بعد تسعة أشهر من تعهّد الرئيس الصيني شي جين بينغ بتقديم 100 مليون دولار للتخفيف من الأزمة في غزة، لم تكشف بكين عن حجم ما أنفقته من هذا المبلغ. وعندما أعلن سون تشن، رئيس مكتب التمثيل الدبلوماسي الصيني لدى الفلسطينيين، عن مساعدات جديدة خلال حفل استقبال أُقيم في رام الله في 29 سبتمبر، شملت دعماً مالياً عاجلاً للسلطة الفلسطينية وثلاث دفعات إضافية من المساعدات عبر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والهلال الأحمر المصري، لم يحدد أي مبالغ، مكتفياً بالقول إن التفاصيل لا تزال قيد التنسيق.
وحضر وزير الاقتصاد الفلسطيني محمد العامور الحفل ممثلاً عن الرئيس محمود عباس. ولم يذكر البيان الصادر باللغة الإنجليزية عن المكتب الصيني سوى أن سون “استعرض المساعدات التي تقدمها الصين لفلسطين”. أما التفاصيل، فنشرتها وسائل إعلام فلسطينية.
وأشار سون إلى أن الصين، بالتعاون مع اليونيسف، سلّمت بالفعل ملابس شتوية ومستلزمات طبية لأكثر من 38 ألف طفل في غزة، إضافة إلى أدوية لستة مرافق صحية. ويمثل ذلك نسبة محدودة من إجمالي عدد الأطفال في القطاع، الذي يبلغ نحو 1.1 مليون طفل، وفقاً لـالجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني . وقد أعلنت الصين عن المساعدات التي وصلت إلى غزة استناداً إلى عدد المستفيدين منها، وليس إلى تكلفتها المالية، ما يجعل المقارنة بين تعهد المئة مليون دولار وما أنفقه المانحون الآخرون أمراً صعباً.
ولم يكن مبلغ المئة مليون دولار كبيراً في الأساس. ففي أبريل 2025، أعلن الاتحاد الأوروبي عن حزمة مساعدات تصل قيمتها إلى 1.6 مليار يورو (1.8 مليار دولار) للفلسطينيين على مدى ثلاث سنوات، تشمل منحاً بقيمة 620 مليون يورو (697 مليون دولار) للسلطة الفلسطينية.
ومع ذلك، تظل هذه المبالغ جميعها ضئيلة مقارنة بالاحتياجات الهائلة لقطاع غزة. فقد قدّر تقييم للأضرار والاحتياجات أجرته الأمم المتحدة، ونُشر في أبريل 2026، تكلفة إعادة إعمار القطاع وتأهيله بنحو 71.4 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة.
أما الحضور الصيني على المدى الطويل، فهو أكثر محدودية. ويتابع مرصد الصين التابع لشبكة “إم بي إن” (MBN) المشاريع المنفذة في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن مبادرة الحزام والطريق، وهي البرنامج الصيني العالمي للاستثمار في البنية التحتية. ويرصد المرصد أربعة مشاريع في الأراضي الفلسطينية منذ عام 2023، تقع جميعها في رام الله أو بالقرب منها: مدرسة صينية، وساحة صداقة، وامتداد لطريق بكين بطول 11 كيلومتراً، ومبنى الصداقة والتنمية الذي وُقّع اتفاق إنشائه في سبتمبر الماضي، ويصفه المسؤولون الصينيون بأنه أكبر مشروع مساعدات صيني في فلسطين.
وقال مردخاي تشازيزة، الأستاذ المشارك في كلية أشكلون الأكاديمية في إسرائيل، والمتخصص في دراسة دور الصين في الشرق الأوسط، في تصريحات لـ”إم بي إن” عبر البريد الإلكتروني: “تتمثل المصالح الصينية الأساسية في غزة حالياً في اعتبارات سياسية واستراتيجية أكثر منها تجارية. وتسعى بكين إلى تعزيز صورتها بوصفها داعماً للقضية الفلسطينية، وترسيخ دورها باعتبارها طرفاً دبلوماسياً بديلاً في الشرق الأوسط، وتحدي التصور القائل إن الولايات المتحدة هي القوة الخارجية الوحيدة القادرة على التأثير في مسار الأحداث في المنطقة”.
ويتجلى هذا النهج أيضاً في ملف إعادة الإعمار، حيث بقيت الصين خارج الجهود المطروحة. ففي 23 سبتمبر، كشف “مجلس السلام” المدعوم من الولايات المتحدة، والذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأُنشئ للإشراف على إعادة إعمار غزة بعد الحرب، عن خطة تمتد ستة أشهر وتضم 66 مشروعاً، بقيمة 2.45 مليار دولار. وقال الممثل السامي للمجلس، نيكولاي ملادينوف، إن تنفيذ الخطة مرهون بتخلي حركة حماس عن سلاحها.
وكانت الصين قد دُعيت إلى الانضمام إلى المجلس في يناير، لكنها لم تعلن ما إذا كانت ستقبل الدعوة، مكتفية بالتأكيد على دعمها لنظام دولي يتمحور حول الأمم المتحدة. وقال تشازيزة إن البقاء خارج المجلس “قد يحدّ من قدرة الصين على التأثير المباشر في القرارات المتعلقة بإعادة الإعمار”. لكنه أضاف أن العمل عبر مصر والدول العربية والمؤسسات الفلسطينية يتيح لبكين الحفاظ على نفوذها “مع تجنب المخاطر السياسية والمالية المرتبطة بتولي قيادة عملية إعادة الإعمار”.
ويبدو الحضور الصيني أكثر وضوحاً في مجال الإمدادات. فقد تحققت “إم بي إن”، من خلال مراجعة سجلات الأمم المتحدة، من حصول شركة “هايكي” الصينية على اتفاقية توريد أممية سارية في أبريل 2025 لتوفير وحدات سكنية متنقلة في غزة. لكن الاتفاقية لا تحدد كمية أو قيمة للمشتريات، وبالتالي لا تضمن إبرام أي صفقات فعلية.
وأفادت صحيفة الأعمال الإسرائيلية “غلوبس” (Globes) بأن شركة “هايكي” فازت بالعقد بعد تقديم عرض يقل بنسبة تتراوح بين 50 و60 في المئة عن عرض الشركة التي جاءت في المرتبة الثانية. وذكرت الصحيفة أيضاً أن شركة صينية كانت من بين أصحاب العروض الأقل سعراً في عقد لاحق طرحه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتوفير 45 ألف وحدة سكنية. ولم تتمكن “إم بي إن” من التحقق بصورة مستقلة من الأرقام المتعلقة بالعروض المقدمة.
وقال تشازيزة إن الشركات الصينية تمتلك القدرات الفنية والخبرة اللازمتين للمشاركة في إعادة إعمار غزة، لكنه أضاف أن حجم الدور الذي ستؤديه هذه الشركات “سيتوقف بدرجة أقل على قدراتها الاقتصادية، وبدرجة أكبر على الترتيبات السياسية”.
وأوضح أنه إذا جرت إعادة الإعمار من خلال “مؤسسات مدعومة من الغرب وتخضع لشروط صارمة في المشتريات والتعاقدات، فقد تواجه الشركات الصينية قيوداً”. أما إذا تبنت الدول العربية والمنظمات الدولية نهجاً أكثر انفتاحاً وشمولاً، فإن الشركات الصينية “قد تصبح أطرافاً رئيسية مشاركة في العملية”.
وسيكون الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة: هل ستصل المساعدات المالية والدفعات الثلاث الإضافية بالفعل؟ وما قيمتها؟ ومن سيفوز بعقود إعادة إعمار غزة؟ وهل ستشارك بكين في نهاية المطاف في “مجلس السلام”؟
وقال تشازيزة: “لا تهدف الصين إلى الحلول محل الولايات المتحدة في غزة، بل إلى توسيع نفوذها السياسي من خلال تقديم نفسها بوصفها داعماً للحقوق الفلسطينية، وشريكاً للدول العربية، وجهة يمكن أن تسهم في إعادة الإعمار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مصالحها الأوسع في المنطقة”.
ساهمت هدى البوكليلي في إعداد هذا التقرير.