يقول مسؤولون أردنيون إنهم يتطلعون إلى تشكيل حكومة إسرائيلية يمكنهم التحاور معها، بينما يستعدون لانتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر.
لم يلتقِ العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ هجوم حركة حماس المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية في 7 أكتوبر.
وتوقّف الحوار السياسي بين البلدين الجارين، في انعكاس لمعارضة الأردن الشديدة لطريقة إدارة إسرائيل الحرب في غزة ولسياساتها تجاه الفلسطينيين. (لكن القنوات العسكرية والاستخباراتية لا تزال تتبادل المعلومات وتعمل على الحفاظ على الهدوء على الحدود، التي تُعد أطول حدود لإسرائيل مع دولة عربية).
ويأمل كثير من المسؤولين الأردنيين، في أحاديثهم الخاصة، أن يحقق غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق الذي يقود المعارضة، تقدمًا في الانتخابات. لكن الملك عبد الله نفسه قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي إنه لا يرى احتمالًا يُذكر لتغيير السياسة الإسرائيلية، وندّد بما وصفه بـ”التقاعس السياسي للعالم”.
وقال مسؤول أردني رفيع في مقابلة مع “الحرة”: “عودة نتنياهو ستكون مصدر صداع لنا”. وأضاف مسؤول رفيع آخر: “جميع السيناريوهات المطروحة سيئة بالنسبة إلى الأردن، لكن تولّي آيزنكوت القيادة قد يكون أفضل الخيارات السيئة”.
سباق انتخابي متقارب
ولا يزال السباق الانتخابي متقاربًا. فقد أظهر استطلاع أجرته هيئة البث الإسرائيلية العامة “كان” يوم الأحد أن معسكر نتنياهو سيحصل على 51 مقعدًا، مقابل 52 مقعدًا للمعارضة، باستثناء الأحزاب العربية، وهو ما يقل كثيرًا عن عتبة الـ 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة. ويتقدم حزب “يشار” الذي يقوده آيزنكوت على حزب الليكود بزعامة نتنياهو، بـ 23 مقعدًا مقابل 21، فيما لم يحسم نحو 30 في المئة من الناخبين خياراتهم بعد.
ويرى مروان المعشر، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني الأسبق، أن النتيجة الأرجح هي تشكيل “حكومة وحدة وطنية” تجمع نتنياهو وآيزنكوت. وقال في مقابلة: “هل سيغادر نتنياهو الساحة السياسية بعد هذه الانتخابات؟ إجابتي، من وجهة نظري، هي لا”.
ويتوقع كثيرون في عمّان، بدلًا من ذلك، أن يصل المشهد إلى طريق مسدود، ما يبقي نتنياهو في منصبه رئيسًا لحكومة تصريف الأعمال، بينما تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة. وقد حدث ذلك من قبل، إذ أجرت إسرائيل أربعة انتخابات بين عامي 2019 و2021، وظل نتنياهو في السلطة طوال تلك الفترة.
ويرى المسؤولون أنفسهم أن فوز نتنياهو سيكون أسوأ السيناريوهات، ويخشون أنه حتى إذا خسر الانتخابات، فسيفعل كل ما في وسعه لإعاقة خلفه وإبقاء سياساته قائمة.
ترامب على الخط
في 18 أكتوبر، أنهى الرئيس الأميركي دونالد ترامب شهورا من الصمت وأعلن تأييده لنتنياهو. وكتب ترامب: “لقد كان بيبي نتنياهو قويًا وشجاعًا ولامعًا في مواجهة معارضة هائلة”، واعدًا بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي “لن يخيّب آمالكم أبدًا!”.
وقال المسؤول الأردني الرفيع: “لا نعرف ما الذي وعد به نتنياهو ترامب في مقابل دعمه”.
ويأتي تأييد ترامب في وقت يتزايد فيه الغضب العالمي من إسرائيل. فقد أسفرت الحرب في غزة عن مقتل أكثر من 74 ألف فلسطيني، وفقًا للسلطات الصحية في القطاع، فيما تتوسع المستوطنات في الضفة الغربية ويتصاعد عنف المستوطنين.
وفي مايو، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على بعض هؤلاء المستوطنين والمنظمات التابعة لهم. وبعد أشهر، حظرت 11 دولة أوروبية وكندا استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية.
لا مخلّص في الأفق
يأمل المسؤولون الأردنيون أن تبدأ حكومة بقيادة آيزنكوت في احتواء الأضرار التي لحقت بالعلاقات بين البلدين، وأن تتيح استئناف الحوار السياسي بين القادة والوزراء، بدلًا من اقتصاره على الأجهزة الأمنية.
وقال جوست هيلترمان، المستشار الخاص في مجموعة الأزمات الدولية، في مقابلة أجريتها معه خلال زيارته الأخيرة إلى عمّان، إنه يتوقع أن تتخذ الحكومة الجديدة خطوات “لا تكلّف إسرائيل الكثير، لكنها تحمل أهمية رمزية كبيرة بالنسبة إلى العالم الغربي”.
أما المعشر فيعبّر عن موقف أكثر صراحة، إذ يقول: “لن يتبنى آيزنكوت أي سياسة تختلف عن سياسة نتنياهو بشأن القضية الفلسطينية”.
وذهب دبلوماسي أوروبي في عمّان إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أنه سيكون “من الأفضل إعادة انتخاب بيبي، حتى نتمكن من كشف خداعهم” وفرض العقوبات عليهم.
وبالنسبة إلى حسن براري، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية، الذي كتب كثيرًا عن العلاقات الأردنية الإسرائيلية، فإن المشكلة أعمق من شخص نتنياهو.
وقال براري في مقابلة خلال عطلة نهاية الأسبوع: “لا يتعلق التحدي الذي يواجه الأردن بنتنياهو شخصيًا، بل بالاتجاهات السائدة في السياسة الإسرائيلية، التي تنظر إلى الضفة الغربية باعتبارها مجالًا للتوسع والسيطرة الدائمة”.
وقال المسؤول الأردني الرفيع: “لم نشهد مبادرة إيجابية واحدة يمكننا البناء عليها لتطوير علاقة سياسية”. أما المسؤول الآخر فصاغ الأمر بعبارات أكثر حدّة: “هل هذه هي إسرائيل نفسها التي وقّعنا معها معاهدة سلام؟ مع من نتعامل اليوم؟”
مخاوف الضفة الغربية
تقول الأمم المتحدة إن هجمات المستوطنين على موسم قطف الزيتون هذا العام تجاوزت بالفعل إجمالي الهجمات المسجلة في الموسم الماضي، إذ اقترب عددها من 200 هجوم، مقابل 185 هجومًا طوال عام 2025.
وقال هيلترمان، الذي أمضى أسبوعًا في منطقة جنين، إنه “لم يشهد شيئًا كهذا حقًا طوال سنوات زيارته للضفة الغربية”. وأضاف أن جيلًا جديدًا من المستوطنين “يميل بشدة إلى العنف، ويتسم بتطرف ديني شديد، ويحظى بدعم كامل من الدولة”.
وتخشى عمّان الوجهة التي قد يقصدها الفلسطينيون الفارّون من الضغوط المتزايدة. ويخشى مسؤولون أردنيون أن يُدفَع الفلسطينيون إلى مغادرة الضفة الغربية، وأن يكون الأردن وجهتهم الأولى، بحكم العوامل الديموغرافية والجغرافية والروابط العائلية الممتدة على ضفتي النهر. ويُعد كثير من الأردنيين من أصول فلسطينية لاجئين فرّوا خلال حرب عام 1948، وإن كانت الأعداد الدقيقة محل خلاف.
وموقف عمّان من هذه المسألة واضح وصريح. وقال المسؤول الأردني الرفيع: “سنسمح بدخول لاجئين من سوريا والعراق، لكننا لن نسمح أبدًا بدخول لاجئ فلسطيني واحد من الضفة الغربية وقطاع غزة. نحن دولة لها جيشها وسيادتها”.
ويقف وراء هذا الرفض هاجسان أساسيان: أولهما أن قبول الفلسطينيين الفارّين من الضفة الغربية أو غزة قد يسهّل تسوية القضية الفلسطينية على حساب الأردن، وثانيهما أن تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين مجددًا قد يزعزع استقرار الأردن، حيث يشكّل الفلسطينيون بالفعل نسبة كبيرة من السكان. وترى عمّان أن منع التهجير أمر لا ينفصل عن حماية أمنها وسيادتها.
ولا يتوقع هيلترمان حدوث نزوح جماعي وشيك “ويرجع ذلك أساسًا إلى أن الأردن سيُبقي حدوده مغلقة، ولأن الفلسطينيين لا يملكون مكانًا آخر يذهبون إليه”.
محاصَر من كل الجهات
في جنوب سوريا، توغلت إسرائيل في مناطق قريبة من مرتفعات الجولان، تشمل ينابيع وروافد تغذّي نهر اليرموك، أكبر روافد نهر الأردن، كما تشمل مناطق قريبة من سد الوحدة الأردني، الذي لا تتجاوز كمية المياه المخزّنة فيه حاليًا 13 مليون متر مكعب. وتخشى عمّان أن تحوّل إسرائيل جزءًا من هذه المياه لاستخدامها الخاص، على حساب الزراعة الأردنية.
وتشعر عمّان بالقلق أيضًا إزاء دعم إسرائيل للشيخ حكمت الهجري، الزعيم الدرزي الساعي إلى إقامة جيب انفصالي في محافظة السويداء السورية، على مقربة من الحدود الشمالية للأردن.
ويقول مسؤولون في عمّان إن الأجهزة الأمنية الأردنية حذّرت إسرائيل من أن الجماعات التابعة للهجري تهرّب المخدرات والأسلحة، وأن بعض هذه الأسلحة يصل إلى إسرائيل. وردّت إسرائيل بأنها تهتم بأمن الدروز، لا بأي زعيم بعينه، لكن شيئًا لم يتغير على الأرض.
ونادرًا ما شعر الأردن بأنه محاصر من هذا العدد من الجهات كما يشعر اليوم. ففي الشرق، يُنظر على نطاق واسع إلى إيران باعتبارها القوة السياسية المهيمنة في العراق، منذ الحرب التي قادتها الولايات المتحدة عام 2003 وأسقطت نظام صدام حسين. وقد أطلقت ميليشيات متشددة موالية لإيران صواريخ على الأردن، وهاجمت منشآت أميركية في قواعد أردنية.
وفي الجنوب، يعطّل الحوثيون المصنفون على قوائم الإرهاب في واشنطن، والذين لا تبدو نهاية صراعهم مع السعودية وشيكة، حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وصولًا إلى العقبة، الميناء الوحيد للأردن. أما في الداخل، فيتزايد الفقر والبطالة.
من التصريحات إلى العقوبات
تمثلت استجابة الأردن في اتخاذ موقف أكثر تشددًا. ففي خطابه أمام الأمم المتحدة في سبتمبر، طرح الملك عبد الله العقوبات وتجميد الأصول والعزلة الدبلوماسية بوصفها أدوات للضغط على إسرائيل.
ووصف المعشر ذلك بأنه بداية “نهج أردني آخذ في التشكل، يقوم على الانتقال من إدارة الصراع إلى العمل على حلّه”. واستشهد بسابقة العقوبات المفروضة على جنوب أفريقيا، التي أسهمت في إنهاء نظام الفصل العنصري.
ويتزايد الضغط أيضًا في الداخل الأردني، حيث عززت الحرب في غزة نفوذ التيار الشعبي المعارض للسلام مع إسرائيل. لكن من الصعب تحديد مدى قوة هذا التيار بدقة، فجماعة الإخوان المسلمين المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية، والتي عبّرت طويلًا عن هذا التوجه، حُظرت العام الماضي، وقد لا تسمح وسائل الإعلام الأردنية بنشر بياناتها.
ومنذ سنوات، يدفع صالح العرموطي، رئيس كتلة حزب جبهة العمل الإسلامي النيابية، باتجاه إلغاء معاهدة السلام الموقعة عام 1994.
وقال العرموطي في مقابلة مع وسيلة إعلام إقليمية في أغسطس: “المنطقة المحيطة بنا تحترق، وهناك تهديدات إسرائيلية تستهدف الأردن ووجوده. وفي الوقت نفسه، ما زلنا نحافظ على علاقات اقتصادية وسياسية مع إسرائيل. ولهذا أقول إن الوقت قد حان لكي نعلن موقفنا بوضوح”.
في الوقت الراهن، تنتظر عمّان ما ستسفر عنه الانتخابات.
وقال المسؤول الأردني الرفيع: “سنحدد خياراتنا فور إعلان نتائج الانتخابات”. وإذا أفرزت الانتخابات حكومة أفضل، فسيتعامل معها الأردن بما يحمي مصالحه ومعاهدة السلام. وأضاف: “أما إذا تشكّلت حكومة يقودها هذا الشخص، نتنياهو، فلن نثق بها”.
لكن ليس الجميع مقتنعًا بأن الانتظار هو الخيار الحكيم. فلاميس أندوني، الصحفية والكاتبة والأكاديمية الفلسطينية الأردنية والمنتقدة لاتفاقات أوسلو، تصف الأمل في ظهور حكومة إسرائيلية أفضل بأنه “وهم خطير”.
وكتبت يوم الاثنين: “بصراحة، فإن الرهان على انتخابات تُطيح نتنياهو وبن غفير [وزير الأمن القومي المنتمي إلى اليمين المتطرف] موقف جبان، أو على الأقل موقف يفتقر إلى الشجاعة”. وترى أندوني أن انتظار النتائج قبل اتخاذ قرارات مصيرية ينطوي على “كارثة” ناجمة عن قصر النظر، وهي كارثة “لا تحتمل هذه المرحلة عواقبها”.
ولا يزال المسؤولون الأردنيون يأملون في العثور على شريك. لكن ما إذا كان مثل هذا الشريك سيظهر، لا يزال أمرًا غير واضح.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).