا هذه القضية السورية، مرة أخرى، بأن العالم الإسلامي يضم قوى عديدة مستعدة لإعادة تشكيل المجتمع وفق تصوراتها الخاصة لما هو صواب وما هو خطأ. وفي مواجهة مثل هذه النزعات الأصولية، لا نحتاج فقط إلى قرارات سياسية تحد من قدرتها على فرض رؤيتها، بل نحتاج أيضا إلى فكر ديني قادر على نقدها من داخل المرجعية الدينية نفسها.

“الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر“

الخطوة الأولى نحو بناء فكر ديني تعددي تتمثل في طرح سؤال بسيط، لكنه بالغ الأهمية: هل يملك المسلمون الحق ــ ناهيك عن أن يكون ذلك واجبا عليهم ــ في فرض الالتزامات الإسلامية، وفق فهمهم لها، على مسلمين آخرين؟

بالنسبة إلى أصوليين مثل الذهبي، قد تبدو الإجابة واضحة. فهم يعتقدون أن “الموسيقى الآلية، والاختلاط بين الجنسين، وصوت المرأة، والحفلات العامة” هي ببساطة حرام، أي محرمة شرعا.

ومن هنا ينتقلون بسهولة إلى الخطوة التالية: مطالبة الحكومة بحظر هذه الأمور، اعتقادا منهم أنهم يؤدون واجبا قرآنيا يتمثل في “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

وهذا ما يفعله نظام طالبان أيضا بصورة منهجية، من خلال “وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وهي مؤسسة حكومية مهمتها مراقبة سلوك المواطنين وفق معايير طالبان.

غير أن ثمة فجوة كبيرة في منطق الأصوليين. فليس كل مسلم ــ ناهيك عن كل مواطن ــ يتفق على تعريف واحد لما هو “صواب” وما هو “خطأ”. وليس كل مسلم، مثلا، يرى أن الموسيقى حرام، أو يرى مشكلة في “الاختلاط بين الجنسين” ما دام لا ينزلق إلى الفجور. وفي تركيا، بلدي الأم، لا تُعد أي من هذه المسائل قضية عامة.

ولذلك، عندما يحاول الأصوليون فرض “الإسلام” على المجتمع، فإنهم لا يفعلون في نهاية المطاف سوى فرض فهمهم الضيق للإسلام على الآخرين جميعا. وهم بذلك لا يعززون تقوى حقيقية قائمة على الاقتناع الصادق، بل يكرسون استبداد معتقداتهم الخاصة.

وقد تنبه إلى هذه المشكلة عالم إسلامي آخر من دمشق، كان أكبر سنا وأكثر حكمة بكثير، وذلك في القرن السابع عشر.

كان ذلك عبد الغني النابلسي، العالم الحنفي الذي درّس في الجامع الأموي، والذي عارض أصوليي عصره: الكاديزادلِيون، الذين أثاروا قدرا كبيرا من الاضطراب في الدولة العثمانية بحماسهم لتطبيق “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” بالعنف والإكراه.

وكما هو حال أصوليي اليوم، كان الكاديزادلِيون يرون أن الموسيقى حرام، وهو ما دفعهم إلى مهاجمة الطرق الصوفية التي كانت تغني وترقص. كما اعتبروا بدعتين جديدتين في المجتمع العثماني ــ القهوة والتبغ ــ حراما، وأسهمت حملتهم في دفع السلطان مراد الرابع (حكم 1623–1640) إلى حظرهما في أنحاء الإمبراطورية تحت طائلة الإعدام.

ولفترة من الزمن، كان الناس يُعدمون فعلا في شوارع إسطنبول لمجرد احتسائهم القهوة.

وفي مواجهة هذا التشدد، طرح النابلسي حجة أساسية في كتابه الحديقة الندية، أي “الحديقة المبتلة بالندى”. فقد كتب أن الواجب القرآني المتمثل في “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” هو “أمر باللسان”، أي أنه ينبغي أن يُمارس من خلال الوعظ وحده.

وأضاف النابلسي أن للناس الحق في رفض ذلك الوعظ، مستشهدا بآيات من القرآن:

وخلاصة القول إن “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” يتعلق باللسان، وهو الرأي الصادق. وكما قال الله تعالى: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” [18:29]. وليس معنى هذه الآية إجبار الناس على طاعة الأمر واجتناب النهي. ولذلك قال الله تعالى لنبيه، الذي أرسله لتبليغ الأمر والنهي: “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟” [10:99]. وقال الله تعالى أيضا: “لا إكراه في الدين” [2:256].

وبعبارة أخرى، عارض النابلسي، العالم الإسلامي الدمشقي في القرن السابع عشر، الإكراه الديني ودافع عما نسميه اليوم “الحرية الدينية” ــ وكل ذلك مستندا إلى آيات من القرآن.

إنها حكمة لا تزال قادرة على مساعدة دمشق في القرن الحادي والعشرين، كما يمكن أن تفيد مناطق أخرى من العالم الإسلامي، حيث يعجز بعض الوعاظ عن التمييز بين تصوراتهم الخاصة للتقوى وبين السياسات الحكومية التي ينبغي أن تنطبق على جميع المواطنين.

ادعوا إلى ما تؤمنون به… ودَعوا الآخرين يعيشون

من الناحية العملية، تعني رؤية النابلسي أن رجال الدين السوريين شديدي المحافظة، الذين لا يوافقون على حفلات مثل حفلة أصالة، أحرار في الدعوة إلى آرائهم، كما أن من يوافقونهم أحرار في التصرف وفقا لهذه الآراء.

لكن لا ينبغي لهم أن يشوّهوا صورة من يختلفون معهم، أو يهددوهم، أو يحاولوا فرض الانضباط عليهم.

وفي المقابل، فإن الذين يرون أن إقامة الحفلات في دمشق تخون، بطريقة ما، روح الثورة السورية ــ كما زعم بعض رجال الدين بحماسة من على المنابر ــ ينبغي أن يستمعوا إلى ما قاله حسن الدغيم، العالم الإسلامي وعضو مجلس الشعب السوري، على منصة إكس وسط هذا الجدل:

لم أكن أعلم أننا أطلقنا الثورة لمنع الغناء أو للاحتفال به، ولا لفرض الحجاب أو منعه، ولا للترويج للاختلاط أو فرض الفصل بين الجنسين. ما أعرفه أننا أطلقنا الثورة لردع المعتدين، ومحاربة الظالمين، وتحرير الأحرار والحرائر، وتحطيم أقبية التعذيب، والقصاص للشهداء الذين سقطوا على مدى عقود طويلة.

لقد انتصرت الثورة السورية بالفعل في إسقاط طغيان وحشي، وإنهاء جرائم القتل والتعذيب التي لا توصف، وتحرير ضحاياه. وستواصل مسيرتها عبر توسيع نطاق الحرية ليشمل جميع السوريين، بصرف النظر عن دينهم أو طائفتهم أو عرقهم أو أسلوب حياتهم.

ويأمل كثير من السوريين في هذا المستقبل المشرق، كما آمل أنا وكثيرون غيري. فسوريا تمثل الجانب المضيء في أزمنتنا المظلمة، وتحقيق هذا المستقبل يبعث الحماس في نفوسنا جميعا.

ولهذا تحديدا كان لعودة أصالة إلى دمشق ذلك الصدى الواسع، ليس بين أبناء سوريا وبناتها فحسب، بل أيضا بين ملايين آخرين في مختلف أنحاء العالم.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة