واشنطن العاصمة 01:53 PM
حظر الحجاب في أذربيجان خطأ جسيم

ماغازين · أكتوبر 2026

حظر الحجاب في أذربيجان خطأ جسيم

قرار حكومي لا يمكنه معالجة مشكلة اجتماعية، بل لا يفعل سوى إضافة طبقة ثانية من الإكراه.

مصطفى أكيول

مصطفى أكيول كاتب في شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN)، وزميل أول في معهد كاتو – المركز العالمي للحرية والازدهار. تتركز أبحاثه على تقاطعات السياسات العامة والإسلام والحداثة. يمكن متابعته على منصة «إكس» عبر الحساب: ‎@AkyolinEnglish.

· 7 دقيقة قراءة

على مدى الأسابيع القليلة الماضية، انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور ومقاطع فيديو من أذربيجان تُظهر فتيات يبكين عند بوابات مدارسهن وهنّ يعانقن معلماتهن وطالبات أخريات، بينما يُمنعن من دخول المدارس.

وشهدت بعض المدارس حملات مقاطعة، كما انضم أولياء الأمور إلى الاحتجاجات. واعتُقل عشرات، بلغ عددهم 37 شخصًا في العاصمة باكو وحدها، وفقًا لوزارة الداخلية، وأكثر من 200 شخص بحسب ناشطين.

ويعود سبب كل هذا التوتر إلى قواعد جديدة للزي المدرسي، صدرت في 21 سبتمبر تحظر ارتداء الملابس التي يُقال إنها تنتهك “مبدأ العلمانية”.

ولا تنص اللوائح صراحة على حظر الحجاب الإسلامي، لكن من الواضح أن الحجاب هو الهدف الرئيسي لهذه السياسة.

وليس من المستغرب، والحال هذه، أن تنشر وزارة التعليم الأذربيجانية مقطع فيديو وضعت فيه علامة “صواب” خضراء بجوار الطلاب الذين لا يرتدون أغطية رأس دينية، وعلامة “خطأ” حمراء بجوار من يرتدون الحجاب أو قبعات الصلاة.

وإلى جانب إثارة المشاعر داخل البلاد، أدى هذا ” الحظر المفروض على الحجاب”  في المدارس الحكومية إلى اندلاع أزمة بين أذربيجان وتركيا، حليفتها منذ زمن طويل.

والعلاقات بين البلدين وثيقة، بفضل تقارب لغتيهما إلى حد بعيد وتاريخهما الطويل من الروابط العرقية والدينية، حتى إن ذلك أفرز العبارة الشهيرة “أمة واحدة، دولتان”.

لكن سياسة باكو بشأن الحجاب أثارت غضب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وحزبه، وقاعدته السياسية. وانتقد مسؤولون أتراك ووسائل إعلام مؤيدة للحكومة الحظر بشدة.

وردًا على ذلك، وجّه نظراؤهم الأذربيجانيون تحذيرات شديدة اللهجة إلى تركيا، مطالبين إياها بعدم التدخل في “شؤونها الداخلية”.

من المؤكد أن عدم التدخل في السياسات الداخلية للدول مبدأ سليم. لكن هذا لا يعني أنه لا يجوز انتقاد تلك السياسات. وفي الواقع، تنتشر في العالم الآن قيم عالمية لحقوق الإنسان يمكن على أساسها مساءلة كل دولة وانتقادها وتقديم المشورة لها.

وجرى إدراج بعض هذه القيم في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تكفل مادته الثامنة عشرة المعروفة، حرية إظهار الفرد لدينه.

والجدير بالذكر أن أذربيجان طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، شأنها شأن معظم دول العالم. وفي ضوء المبدأ نفسه الذي تعهدت باحترامه، أود طرح بعض الأفكار والانتقادات بشأن حظر الحجاب.

أولًا، تشمل الحرية الدينية التي تنص عليها المادة الثامنة عشرة “حرية الأفراد في ارتداء الملابس التي تتوافق مع دينهم أو معتقدهم”، وفقًا لما يوضحه تقرير بعنوان القيود المفروضة على الزي الديني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، صادر عن اللجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية.

ويشير التقرير إلى أنه ينبغي للدول الامتناع عن “حظر ارتداء الأزياء الدينية أو فرضها”، مثل “ارتداء النساء المسلمات الحجاب، والرجال السيخ العمائم، والرجال اليهود القلنسوات، والمسيحيين الصليب”. وتشتهر الأنظمة “الإسلامية” في إيران وأفغانستان بفرض الزي الديني، لكن حظره، وهو النقيض تمامًا، خطأ مماثل.

ولذلك لم يكن مستغربا أن تصدر اللجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية على الفور انتقادًا لـ”قواعد الزي المدرسي في المدارس الحكومية” بأذربيجان، معتبرة أنها “تقصي أو تطرد على نحو غير منصف الفتيات المسلمات الصغيرات اللاتي يرتدين الحجاب”.

ثانيًا، ثمة حجة مضادة شائعة لهذا الرأي، مفادها أن النساء المسلمات، ولا سيما الفتيات الصغيرات، يُجبرن على ارتداء الحجاب من جانب أسرهن أو مجتمعاتهن. وقد يكون في هذا الادعاء شيء من الحقيقة، وهو أمر ينبغي التعامل معه بوصفه قضية مستقلة، لكنه لا يبرر حظر الحكومة للحجاب، لسببين.

أولهما أن كثيرًا من النساء المسلمات يرتدين غطاء الرأس بمحض إرادتهن، اعتقادًا منهن بأنه فريضة دينية يرغبن في الالتزام بها. وثانيهما أن القرار الحكومي لا يمكنه معالجة الإكراه الاجتماعي، بل لا يفعل سوى إضافة طبقة ثانية من الإكراه. فالفتاة المسلمة المراهقة التي تجبرها أسرتها على ارتداء الحجاب لا تتحرر عندما تمنعها المدارس العلمانية من دخولها أيضًا، وينتهي بها الأمر محرومة من التعليم العام.

وثمة حجة مضادة ثالثة تقول إن الحجاب راية لـ”الإسلام السياسي” الذي يتحدى الحكومات العلمانية، وهو ما يبدو أنه يعكس الشاغل الرئيسي لأذربيجان في هذه القضية.

وعلى سبيل المثال، دافع التلفزيون الرسمي الأذربيجاني عن القواعد الجديدة، معلنًا ما يلي: “ستتصدى الدولة لأي محاولة لإدخال القيم العربية والفارسية إلى هويتنا الوطنية”. وقد فُهم هذا التصريح على نطاق واسع باعتباره إشارة إلى الحركات الأصولية التي نشأت في العالم العربي وإيران.

ويُعد النفوذ الإيراني، على وجه الخصوص، مصدر قلق مفهومًا منذ زمن طويل بالنسبة إلى أذربيجان، التي لا تتشارك مع إيران حدودًا طويلة فحسب، بل تتقاسم معها أيضًا المذهب الشيعي، وهو المذهب السائد في البلدين، فضلًا عن الروابط العرقية مع ملايين الأذربيجانيين الإيرانيين.

لكن حظر الحجاب بهدف القضاء على “الإسلام السياسي”، وهو هاجس شائع لدى العلمانيين المتشددين، يشبه صب الوقود على النار أملًا في إخمادها. فبدلًا من ذلك، غالبًا ما يمنح الإسلاميين قضية جديدة ودافعًا إضافيًا. وليس من المستغرب، والحال هذه، أن تكون إيران سارعت إلى استخدام حظر الحجاب في أذربيجان ضمن دعايتها ضد جارتها الشمالية.

ويعود ذلك إلى أن الحجاب، وهو زي تقليدي ارتدته معظم النساء المسلمات الملتزمات دينيًا على مدى قرون، غالبًا ما جرى تسييسه في السياقات الحديثة، حين ازدرته القوى العلمانية وحظرته في المقام الأول. ومن الأمثلة المبكرة على ذلك الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي، ففي عام 1958، نظّمت السلطات احتفالات علنية لنزع الحجاب، وسرعان ما أصبح الحجاب، كما لاحظ فرانتز فانون في مقاله الصادر عام 1965 بعنوان “الجزائر تكشف حجابها“، رمزًا للمقاومة الجزائرية.

وثمة مثال آخر كاشف يتمثل في إيران نفسها، حيث سبق الإلزام الإسلامي بارتداء الحجاب، الذي أصبح إحدى سمات الثورة الإيرانية، إلزامٌ علماني بنزعه. ففي عام 1936، أصدر رضا شاه، مؤسس السلالة البهلوية، مرسومًا عُرف باسم “كشف الحجاب”، أمر بموجبه الشرطة بنزع الحجاب بالقوة عن أي امرأة ترتديه في الأماكن العامة.

وكان الشاه يعتقد أنه يعمل على “تحديث” إيران من خلال هذه القوانين القمعية، لكنه لم يفعل سوى إشعال رد فعل إسلامي انتهى في نهاية المطاف بالإطاحة بابنه، محمد رضا بهلوي، خلال الثورة الإسلامية عام 1979.

وشهدت تركيا تحولًا سياسيًا مماثلًا، وإن كان أقل حدة بكثير، حيث فرضت النخبة العلمانية، مقتدية بأول رئيس لتركيا، مصطفى كمال أتاتورك، وهو صديق مقرب من رضا شاه، نهجًا صارمًا للعلمانية عُرف باسم laiklik، وهو مصطلح مشتق من الكلمة الفرنسية laïcité .

وكان من أبرز سمات هذا النهج حظر الحجاب في المؤسسات العامة، بما فيها الجامعات، منذ ثمانينيات القرن العشرين وحتى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بهدف الحد من “الإسلام السياسي”.

لكن هذه السياسة السلطوية، التي لم يعارضها المحافظون المتدينون وحدهم، بل الليبراليون العلمانيون أيضًا، انتهى بها الأمر إلى تمكين “الإسلام السياسي”، الذي وصل إلى السلطة في نهاية المطاف عام 2002. ومنذ ذلك الحين، ظل حزب العدالة والتنمية، بقيادة أردوغان، في الحكم.

ورغم أن السنوات الأولى للحزب، التي شهدت إصلاحات سياسية ونموًا اقتصاديًا، أفسحت المجال تدريجيًا أمام السلطوية وعدم الكفاءة والفساد، لا يزال كثير من الأتراك المحافظين يصوتون له لأنهم لا يريدون العودة إلى “تركيا القديمة”، حين كان الحجاب محظورًا، وكانت قبعات الصلاة موضع سخرية.

ومن اللافت أن بعض العلمانيين الأتراك باتوا يدركون الآن أن حظر الحجاب، الذي استمر عقودًا، كان خطأ جسيمًا. ومن بين هؤلاء كمال كليتشدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي المعروف بتشدده في العلمانية.

وقد تراجعت مكانته إلى حد ما داخل معسكره السياسي في الآونة الأخيرة، بعدما عاد إلى قيادة الحزب بموجب حكم قضائي مثير للجدل، اعتبره كثيرون على نطاق واسع تلاعبًا من جانب المؤسسة الحاكمة. لكن موقفه الليبرالي من العلمانية، الذي يستند إلى تقليد فكري أقدم، يستحق الاهتمام.

ففي 13 أكتوبر، ألقى كلمة خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزبه في البرلمان التركي، وجّه فيها نداءً مباشرًا إلى أذربيجان، قال فيه: “إخوتي وأخواتي الأعزاء في أذربيجان.. لقد عشنا هذه المعاناة. ويجب أن تنتهي.. ليس من الصواب تقسيم النساء إلى نساء يغطين رؤوسهن وأخريات لا يغطينها. لقد خاضت تركيا تجربة قاسية للغاية في هذه المسألة، وكنا نحن أيضًا مسؤولين عما حدث. وبوصفي شخصًا تحمل هذه المسؤولية، فإنني أتوجه إلى أذربيجان بالقول: دعوا النساء يتمتعن بالحرية، ودعوهن يخترن ما يردن ارتداءه”.

والواقع أن إتاحة المجال أمام النساء كي “يخترن ما يردن ارتداءه” هي الطريق الصحيح لأذربيجان، مثلما هي الحال في إيران وأفغانستان وأي بلد آخر ينتزع لنفسه سلطة إملاء الطريقة التي ينبغي لمواطنيه أن يعيشوا بها. وإلا، فإن كل محاولة من جانب الدولة لفرض نموذج مثالي للمواطن لا تؤدي إلا إلى سحق حرية من يختلفون عنه، وإحداث صدمات اجتماعية وردود فعل سياسية، تنتهي إلى تعميق الانقسامات وتأجيج المعارضة الشرسة.

لقد مرّت بلدان أخرى، بينها تركيا، بهذه التجربة السلطوية التي تأتي بنتائج عكسية، ودروسها المريرة واضحة للعيان. وسيكون من الحكمة أن تتجنب أذربيجان الإصرار على تكرار الأخطاء نفسها، وأن تتراجع عن حظر الحجاب، تحقيقًا لمصلحتها هي.

الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة