أعادت واقعة احتجاز المدير العام لهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية في غزة، رأفت القدرة، إلى الواجهة سجل القيود المفروضة على الصحفيين في القطاع تحت حكم حماس، في وقت أضافت الحرب مخاطر جديدة إلى بيئة إعلامية كانت تعاني أصلا من قيود قبل هجمات 7 أكتوبر 2023.
وتعود واقعة احتجاز القدرة إلى نحو شهر، عندما كان برفقة أسرته وابنته المريضة في مستشفى ناصر بخان يونس.
يقول القدرة لـ”الحرة” إنه لاحظ ازدحاما أمام شباك تحويلات العلاج في الخارج، فقرر التقاط صورة لتوثيق معاناة المواطنين الذين ينتظرون دورهم في الرعاية الطبية.
بعد التقاط الصورة وجد القدرة نفسه محتجزا داخل المستشفى، من قبل جهاز المباحث التابع لحماس، حيث خضع للتحقيق لأكثر من ثلاث ساعات، قبل تحويله إلى جهاز الأمن الداخلي، واستمر التحقيق معه لساعات أخرى. كما صودر هاتفه، وجرى تفتيش محتوياته، حسب روايته.
وأكد القدرة أنه تعرض لتهديدات صريحة خلال التحقيق، وأن حدة التهديدات تصاعدت بعد معرفة المحققين بطبيعة عمله والمؤسسة الإعلامية التي ينتمي إليها وهي تتبع للسلطة الفلسطينية في رام الله.
لكن واقعة القدرة، لا تبدو حالة منفردة، إذ يقول صحفيون لـ “الحرة” إنهم تعرضوا خلال حرب 7 أكتوبر للتوقيف والتحقيق والتهديد بسبب ممارسة عملهم الإعلامي.
أحد الصحفيين الذي يعمل مع وسيلة إعلام محلية في غزة تحدث إلى “الحرة”، طالبا عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، قال إنه تعرض للتوقيف والتحقيق مرتين منذ اندلاع الحرب.
وأوضح أن المرة الأولى كانت بسبب صورة التقطها لشارع عام في مدينة دير البلح، فيما وقعت الثانية أثناء إجرائه مقابلات مع مواطنين في منطقة المواصي في خان يونس لإعداد مادة صحفية.
وأكد أنه خضع في المرتين للتحقيق من قبل عناصر جهاز الأمن الداخلي والمباحث العامة داخل إحدى المستشفيات، لافتا إلى أنه تعرض خلال التحقيق للتهديد والاعتداء والإهانة، كما صودر هاتفه وجهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به.
وقال إن سلطات حماس حذرته من نشر ما جرى معه أو إبلاغ المؤسسات الحقوقية أو نقابة الصحفيين.
وأضاف أن صحفيين آخرين تعرضوا لمواقف مشابهة خلال الحرب وقبلها، خصوصا العاملين مع مؤسسات إعلامية لا تتوافق مواقفها مع حماس وإدارتها للقطاع.
وقال نائب نقيب الصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة، تحسين الأسطل، لـ”الحرة”، إن “انتهاكات حماس تشكل اعتداء على العمل الصحفي”، ودعا إلى مراجعة طريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع الصحفيين، معتبرا أن الصحافة يجب أن تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية.
وتشير شهادات صحفيين وتقارير حقوقية إلى أن التضييق على الإعلام في غزة سبق الحرب التي تلت هجوم 7 أكتوبر.
فمنذ سيطرة حماس، المصنفة على قوائم الإرهاب الأميركية، على قطاع غزة عام 2007، وثقت منظمات حقوقية فلسطينية ودولية حالات اعتقال واستدعاء وتحقيق واعتداء طالت صحفيين وناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان، خصوصا عندما تناولوا أداء السلطات، أو شاركوا في احتجاجات، أو نشروا انتقادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وكانت احتجاجات “بدنا نعيش” في مارس 2019 إحدى أبرز المحطات، إذ قالت هيومن رايتس ووتش إن قوات حماس اعتقلت أكثر من ألف شخص خلال حملة قمع الاحتجاجات، بينهم 17 صحفيا بحسب نقابة الصحفيين الفلسطينية.
وفي تقريرها لعام 2026، تصنف “فريدوم هاوس” الإعلام في غزة بأنه “غير حر”، وتقول إن الصحفيين والمدونين واجهوا الاعتقال والاستجواب والضرب وسوء المعاملة على يد جهاز الأمن الداخلي التابع لحماس.
وقال الدكتور خالد القيق، المختص بالتشريعات الإعلامية الفلسطينية، لـ”الحرة”، إن العمل الصحفي يقوم على حرية الممارسة والحصول على المعلومات، واعتبر أن أي قيود على الصحافة يجب أن تكون محددة قانونيا، وألا تتحول إلى وسيلة لمنع الصحفي من أداء مهمته.
ويرى القيق أن الصحافة في غزة “لا تتمتع بحرية كاملة نتيجة طبيعة الحكم الأمني”، وأن الصحفيين أصبحوا يتجنبون تناول بعض القضايا الداخلية التي تمس حياة المواطنين والمجتمع.
وتظهر الحالات التي وثقتها المنظمات الحقوقية أن الخلاف بين الصحفيين وأجهزة حماس لم يكن دائما مرتبطا بمعلومات عسكرية أو أمنية.
ففي حالات، اعتُقل صحفيون بسبب تغطية احتجاجات اجتماعية، وفي حالات أخرى بسبب صورة أو بث مباشر أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما واجهت صحفية الملاحقة القضائية بعد تحقيق صحفي تناول أداء مؤسسة حكومية.
وقال صحفيون تحدثوا إلى “الحرة” إن طبيعة المؤسسة الإعلامية التي يعملون معها قد تكون عاملا إضافيا في تحديد طريقة تعامل الأجهزة الأمنية معهم.
ومع اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، دخل الصحفيون في غزة مرحلة مختلفة من المخاطر، وسط القصف والنزوح والدمار الواسع والمخاطر المباشرة المرتبطة بتغطية العمليات العسكرية.
وتشير الشهادات التي تحدثت إلى “الحرة” إلى أن الحرب لم تنه القيود الداخلية على العمل الصحفي، وإنما زادتها.