واشنطن العاصمة 06:40 PM

غزة.. أزمة مياه مزمنة فاقمتها الحرب

أزمة المياه في قطاع غزة بدأت قبل الحرب مع استنزاف الخزان الساحلي، وتفاقمت مع تضرر مصادر المياه وشبكات التوزيع والصرف الصحي.

· 5 دقيقة قراءة
خان يونس، الأراضي الفلسطينية - / أ ف ب TOPSHOT - فلسطينيون نازحون يحاولون ملء خزانات المياه في منطقة المواصي بخان يونس في 14 أغسطس 2025، في وقت تعمل فيه منظمات دولية على توفير المياه النظيفة للسكان وسط تفاقم أزمة المياه وانتشار الأمراض بسبب سوء خدمات الصرف الصحي في قطاع غزة. وكان قطاع غزة يعاني بالفعل أزمة مياه قبل أن تتسبب حرب استمرت قرابة 22 شهراً بين إسرائيل وحماس في إلحاق أضرار بأكثر من 80 في المئة من البنية التحتية للمياه في القطاع.

6 لترات من مياه الشرب والطهي للفرد يوميا… هذا ما يحصل عليه أكثر من 1.3 مليون شخص في قطاع غزة، في أزمة لم تبدأ مع حرب أكتوبر 2023، لكنها ازدادت سوءا بعدها.

وقبل الحرب، كان الخزان الساحلي، وهو المصدر الطبيعي الرئيسي للمياه الجوفية في القطاع، يعاني استنزافا يفوق قدرته على التجدد، فيما دفعت ملوحة المياه وتلوثها السكان إلى الاعتماد المتزايد على التحلية والصهاريج.

ثم جاءت الحرب لتلحق أضرارا بالآبار ومحطات التحلية وشبكات المياه والصرف الصحي، وتضيف إلى أزمة نقص المياه مشكلة أخرى تتمثل في تراجع القدرة على استخراجها ومعالجتها وضخها ونقلها ومراقبة جودتها.

وتشير تقديرات هيدرولوجية أممية إلى أن الجزء من الخزان الساحلي الواقع تحت غزة يحتوي على نحو 4.5 إلى 6 مليارات متر مكعب من المياه الجوفية، لكن المياه العذبة منها كانت تُقدّر تاريخيا بنحو 1.4 مليار متر مكعب فقط، قبل أن تتدهور جودة الخزان بفعل الضخ المفرط وتسرب مياه البحر.

خزان مستنزف وأزمة ممتدة

وفي أغسطس 2026، قالت الأمم المتحدة إن نحو ثلاثة أرباع السكان يعتمدون على جمع المياه من الشاحنات، فيما يحصل عدد كبير منهم على أقل من 6 لترات للفرد يوميا للشرب والطهي.

وأشارت الأمم المتحدة إلى أن نحو 90% من سكان القطاع يواجهون انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الوصول إلى المياه الآمنة، بينما أفادت اليونيسف بأن 82% من الأسر تعاني انعدام الأمن المائي.

لكن الأزمة أقدم من الحرب. فبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ استخراج المياه من الخزان الساحلي 189.4 مليون متر مكعب عام 2022، مقابل قدرة مستدامة على التجدد لا تتجاوز 50 إلى 60 مليون متر مكعب سنويا.

وأدى هذا الاستنزاف إلى تداخل مياه البحر وتدهور نوعية المياه، بحيث أصبحت أكثر من 97 في المئة من المياه المستخرجة من الخزان غير متوافقة مع معايير منظمة الصحة العالمية.

وكان متوسط نصيب الفرد من المياه المستخدمة للأغراض المنزلية نحو 84.6 لترا يوميا في 2022، وهي كمية تشمل الاستخدامات المنزلية ولا تعني أنها مياه صالحة للشرب.

وإلى جانب الأزمة الهيدرولوجية، واجه قطاع المياه خلال سنوات الانقسام الفلسطيني تحديات مؤسسية وتشغيلية بين حكومتي حماس والسلطة الفلسطينية، تفاقمت مع أزمة الكهرباء التي أثرت مباشرة على تشغيل الآبار ومحطات الضخ والتحلية ومرافق الصرف الصحي.

ويقول سعدي علي، مدير عام وحدة إدارة المشاريع في سلطة المياه الفلسطينية، لـ”الحرة”، إن الحكومة الفلسطينية في رام الله تحملت تكلفة المياه التي كان يورّدها الجانب الإسرائيلي إلى غزة، وواصلت سلطة المياه اعتبار نفسها المرجعية الوطنية للقطاع.

وكانت إسرائيل تورّد إلى غزة قبل الحرب نحو 52 ألف متر مكعب من المياه يومياً عبر ثلاثة خطوط، لتشكل أكثر من نصف مياه الشرب المتاحة للقطاع، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

أما أحدث بيانات سلطة المياه فتشير إلى أن هذه الخطوط توفر نحو 42% من الكمية السابقة، أي قرابة 22 ألف متر مكعب يومياً، مع تفاوت الكميات بسبب الأضرار التي لحقت بالشبكات.

ويؤكد منذر شبلاق، المدير التنفيذي لمصلحة مياه بلديات الساحل في غزة، لـ”الحرة”، أن العلاقة بين الكهرباء والمياه مباشرة، وأن المصلحة اضطرت خلال سنوات الأزمات إلى استخدام المولدات ومصادر الطاقة البديلة، لكنها لم تكن كافية لتشغيل المحطات بكامل طاقتها.

الحرب تضرب المكونات الأساسية

عندما اندلعت الحرب في أكتوبر 2023، تعرضت البنية التحتية التي كانت تستخدم للتعامل مع أزمة المياه لأضرار واسعة.

ووفق تقييم الأضرار والاحتياجات الذي أعده البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في 2026، تعرض قطاع المياه والصرف الصحي لأضرار تقدر بنحو 1.7 مليار دولار، فيما تضرر أو دُمر نحو 88 في المئة من الأصول فوق الأرض و76 في المئة من الشبكات الواقعة تحت الأرض.

كما أصبحت محطات معالجة مياه الصرف غير عاملة، وتعطلت نحو 70% من محطات ضخ الصرف الصحي، بينما أدت أضرار خطوط المياه وشبكات التوزيع، إلى جانب نقص الكهرباء والوقود وقطع الغيار، إلى تقليص القدرة على تشغيل مصادر المياه حتى في المنشآت التي لم تتعرض لدمار مباشر.

وفي مارس 2026، قالت الأمم المتحدة إن أحد الخطوط الإسرائيلية المغذية لمدينة غزة عاد للعمل بنحو 65% من طاقته، لكن نحو 70 في المئة من المياه التي تصل عبره كانت تُفقد بسبب تضرر شبكة التوزيع.

وبحلول أبريل، كان إنتاج المياه يعتمد بنحو 58 في المئة على الآبار الجوفية، و27 في المئة على المياه القادمة من إسرائيل، و15 في المئة على محطات التحلية، فيما ظل الإنتاج مقيداً بنقص الطاقة ومواد التشغيل وقطع الغيار.

ووفق بيانات سلطة المياه الفلسطينية، يبلغ عدد الآبار الجوفية في القطاع نحو 300 ، وكانت تنتج قبل الحرب نحو 262 ألف متر مكعب يوميا، فيما لا يتجاوز إنتاجها حالياً 25 في المئة من طاقتها السابقة.

كما تضررت محطات التحلية الخاصة، التي كانت تمثل مصدرا مهما لمياه الشرب، ما زاد الاعتماد على الصهاريج. وفي أبريل 2026، كان شركاء المياه يوزعون يوميا أكثر من 20 ألف متر مكعب من مياه الشرب ونحو 9 آلاف متر مكعب من المياه المنزلية عبر نقاط توزيع في أنحاء القطاع.

ويقول سعدي لـ”الحرة” إن نصيب الفرد من المياه انخفض خلال الحرب في بعض المناطق إلى أقل من 3 لترات يوميا، قبل أن يتحسن مع أعمال الإصلاح والتأهيل.

ولا تتوفر حاليا أرقام موحدة لإجمالي إنتاج المياه في قطاع غزة، فيما تشير أحدث البيانات الأممية إلى نقل نحو 25 ألف متر مكعب يوميا من مياه الشرب بالشاحنات إلى نقاط التوزيع، إلى جانب المياه المنتجة من الآبار ومحطات التحلية والمياه الواردة من إسرائيل.

وتشير بيانات سلطة المياه الفلسطينية إلى أن متوسط نصيب الفرد من المياه المتاحة بلغ نحو 25 لترا يوميا بحلول منتصف 2026، مع استمرار النقص مقارنة بالاحتياجات.

أزمة كمية وجودة

ولا تتوقف الأزمة عند كمية المياه المتاحة، إذ تواجه المصادر نفسها مخاطر التلوث. وتقول سلطة المياه إن تحديد مستوى تلوث الخزان الجوفي حاليا بصورة دقيقة يواجه صعوبات بسبب القيود على الوصول وتضرر بعض مرافق الفحص، فيما تعتمد الجهات المختصة على إمكانات محدودة لمتابعة الملوحة والكلور وبعض مؤشرات التلوث البيولوجي.

وتقدم دراسة علمية محكّمة نُشرت في ديسمبر 2025 بمجلة PLOS Global Public Health مؤشرا على حجم المخاطر. فقد اختبرت الدراسة 240 عينة من مياه الأسر ضمن مسح شمل 1200 نازح بين مارس ويوليو 2025، ووجدت أن 74.2 في المئة من العينات تجاوزت الحدود الخاصة بالقولونيات البرازية، بينما كانت 62.5 في المئة إيجابية لبكتيريا “إي كولاي”.

كما اعتمد 61.2 في المئة من المشاركين على مياه تنقلها شاحنات تابعة لبائعين غير منظمين.

وتتفاقم المشكلة مع تضرر منظومة الصرف الصحي، إذ أدى خروج محطات المعالجة ومحطات الضخ وشبكات الصرف عن الخدمة إلى زيادة احتمالات تسرب مياه الصرف غير المعالجة إلى البيئة والمياه الجوفية.

وهكذا لم تعد أزمة المياه في غزة مرتبطة فقط بنقص الموارد الطبيعية، بل بقدرة منظومة كاملة على استخراج المياه ومعالجتها وضخها وتوزيعها والتأكد من سلامتها. ومع استمرار تضرر شبكات المياه والصرف الصحي وضعف قدرات الفحص والمعالجة، تبقى أزمة الخزان الساحلي مرتبطة ليس فقط بكمية المياه المتاحة، وإنما بسلامتها أيضا.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة