بينما تستعد لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية لإجراء الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر المقبل، تبدو العملية الانتخابية عالقة بين تحضيرات فنية وعقبات سياسية وميدانية، وسط شكوك متزايدة في الشارع الفلسطيني بشأن إمكانية إجراء الاقتراع في موعده.
في قطاع غزة، تبدو تحديات المعيشة اليومية أكثر إلحاحا من العمل السياسي وصناديق الاقتراع بالنسبة لكثير من السكان، في ظل الدمار والنزوح والأوضاع الإنسانية الصعبة، بعد حرب 7 أكتوبر التي أعقبت هجوم حماس، المصنفة على قوائم الإرهاب الأميركية.
ويقول محمد البلبيسي، من سكان حي الشاطئ بالقطاع لـ”الحرة”، إن الحديث عن الانتخابات يبدو بعيدا عن الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون فهي “لن تحدث” وفق تعبيره، ويضيف أن أولويته هي “تأمين الاحتياجات الأساسية وإصلاح سقف خيمته”، مؤكدا أنه “لا يثق بجميع الفصائل”.
وتقتصر الانتخابات المقررة في نوفمبر على انتخاب أعضاء المجلس التشريعي البالغ عددهم 132 عضوا، فيما حُدد موعد الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من عام 2027.
وفتحت لجنة الانتخابات المركزية في 26 سبتمبر 2026 باب استقبال طلبات الترشح في الضفة الغربية وقطاع غزة، على أن يستمر حتى 13 أكتوبر.
وأوضحت اللجنة أن الترشح لعضوية المجلس يتم عبر القوائم الانتخابية فقط، من دون قبول الطلبات الفردية، على ألا يقل عدد مرشحي القائمة عن 16 مرشحا ولا يتجاوز 132.
ولا يعوّل منذر بكر، من سكان حي الرمال بمدينة غزة على قدرة الانتخابات على تغيير واقعهم المعيشي، ويتساءل “هل يمتلك المرشحون عصا سحرية لتغيير ظروفنا؟”
“لقد وصلنا إلى مرحلة صعبة من شدة الغلاء والظروف المعيشية المأساوية”، يقول بكر لـ”الحرة”.
ويبلغ عدد أصحاب حق الاقتراع نحو 2.97 مليون فلسطيني، بواقع 1.59 مليون في الضفة الغربية، و1.24 مليون في قطاع غزة، إضافة إلى نحو 140 ألفا من حملة الهوية المقدسية في القدس، وفق لجنة الانتخابات المركزية.
ويشكك أحمد النفار من مدينة غزة في إمكانية المشاركة نفسها، قائلا لـ”الحرة”: “أعتقد أنه لن يكون هناك إقبال عليها إن حدثت”. وطالب التنظيمات السياسية بالابتعاد عن أهالي غزة، لأن أولوياتهم تنصب على تأمين احتياجاتهم.
وهذه الانتخابات، إن تمت، ستكون الأولى منذ 2006، عندما فازت حماس بالانتخابات التشريعية، ورفضت فتح المشاركة في حكومة معها، وتصاعد الخلاف بين الحركتين وتحول إلى اشتباكات مسلحة. وفي يونيو 2007، سيطرت حماس على قطاع غزة، بينما بقيت السلطة الفلسطينية بقيادة فتح في الضفة الغربية، مكرسة الانقسام الفلسطيني.
ومنذ عام 2006، يدير محمود عباس السلطة الفلسطينية بمراسيم رئاسية تحل محل القوانين، في ظل تعطّل المجلس التشريعي على خلفية الانقسام وسيطرة حماس على قطاع غزة، قبل أن يُحل رسميا عام 2018.
وفي رام الله، لا يتوقع محمود عبد الجواد إجراء الانتخابات في موعدها، ويرى أنها قابلة للتأجيل في ضوء المعطيات الحالية. وأوضح أن الجهات الرسمية تنتظر حاليا صيغة لإعلان هذا التأجيل.
تحضيرات رغم الدمار
وتواصل لجنة الانتخابات المركزية استعداداتها للاستحقاق، وفقا للجدول الزمني المعلن. وتواجه في غزة، تحديات تتعلق بتدمير البنية التحتية ومراكز الاقتراع، ونزوح أعداد كبيرة من السكان، واستخدام عدد من المدارس والمنشآت لأغراض الإيواء.
ويقول مدير فرع اللجنة بالقطاع جميل الخالدي لـ”الحرة” إن اللجنة تعمل على تكييف مراكز الاقتراع مع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم و”أونروا”.
ويضيف الخالدي أن اللجنة تسعى عبر قنوات دولية لإدخال المستلزمات الانتخابية للقطاع مع إعداد بدائل محلية تشمل تصنيع أوراق وصناديق الاقتراع.
وبحسب الموقع الرسمي للجنة الانتخابات المركزية، يبلغ عدد مراكز الاقتراع المدرجة حاليا 1032 مركزا، منها 274 مركزا في قطاع غزة و758 في الضفة الغربية.
لكن التحضيرات تواجه عائقا ميدانيا إضافيا، بعدما أعلنت السلطة الفلسطينية وفق وكالة “وفا” الرسمية، أن إسرائيل رفضت السماح لطواقم لجنة الانتخابات المركزية بدخول قطاع غزة والقدس لمتابعة الاستعدادات.
ورغم القرار الإسرائيلي، قال المتحدث باسم اللجنة فريد طعم الله لـ”الحرة” إن اللجنة تواصل عملها بالتوازي في الضفة وغزة والقدس، مؤكدا أن اللجنة مستمرة في تنفيذ الإجراءات وفقا للمرسوم الرئاسي الذي حدد موعد الانتخابات في 28 نوفمبر، ما لم يصدر مرسوم آخر بتغييره.
وفي القدس الشرقية وضواحيها، قالت مديرة دائرة القدس الانتخابية سمر يغمور لـ”الحرة” إن اللجنة أتمت استعداداتها في عدد من المناطق المحيطة بالمدينة، وتركز عملها في 29 هيئة محلية ومخيم قلنديا، حيث يوجد 54 مركز اقتراع.
وأضافت أن إجراء الاقتراع داخل القدس الشرقية يتطلب تنسيقا مع الجانب الإسرائيلي وفق الترتيبات الخاصة بالانتخابات الواردة في الملحق الثاني من اتفاق أوسلو الثانية.
وينظم هذا الملحق، المعروف بـ”البروتوكول الخاص بالانتخابات”، إجراءات الانتخابات الفلسطينية ودور لجنة الانتخابات، إلى جانب ترتيبات خاصة بمشاركة الفلسطينيين في القدس.
فتح وحماس والبحث عن صيغة انتخابية
ولا تقتصر العقبات على الجانب الإسرائيلي أو الظروف الميدانية، إذ لا يبدو الموقف السياسي الفلسطيني موحدا بالكامل بشأن الموعد الانتخابي.
ففي حين يؤكد المتحدث باسم حركة فتح جمال نزال أنه لا بديل عن إجراء الانتخابات، وأن الحركة تستعد لخوضها بقائمة واحدة، وان الحوار الداخلي في المحافظات سيُفضي إلى تفاهم وتوافق بشأن مختلف القضايا، كان أمين سر اللجنة المركزية لفتح جبريل الرجوب قد استبعد في وقت سابق إجراء الانتخابات في موعدها، داعيا إلى حوار وطني للتوافق على آليات إجرائها.
وفي موازاة ذلك، تشهد الساحة الفتحاوية حراكا لتشكيل القوائم، مع اتصالات بشخصيات وقيادات خارج الأطر الرسمية للحركة، بينها شخصيات مرتبطة بالقيادي السجين مروان البرغوثي، فيما تجري اتصالات بين تيارات فلسطينية مختلفة، بينها التيار الإصلاحي الديمقراطي بزعامة محمد دحلان وحركة حماس، لبحث خوض الانتخابات ضمن صيغ مشتركة، إلى جانب شخصيات مستقلة.
من جهتها، ترفض حركة حماس تأجيل الانتخابات، وتتمسك بالمشاركة ضمن قائمة وطنية توافقية تضم مختلف الفصائل والمستقلين، مؤكدة أنها لا تسعى إلى الانفراد بالحكم، وإنما إلى المشاركة في إعادة بناء النظام السياسي. كما ترفض اشتراط التزام القوائم الانتخابية بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية كشرط مسبق للترشح.
وفي مسار البحث عن بديل للمشهد الحزبي القائم، قال أمين عام المبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي لـ”الحرة” إن العمل جارٍ لتشكيل قائمة تحالف وطني ديمقراطي تضم أكبر عدد ممكن من القوى والشخصيات، بما يوفر خيارا ثالثا خارج ثنائية فتح وحماس.
وأكد البرغوثي أن الانتخابات ضرورية لإعادة بناء النظام السياسي، رافضا استبدالها بالتعيين، واعتبر أن فرض شروط مسبقة على القوائم يمثل مساسا بالحريات.
هل يتأجل الاستحقاق؟
فيما تؤكد السلطة الفلسطينية ولجنة الانتخابات المركزية تمسكهما بموعد نهاية نوفمبر، تتزايد الشكوك بشأن إجراء الاقتراع في موعده، بالتزامن مع تحركات وحوار فلسطيني في القاهرة لبحث الانتخابات وترتيبات المرحلة المقبلة.
ويحظى إجراء الانتخابات بدعم أوروبي، إذ أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس استعداد الاتحاد لإرسال بعثة لمراقبة الانتخابات خلال اتصال مع نائب رئيس السلطة الفلسطينية حسين الشيخ ، مؤكدة حق الفلسطينيين في انتخابات ذات مصداقية وشاملة وشفافة.
وقالت إن الانتخابات، بعد نحو 20 عاما من آخر اقتراع، تمثل فرصة طال انتظارها لتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية.
ويعكس استطلاعان حديثان حجم الشكوك بشأن إجراء الانتخابات في موعدها؛ إذ أظهر استطلاع لـ”مركز القدس للإعلام والاتصال” في أغسطس أن 35.5% يتوقعون تأجيل الانتخابات و22.4% يتوقعون إلغاءها، أي أن 57.9% لا يتوقعون إجراءها في موعدها. فيما أظهر استطلاع لمركز “أوراد” في سبتمبر أن 51% لا يتوقعون تنظيم الانتخابات في موعدها.