قبل ثلاثة أسابيع، كنت أتابع عبر التلفزيون تغطية ذكرى اغتيال شخصية سياسية لبنانية خلال الحرب الأهلية، حين سمعت أحدهم يحيّي الشهداء الذين “قدّموا دماءهم للقضية اللبنانية”. فكرت: كم سمعت هذه العبارة من قبل. بل إنها باتت مستهلكة إلى حد الابتذال. طوال حياتي، سمعت صيغاً مختلفة منها، صادرة عن مختلف أطراف الطيف السياسي في بلادنا. وعادة ما تتلاشى هذه الكلمات من الذاكرة ما إن تنتهي المناسبة. لكن كلمة واحدة بقيت عالقة في ذهني هذه المرة: “قدّموا”.
كان بين من جرى إحياء ذكراهم مدنيون لم يشاركوا في الحرب بأي شكل. كان أحدهم ابن خالتي وسيم، الذي كان يدرس لامتحانات منتصف الفصل حين مزقته قنبلة وهو في غرفة الجلوس في منزل خالتي. هل كان وسيم قد “قدّم” دمه في ذلك اليوم، أم أن دمه أُخذ منه؟ وجدت نفسي أتخيل الموتى وهم يقاطعون ذلك البث. ماذا كانوا سيسمّون أنفسهم لو كان بإمكانهم الكلام؟ لا شك أن بعضهم كان سيقبل بلقب “شهيد”. لكن آخرين ربما كانوا سيسألون: من الذي زجّ بهم في قضية لم يختاروها قط؟ ومن يملك أن يتحدث باسمهم جميعاً؟ والأكثر إثارة للضيق: ماذا كان سيخسر الشخص الذي امتدح “عطاءهم”؟ كان ثمة شيء مقلق في هذا السخاء الذي يُمارَس بأرواح الآخرين. قبل أن نصف موتاً ما بأنه تضحية، ألا يجدر بنا أن نسأل: من الذي قدّم هذه التضحية؟
ظللت أفكر في ذلك الفعل مع اقتراب ذكرى السابع من أكتوبر. أولئك الذين قتلتهم حماس ومهاجمون آخرون لم يقدّموا حياتهم. لقد قُتلوا. وأولئك الذين اختُطفوا لم يتخلوا عن حريتهم من أجل مهمة تاريخية. لقد أُخذوا رهائن. ينبغي أن يكون في وسعنا قول ذلك من دون أن نسارع إلى توظيف معاناتهم لخدمة قضية ما. وينبغي أن يكون في وسعنا أن نتذكر أنهم، قبل أن يصبحوا صوراً أو مطالب أو حججاً أو أصواتاً انتخابية، كانوا بشراً لكل منهم حياته وأهدافه الخاصة. كانوا يفعلون شيئاً في ذلك الصباح. وكان لديهم مكان يقصدونه بعد ذلك.
لم يكن المستقبل ملكاً لمن سيزعم لاحقاً أنه يتحدث باسمهم. كما أن موتهم لم يمنح إسرائيل حق إلحاق الدمار بالمدنيين الفلسطينيين. استندت حكومة نتنياهو إلى السابع من أكتوبر لتبرير ما لا يمكن تبريره، كما لو أن الفظائع التي ارتُكبت بحق شعبها يمكن أن تمنحها مبرراً لارتكاب فظائع بحق شعب آخر. وقد يقول محلل سياسي ساخر إن نتنياهو وجد استخداماً سياسياً للكارثة التي عجز عن منعها. لكن ما يهمني هو الثمن الذي تنطوي عليه هذه العبارة: كيف يتحول ألم المواطنين إلى ورقة قوة في أيدي من كان واجبهم حمايتهم.
لكن المعاناة نادراً ما تبقى من دون توظيف في أيدي السلطة. فهي تتحول إلى عملة سياسية، تُتداول في مقابل الطاعة، والمكاسب الانتخابية، والدعم الدولي، والحصول على تفويض لمواصلة الحرب. يتحول الموت إلى حجة. وتتحول الصورة إلى تفويض. وفي نهاية المطاف، يُقال لنا ما الذي يطالب به الضحايا، مع أن الصوت الذي يعبّر عن هذه المطالب يعود إلى شخص لا يزال على قيد الحياة. وماذا لو اعترضت أسرة مفجوعة على ذلك الصوت؟ ماذا لو أرادت قراراً مختلفاً، أو أولوية مختلفة، أو طريقة مختلفة لتكريم خسارتها؟ قد يتحول حزنها فجأة إلى مصدر إزعاج للأشخاص أنفسهم الذين ظلوا يستحضرونه. وهكذا يُجبر الموتى على دفع الثمن مرتين: أولاً بأرواحهم، ثم بما تُوظَّف فيه وفاتهم.
أنا لا أتحدث هنا عن العائلات التي تطالب بالعدالة. فمن حقها الكامل أن تصر على أن يعترف العالم بما حدث. أنا أتحدث عن اللحظة التي يحوّل فيها شخص آخر خسارتها إلى تفويض يبرر ما يريد فعله.
للفلسطينيين الحق في الحرية والكرامة وتقرير المصير. وحماس لا تملك هذه الحقوق. ولا يمكنها أن تتذرع بها لتقرر مقدار الدمار الذي يتعين على الفلسطينيين تحمله، كما لا يمكنها استغلالها لجعل الولاء لفلسطين مرادفاً للطاعة لها. قتل المدنيين الإسرائيليين واحتجاز الرهائن لم يصبحا مشروعين لأن مرتكبيهما تحدثوا عن التحرير. كما أن العيش في غزة لا يعني أن المدنيين الفلسطينيين كانوا مشاركين طوعاً في تلك الجرائم. وتظل إسرائيل مسؤولة عن العنف الذي ترتكبه قواتها. ولا يمكن نقل هذه المسؤولية إلى حماس كلما أصبح الاعتراف بها أمراً غير مريح، تماماً كما لا تستطيع حماس نقل مسؤولية أفعالها إلى إسرائيل.
ومع ذلك، يوجد في مكان ما، تحت هذه المطالب المتعارضة، أب يحاول إبقاء طفله على قيد الحياة. ماذا يدين هذا الأب للرجال الذين يتحدثون عن نصر تاريخي؟ الحماس؟ الامتنان لإتاحة الفرصة له لتحمّل المعاناة؟ الجوع لا يتحول إلى قناعة لمجرد أن أحداً يسميه صموداً. والشخص الذي يبحث عن الطعام لا يثبت بالضرورة إيمانه بحركة ما. ربما يكون ببساطة يبحث عن الطعام. ينبغي أن نترك لهذه الحقيقة البسيطة أن تحتفظ بثقلها الهائل. فالرغبة في البقاء جزء مما يفترض أن تتيحه الحرية. أي نوع من التحرير يطالب الناس بالتنازل عن حقهم في التساؤل عن ثمنه؟
في لبنان، أعرف مدى سرعة تحوّل هذا السؤال إلى اتهام. فقد فتح حزب الله جبهة ضد إسرائيل بعد السابع من أكتوبر، ووجد أشخاص لم يكن لهم أي رأي في اتخاذ القرار أنفسهم أمام تبعاته. قيل لنا إن الأمر يتعلق بالتضامن والواجب والمقاومة. لكن القرية ليست شيئاً يمكن لقائد أن يقدّمه نيابة عن سكانها. هناك أناس يعيشون فيها. أناس أمضوا سنوات يدفعون ثمن منازلهم، ويزرعون الأشجار، ويحافظون على أعمالهم رغم انهيار يعقب آخر. ما السلطة التي تخوّل حزباً مسلحاً أن يفعل كل ذلك نيابة عنهم؟ ولماذا يتعين على المواطنين اللبنانيين الذين يشككون في ذلك القرار أن يثبتوا ولاءهم لبلدهم، بينما يُسمح لمن اتخذوا القرار بأن يحددوا هم معنى الولاء؟
أرفض هذه المعادلة. التضامن مع الفلسطينيين لا يتطلب تسليم أرواح اللبنانيين لقرارات حزب الله. كما أن رفض حزب الله لا ينتقص من مسؤولية إسرائيل عن هجماتها والمعاناة التي تسببها. وما يثير قلقي أيضاً هو ما يأتي بعد ذلك: إعادة تسمية الدمار “صموداً”، والبقاء على قيد الحياة “مرونة”، والفجيعة “تكريماً”. وحتى النزوح يمكن أن يُدرج في حسابات الحركة بوصفه دليلاً على التفاني. لكن الشخص الذي يفر من القصف اختار أن ينجو. ولا يحق لأحد أن يحوّل هذا القرار إلى موافقة.
وللإسرائيليين أيضاً الحق في التساؤل عما يُطلب منهم باسمهم. بعد السابع من أكتوبر، كانت الحاجة إلى الحماية حقيقية ومؤلمة. وكذلك كان واجب الحكومة السعي إلى إعادة المختطفين. وبالتحديد لأن هذه الالتزامات مهمة، يجب أن تظل القرارات المتخذة للوفاء بها خاضعة للتدقيق والمساءلة. أي القرارات تحمي الأرواح، وأيها يعرّضها لمزيد من الخطر؟ ما الأهداف التي تبرر إرسال الجنود إلى المعركة، ومن يتحمل المسؤولية عندما تتغير هذه الأهداف أو تظل بعيدة المنال؟ للحكومة المنتخبة سلطة لا تملكها حركة مسلحة. ولديها أيضاً التزامات لا تستطيع الانتخابات أن تلغيها. عليها أن تجيب أمام المواطنين الذين يعترضون على كلفة قراراتها، بمن في ذلك العائلات التي تستحضر معاناتها.
للجندي حياة تتجاوز النصر الذي يعد به السياسي. وللرهينة حياة تتجاوز ورقة الضغط التي تسعى حماس إلى استغلالها من خلال احتجاز ذلك الشخص، وتتجاوز الرمزية التي قد تضفيها الحكومة على محنته. كما أن حماية أرواح الإسرائيليين لا يمكن أن تبرر التدمير غير المحدود لأرواح الفلسطينيين. يجب أن يُقاس الأمن بما ينجح فعلياً في تأمينه. وإلا أصبحت الكلمة مجرد وسيلة أخرى لمطالبة الناس بالتوقف عن احتساب الكلفة.
هذه أوضاع مختلفة، وقوى مختلفة، ومسؤوليات مختلفة. ولست بحاجة إلى طمس الفوارق بينها حتى أفهم جوهر الاتهام. أنت تريد أن تكبر ابنتك. تريد أن يعود زوجك إلى المنزل. تريد أن تفتح متجرك غداً، وأن تصلح السقف، وأن تزرع شيئاً تعيش لترى ثماره. وفجأة تبدو هذه الرغبات غير نبيلة بما يكفي. تتحول إلى جبن. وأنانية. وخيانة. ويُطلب منك الدفاع عنها أمام أشخاص يزعمون أنهم يدافعون عن وجودك. لكن ممّ يتكون ذلك الوجود إن لم يكن من هذه الروابط؟ ما الذي ننقذه تحديداً عندما تصبح الحياة التي يريد الناس أن يعيشوها مصدر حرج للقضية؟
بالطبع، تنطوي الحياة الجماعية على التزامات. وأحياناً يفرض الخطر قرارات مؤلمة، ويختار الناس طوعاً المخاطرة بحياتهم لحماية الآخرين. شجاعتهم تستحق التقدير. لكنها لا تعني موافقة الآخرين. فلا تزال الضرورة بحاجة إلى أن تُثبت؛ ولا تزال القرارات بحاجة إلى أن تكون موضع نقاش واعتراض. ولا يمكن للصمت أن يحسم المسألة حين يكون الاعتراض خطراً. ولا يمكن للبقاء على قيد الحياة أن يحسمها أيضاً. فتحمّل ما لا تستطيع الهروب منه لا يعني أنك وافقت عليه. وعلى أي قضية أن تجيب أمام من تزعم أنها تخدمهم، بمن في ذلك أولئك الذين يرفضون الموت من أجلها.
أعود إلى ذلك التكريم التلفزيوني، وإلى السهولة التي مرت بها كلمة “قدّموا” فوق أرواح لم يعد بإمكانها الاعتراض عليها، ومن بينها روح وسيم. ربما هذا هو ما أريد منا أن نضع له حداً: تلك الثقة التي ينسب بها الأحياء نيات إلى الموتى، ثم يطالبون بقيتنا بالطاعة. دعوا الذين يطالبون بالتضحية يشرحوا أنفسهم. ودعوهم يستمعون إلى إجابة لم يكتبوها هم.
وإذا كان الدم قد أُخذ، فلنملك نحن الأحياء ما يكفي من اللياقة كي لا نسميه هدية.