واشنطن العاصمة 03:24 PM

بعد 7 أكتوبر.. كيف ضيّقت الحرب سبل عيش المرأة الريفية الفلسطينية؟

من صعوبة الوصول إلى الأرض والأسواق في الضفة الغربية إلى تضرر مقومات الإنتاج في غزة، تواجه النساء الفلسطينيات تداعيات اقتصادية جديدة تضاف إلى تحديات كانت قائمة قبل الحرب.

· 4 دقيقة قراءة
نساء فلسطينيات يقطفن الزيتون خلال موسم الحصاد في بساتين زيتون مملوكة لفلسطينيين في الضفة الغربية. ( أكتوبر 2026 – فرانس برس)

في بلدة ديربلوط بالضفة الغربية تبدأ أم إسماعيل يومها من الحقول. فمنذ كانت في الثانية عشرة من عمرها، شكلت الزراعة جزءا من حياتها ومصدرا لإعالة أسرتها والحفاظ على صلتها بالأرض.

وبعد 44 عاما في مجال الزراعة، تقول أم إسماعيل إن ارتباطها بعملها لم يتغير، لكن الظروف المحيطة بها تغيرت كثيرا منذ 7 أكتوبر 2023.

فالقيود على الحركة بين المدن والقرى أثرت في قدرتها على الوصول إلى الأسواق وتسويق منتجاتها، فيما زادت موجات الحر والعوامل الجوية من خسائر المزارعين، من دون تعويضات أو دعم يذكر.

تقول أم إسماعيل لـ”الحرة” إن الدعم الذي كانت تحصل عليه المزارعات قبل الحرب كان محدودا، واقتصر غالبا على الاستشارات وبعض المشاريع التي استفادت منها أعداد قليلة من النساء، قبل أن يتراجع أكثر بعد 7 أكتوبر بسبب الظروف المالية الصعبة.

وتختلف آثار هذه الظروف من منطقة إلى أخرى، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: صعوبة الحفاظ على مصدر دخل مستقل.

في ريف طولكرم، لجأت وردة خليل، وهي خريجة اقتصاد، قبل الحرب إلى مشروع صغير لتوفير مصدر دخل في ظل محدودية فرص العمل. لم يكن الدخل كبيرا، لكنه وفر لها فرصة للاعتماد على نفسها بدل انتظار وظيفة.

وبعد 7 أكتوبر، تراجعت الحركة والقدرة على التسويق والبيع، ما دفعها في النهاية إلى التوقف عن العمل وفقدان مصدر دخلها.

تقول وردة لـ”الحرة” إن توقف المشروع لم يكن مجرد خسارة مالية، بل فقدان جزء من استقلالها وحياتها العملية، مشيرة إلى أن الشهادة الجامعية لا تكفي عندما لا تتوافر فرص العمل، خصوصا في المناطق الريفية.

وتكشف حالتا أم إسماعيل ووردة جانبا من أثر الحرب على المرأة الريفية، التي لم تعد تواجه فقط صعوبة في إيجاد العمل أو الحفاظ على مشروع، وإنما أيضا قيودا أكبر على الوصول إلى الأرض والأسواق والخدمات والدعم.

وبينما كانت هذه التحديات قائمة قبل 7 أكتوبر، أضافت الحرب قيودا جديدة على الحركة والنشاط الاقتصادي، ما ضيّق الخيارات المتاحة أمام النساء ودفع بعضهن إلى التوقف عن العمل أو تحمل أعباء إضافية للحفاظ على مصادر رزقهن.

لا تبدو تجربة وردة حالة منفردة. فبحسب بيانات جمعية تنمية المرأة الريفية، ارتفع معدل البطالة بين النساء الريفيات في الضفة الغربية من 22.3 بالمئة في 2022 إلى 30 بالمئة في 2024، بينما تراجعت مشاركتهن في القوى العاملة من 19.5 بالمئة إلى 17.3 بالمئة.

كما أن 16.4 بالمئة من العاملات الريفيات في 2024 كن يعملن كعضوات في الأسرة دون أجر، ما يعني أن المشاركة في العمل لا تضمن بالضرورة حصول المرأة على دخل مباشر أو استقلال اقتصادي.

وتقول المدير العام للجمعية، تغريد ناصر، لـ”الحرة”، إن الإغلاقات والقيود على الوصول إلى الأرض والأسواق وهجمات المستوطنين زادت الضغط على النساء، ولم يقتصر أثرها على العاملات في الزراعة، بل امتد إلى صاحبات المشاريع الصغيرة والباحثات عن عمل.

وتضيف أن الصعوبات شملت أيضا نقل المنتجات والوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية.

وتشير الجمعية، استنادا إلى مسح لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” الصادر في ديسمبر الماضي، إلى أن نحو 90 بالمئة من الأسر الزراعية في الضفة الغربية فقدت جزءا من دخلها.

وفي غزة، وصل الضرر إلى مقومات الإنتاج نفسها. وبحسب تقييم لـ”فاو” في أغسطس 2026، لم يبق سوى 3 بالمئة من الأراضي المزروعة متاحا وغير متضرر.

تقول وزارة الزراعة الفلسطينية إن المرأة تمثل “عمود الزراعة في الريف الفلسطيني”، وإن الوزارة تنفذ برامج لدعم النساء في مجالات الإنتاج النباتي والثروة الحيوانية، إضافة إلى التدريب في التصنيع الغذائي والمنزلي.

لكن الحرب أثرت في هذه البرامج.

يقول مدير عام الإرشاد والتنمية الريفية في الوزارة صلاح الدين البابا في حديث لـ”الحرة” إن هناك مشاريع توقف بالكامل، بينما وصلت المشاريع التنموية الموجهة للنساء إلى الحد الأدنى، مضيفا أن تقييد الحركة وتراجع المشاريع أثرا مباشرة في قدرة النساء على مواصلة العمل والإنتاج.

ولا تقتصر الفجوة على تراجع البرامج الزراعية، إذ تقول وزارة شؤون المرأة إن الوصول إلى الدعم لا يزال متفاوتا بين النساء في المدن والقرى، فيما أصبحت الاحتياجات بعد 7 أكتوبر مرتبطة بالعمل والدخل والحماية في الوقت نفسه.

وتقول وزيرة شؤون المرأة منى الخليلي لـ”الحرة”، إن الوزارة دعمت خلال العام الحالي نحو 60 مبادرة لجمعيات نسوية قاعدية تضم في عضويتها مئات النساء، من خلال التدريب وبناء القدرات وتطوير المشاريع والتسويق وربطها بالأسواق، إلى جانب التمويل.

وتوضح أن أكبر الفجوات لا تكمن دائما في الحصول على التمويل، بل في قدرة المرأة على الوصول إلى السوق وتسويق منتجاتها وتحويل المشروع إلى مصدر دخل مستدام.

وبعد 7 أكتوبر، أعادت الوزارة تكييف تدخلاتها مع الظروف الجديدة، مع تركيز أكبر في غزة على الحماية والدعم النفسي والاجتماعي، وفي الضفة على القيود على الحركة والاستيطان ومصادرة الأراضي.

وتؤكد الخليلي أن الوزارة لا تريد الانتقال من التمكين إلى الإغاثة، بل الجمع بينهما، بحيث تتمكن النساء من استعادة قدرتهن على العمل والإنتاج والمشاركة.

وتقول ناصر إن الاستجابة الحالية، رغم أهميتها، لا تزال أقل من حجم الاحتياجات، مشيرة إلى أن أكثر من 72 ألف أسرة زراعية ورعوية في الضفة الغربية تحتاج إلى مساعدات طارئة.

وترى الجمعية أن الأولوية يجب أن تكون لبرنامج لاستعادة سبل العيش تقوده احتياجات النساء، ويشمل حماية الوصول إلى الأرض والمياه والعمل، وتوفير منح لإصلاح أو استبدال أدوات الإنتاج، وتأمين المدخلات وربط المشاريع بالأسواق.

وتؤكد ناصر أن نجاح هذه البرامج لا ينبغي أن يقاس بعدد المساعدات أو المشاريع فقط، وإنما بقدرة النساء على استعادة دخل مستقر، والحفاظ على مشاريعهن، والتحكم في عائدات عملهن والمشاركة في القرارات المتعلقة بها.

وتظهر البيانات والشهادات أن الحرب لم تبدأ أزمات المرأة الريفية الفلسطينية، لكنها جعلت الوصول إلى العمل والدخل والأسواق والخدمات أكثر صعوبة، وحولت تحديات اقتصادية قائمة أصلا إلى عبء أكبر على النساء اللواتي يحاولن الحفاظ على مصادر رزقهن في ظروف أكثر صعوبة.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة