تحولت المطارات السعودية في حسابات الحوثيين الموالين لإيران إلى ورقة ضغط يسعون من خلالها إلى الرد على الضربات الجوية السعودية، ومحاولة إرباك حركة السفر الدولية، ورفع كلفة دعم الرياض للحكومة اليمنية.
واستهدفت هجمات الحوثيين خلال الأسبوع الماضي، مطار الملك خالد الدولي في الرياض ومطارات أخرى في المملكة، وقتل فيها نحو 20 شخصا وأصيب المئات.
وتأتي الهجمات الدامية للجماعة، بعد أن أطلقت القوات الحكومية اليمنية، بدعم جوي سعودي، عملية عسكرية واسعة لاستعادة السيطرة على مناطق استولى عليها الحوثيون، الذين تصنفهم واشنطن جماعة إرهابية.
ويقول توم واريك، الزميل الأول غير المقيم في المجلس الأطلسي، لـ “الحرة” إن الحوثيين يحاولون الضغط على السعودية في قطاع حيوي، نظرا لأهمية حركة الطيران من المملكة وإليها.
ويرى أن الجماعة تسعى إلى دفع المملكة للسماح بحرية حركة الطيران من صنعاء وإليها، إلى جانب ممارسة ضغوط سياسية على السعودية بصورة أوسع.
وكانت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية قصفت في يوليو الماضي مطار مدرج صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، وقالت الحكومة اليمنية آنذاك إن الطائرة كانت تحمل معدات عسكرية وعناصر من الحرس الثوري الإيراني، الذي تصنفه واشنطن جماعة إرهابية.
وهبطت الطائرة لاحقا في مطار آخر تحت سيطرة الحوثيين في الحديدة.
ويقول واريك إن إيران ربما ترغب في إيصال مزيد من الدعم للحوثيين عبر الجو، بدلا من المخاطرة برحلات بحرية يمكن أن تعترضها القوات البحرية السعودية أو الأميركية.
ويرى مبارك آل عاتي، الباحث السعودي في العلاقات الدولية، في تصريحات لـ”الحرة” أن الحوثيون يسعون إلى إشعال حرب إقليمية، بالإضافة إلى “رغبتهم في تحقيق أهداف إيران المتمثلة في إغلاق مطارات السعودية كما أغلقت مطاراتها”، في إشارة منه إلى العقوبات الأميركية على شركات الطيران الإيرانية.
ويقدم الحوثيون هجماتهم على المطارات باعتبارها ردا على الضربات السعودية التي تستهدف المناطق الخاضعة لسيطرتهم في اليمن.
وقد ربط محمد البخيتي، وهو مسؤول بارز في الجماعة، هجوم مطار الرياض، السبت، الذي أدى إلى مقتل 13 شخصا وإصابة نحو 300، بما وصفه باستهداف السعودية للبنية التحتية المدنية اليمنية، وفق تصريحات نقلتها صحيفة نيويورك تايمز.
ويرى الصحفي اليمني، بدر القحطاني، في تصريحات لـ”الحرة” أن الحوثيين يسعون، من خلال الهجمات على المطارات، إلى “تعويض خسائرهم الميدانية واستعادة صورتهم أمام أنصارهم “.
ويشير هذا التقدير إلى أن اختيار أهداف ذات حضور دولي واسع يمنح العمليات صدى إعلاميا أكبر من استهداف مواقع محدودة التأثير، فالهجوم على مطار رئيسي في العاصمة السعودية لا يقتصر أثره على المنشأة نفسها، بل يمتد إلى المسافرين وشركات الطيران والبعثات الدبلوماسية والأسواق التي تراقب تطورات الوضع الأمني.
ويتفق سايمون هندرسون، وهو مدير “برنامج برنشتاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة” في معهد واشنطن مع التقدير الذي يشير إلى أن استهداف مطار الرياض جاء بغرض “تصدر عناوين الأخبار”.
وتعرض مطار الملك خالد في الرياض يوم الأحد لهجوم جديد، وأعلن التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، أن “مقذوفا مجهولا” استهدف صالة المسافرين رقم أربعة في المطار، مما تسبب في اندلاع حريق.
وقالت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية عبر حسابها على منصة “إكس” إن مواطنا باكستانيا لقي مصرعه وأصيب 11 آخرون في هجوم الأحد على مطار الملك خالد الدولي في الرياض.
وأضافت أن الهجوم أسفر أيضا عن “أضرار مادية يجري حصرها”.
وقبل هجومي اليومين الماضيين، قُتل 6 أشخاص في هجمات حوثية استهدفت مطاري الرياض وأبها السعوديين خلال أسبوع واحد.
وجدد الحوثيون، يوم الأحد، تحذير شركات الشحن وشركات الطيران والخبراء والموظفين والعمال والمسافرين من استخدام المطارات والأجواء السعودية.
وقال المتحدث العسكري للجماعة يحيى سريع عبر منصة “إكس” إن المطارات السعودية ستكون “عرضة للاستهداف”، وأشار إلى شعار الجماعة “المطار بالمطار، والحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد”.
ويرى عماد جاد، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في مصر، أن انتقال الحوثيين من استهداف مراكز اقتصادية، مثل منشآت أرامكو، إلى المطارات، مع سقوط قتلى ومصابين، يحمل رسالة إلى الرأي العام السعودي مفادها أن استمرار دعم الرياض للحكومة اليمنية سيؤدي إلى مزيد من الخسائر.
ويشير إلى أن تعطيل حركة الطيران والسفر الدولي يمثل جزءا أساسيا من هذا الضغط، خصوصا عندما تطال الهجمات مطارا دوليا وتسفر عن سقوط ضحايا من جنسيات مختلفة، بما يجعل تداعياتها حاضرة في أكثر من دولة.
وأدت الضربات الأخيرة إلى تحويل مسارات الرحلات وتعليق العمليات في مطار الرياض، فيما دعت سفارات غربية مواطنيها إلى تجنبه.
ودعت سفارات الولايات المتحدة وكندا وألمانيا وإسبانيا مواطنيها إلى عدم استخدام مطار الرياض.
من جهتها، أعلنت السفارة الأميركية في السعودية، الأحد، أنها أبلغت موظفيها بضرورة الحصول على تصريح خاص لاستخدام مطاري جدة والدمام، وذلك بعد أيام قليلة من إصدارها قرارا مماثلا بشأن مطار الرياض.
ويرى جاد، الباحث في مركز الأهرام، أن استهداف المناطق المدنية في السعودية قد يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في موقفها من التدخل المباشر ضد الحوثيين.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد قال، ردا على سؤال بشأن احتمال انضمام واشنطن إلى السعودية في توجيه ضربات للجماعة، إن الإدارة ستدرس الأمر.
وندد وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بالهجمات، مشيرا إلى مقتل مواطن أميركي فيها.
ودخلت السعودية الحرب في اليمن عام 2015 على رأس تحالف عربي، في محاولة لإخراج الحوثيين من العاصمة اليمنية. وكان الحوثيون قد اجتاحوا صنعاء في العام السابق، وأجبروا القوات الحكومية على الانسحاب منها.
وأدت الحرب إلى مقتل مئات الآلاف من اليمنيين جراء المعارك والمجاعة. وفي عام 2022، توصلت السعودية إلى اتفاق مع الحوثيين أدى إلى تجميد الصراع.
لكن وقف إطلاق النار بدأ بالانهيار خلال صيف 2026 ضمن تداعيات حرب إيران، وانتهى بتقدم خاطف للحوثيين سيطروا خلاله على مضيق باب المندب الاستراتيجي في البحر الأحمر، قبل أن تعلن القوات الحكومية المدعومة من السعودية استعادتها، دون أن يعترف الحوثيون بذلك.