يواجه عمدة طهران، علي رضا زاكاني، الذي سبق أن ترشح لرئاسة إيران عدة مرات، اتهامات من التيار المحافظ الذي ينتمي إليه، باستغلال منصبه في إدارة بلدية العاصمة كبوابة للوصول إلى الرئاسة، على غرار المسار الذي سلكه الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد عام 2005.
وعلى مدى أكثر من عقدين، شكّل منصب عمدة طهران منصة سياسية لشخصيات محافظة تطمح إلى الرئاسة. وقد نجح أحمدي نجاد في الوصول إلى المنصب، فيما أمضى محمد باقر قاليباف 12 عاما في رئاسة بلدية العاصمة، عمل خلالها على ترسيخ حضوره السياسي على مستوى البلاد، لكنه لم يصل إلى كرسي الرئاسة.
وتأتي هذه المنافسة على السلطة في خضم الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وقد قُتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربات الأولى للحرب في28 فبراير، فيما لم يظهر نجله وخليفته مجتبى خامنئي علنا منذ توليه المنصب.
ويبلغ عدد سكان العاصمة الإيرانية نحو 10 ملايين نسمة، فيما يناهز تعداد طهران الكبرى 14 مليون نسمة. وتُعد العاصمة مركز الثقل السياسي في إيران، إذ تضم مقر الرئاسة والبرلمان والوزارات.
ويتحكم عمدة طهران في موازنات سنوية تبلغ مئات التريليونات من الريالات (ملايين الدولارات)، ويتولى مسؤولية قطاعات النقل والبناء والخدمات البلدية التي يستخدمها ملايين السكان. ويمنح هذا المنصب صاحبه موارد مالية لتوجيه الإنفاق، ومشروعات للترويج لها، وفرصة لعرض تصوره للحكم أمام الناخبين، وإظهار ما يمكن أن تبدو عليه إدارته للبلاد إذا وصل إلى الرئاسة.
ويتمتع عمدة طهران بصلاحيات تتيح له التأثير في منح العقود، والتعيينات، وإدارة موارد عامة ضخمة. وواجهت إدارات متعاقبة للبلدية اتهامات بمحاباة المقربين، وغياب الشفافية في الإنفاق، وسوء استخدام أصول البلدية.
وتسير البرامج الأخيرة التي أطلقها زاكاني على نهج شعبوي مألوف، ارتبط بمحمود أحمدي نجاد، يقوم على توظيف إمكانات البلدية لتقديم منافع اقتصادية مباشرة للناس العاديين.
ويعِد برنامج “التضخم الصفري” الذي أطلقه زاكاني بتثبيت أسعار المواد الغذائية الأساسية لمدة ستة أشهر، عند بيعها عبر شبكة متاجر البلدية في طهران. وانطلق البرنامج بـ12 سلعة، من بينها الأرز واللحوم وزيت الطهي، على أن يتوسع ليشمل 15 سلعة أخرى. كما أطلقت البلدية برامج دعم ومزايا للأسر التي تُرزق بأطفال حديثي الولادة.
ويقدّم زاكاني هذه البرامج باعتبارها محاولة لحماية سكان طهران من تداعيات أزمة اقتصادية فاقمتها الحرب. كما تحدث عن إمكانية توسيع نطاق برنامج تثبيت أسعار المواد الغذائية ليشمل مناطق خارج العاصمة.
لكن مهدي إقراريان، العضو المحافظ في مجلس مدينة طهران، الذي يتولى اختيار عمدة العاصمة، يرى في هذه البرامج أبعادا سياسية تتجاوز أهدافها المعلنة.
وقال إقراريان إن زاكاني يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه “أحمدي نجاد الثاني“، مستلهما صورة الرئيس الإيراني الأسبق كسياسي يهتم بالفئات الفقيرة والطبقة الوسطى في إيران، واصفا هذا النهج بأنه “حكم استعراضي”.
وقدّم عضو مجلس مدينة طهران توصية صريحة للمجلس المقبل، تتمثل في اختيار عمدة لا يطمح إلى أن يصبح رئيسا للبلاد.
التاريخ يعيد نفسه؟
كان أحمدي نجاد شخصية مغمورة على المستوى الوطني عندما اختاره مجلس بلدية طهران المحافظ عمدة للعاصمة عام 2003. لكنه عمل خلال توليه المنصب على ترسيخ صورة شعبوية لنفسه، تركز على الاهتمام باحتياجات الناس العاديين لكسب تأييدهم. أطلقت طهران برامج للمساعدات المالية تستهدف مجتمعات محلية ومؤسسات دينية، تجاوز نطاقها بكثير الخدمات البلدية الأساسية.
كما طرح قرضا خاصا لمساعدة الراغبين في الزواج ممن لا تسمح لهم إمكاناتهم المالية بتحمل تكاليفه.
وبعد عامين من توليه منصب عمدة طهران، أصبح أحمدي نجاد رئيسا لإيران، بعدما هزم أكبر هاشمي رفسنجاني، أحد أكثر الشخصيات نفوذا في السياسة الإيرانية.
وأصبحت البلدية نفسها التي أسهمت في تعزيز حضور أحمدي نجاد على الساحة الوطنية لاحقا محور اتهامات بالفساد.
وبعد سنوات من مغادرة أحمدي نجاد منصبه، قال عضو مجلس بلدية طهران محمد علي نجفي إن مراجعة للحسابات كشفت عن نحو 3.2 تريليون ريال (ما يعادل نحو350 إلى 390 مليون دولار آنذاك) من النفقات البلدية بين عامي 2003 و2005، لم تتوافر بشأنها وثائق كافية أو اعتمادات في بنود الموازنة المُقرّة. وقال نجفي إن جزءا كبيرا من هذه الأموال تم إنفاقه على حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2005.
ولم تصدر أي محكمة حكما يدين أحمدي نجاد شخصيا بسرقة هذه الأموال أو إنفاقها بصورة غير قانونية.
فشل في بلوغ الرئاسة
لم يتمكن محمد باقر قاليباف، الذي تولى رئاسة بلدية طهران بين عامي 2005 و2017، من الوصول إلى الرئاسة. لكن منصب عمدة العاصمة شكّل نقطة تحول في مسيرته، إذ نقله من المجال العسكري إلى العمل السياسي. ويشغل قاليباف حاليا منصب رئيس البرلمان، وقد برز، بعد مقتل عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين في الحرب الحالية، بوصفه شخصية محورية في المؤسسة السياسية الإيرانية وأحد المفاوضين الرئيسيين في المحادثات مع الولايات المتحدة.
أسهمت السنوات الاثنتا عشرة التي أمضاها قاليباف على رأس بلدية طهران في تعزيز حضوره على المستوى الوطني. وخلال فترة توليه المنصب، توسعت المدينة في إنشاء الطرق السريعة والأنفاق والجسور وشبكة المترو، وهو ما استند إليه مؤيدوه كدليل على خبرته الإدارية.
لكن فترة توليه رئاسة بلدية طهران شهدت أيضا جدلا واسعا بشأن قضايا مالية.
إحدى هذه القضايا كانت تتعلق بمساعدات مالية قُدّمت إلى مؤسسة خيرية كان من بين أمنائها زوجة قاليباف. وأثار أعضاء في مجلس بلدية طهران تساؤلات بشأن تلك المعاملات وطبيعة العلاقة بين البلدية والمؤسسة. في المقابل، رفضت الإدارة البلدية السابقة التي ترأسها قاليباف اتهامات بارتكاب مخالفات، مؤكدة أن المعاملات جرت وفق الإجراءات القانونية والتقييمات الرسمية.
وتعلقت اتهامات أخرى ببيع عقارات تابعة للبلدية بأسعار مخفّضة.
وانتهت إحدى قضايا الفساد المرتبطة بإدارته بإدانة قضائية، لكن الحكم لم يشمل قاليباف نفسه. ففي عام 2021، حُكم على عيسى شريفي، نائبه السابق في البلدية وأحد المقربين منه منذ سنوات، بالسجن 20 عاما في قضية فساد. ولم تُوجَّه اتهامات إلى قاليباف في هذه القضية، كما رفض اتهامات الفساد المتعلقة به وبأفراد أسرته.
مسار مألوف
وصل زاكاني إلى بلدية طهران عام 2021، حاملا معه طموحاته الرئاسية.
قاد زاكاني حملة قاليباف الرئاسية الفاشلة عام 2005، ثم حاول الترشح للرئاسة بنفسه في عامي 2013 و2017، لكن مجلس صيانة الدستور استبعده. ويتولى المجلس فحص المرشحين للانتخابات الرئاسية والبت في أهليتهم. وفي عام 2021، وافق المجلس على ترشحه، لكنه انسحب لمصلحة إبراهيم رئيسي، قبل أن يتولى منصب عمدة طهران بعد بضعة أشهر.
وعاد زاكاني للترشح في الانتخابات الرئاسية عام 2024، لكنه انسحب مجددا قبل إجراء التصويت.
كما واجه زاكاني بالفعل عددا من القضايا المثيرة للجدل.
بعد وقت قصير من توليه منصب عمدة طهران عام 2021، عيّن زاكاني صهره، حسين حيدري، مستشارا خاصا ومساعدا له. وألغى التعيين عقب تعرضه لانتقادات، لكن أعضاء في مجلس البلدية اتهموا حيدري لاحقا بمواصلة التدخل في القرارات البلدية رغم عدم شغله أي منصب رسمي. وأقر زاكاني بأنه واصل التشاور معه.
كما أثيرت تساؤلات بشأن الحسابات المالية للبلدية. فقد أعرب أحد أعضاء مجلس بلدية طهران عن مخاوفه إزاء نحو 170 تريليون ريال (ما يعادل قرابة 93 مليون دولار) من النفقات غير المسجلة. وقال مسؤولون في البلدية إن مدفوعات بملايين الدولارات لمشروعات مختلفة لم تكن قد أُدرجت بعد في السجلات المالية.
ثم جاءت الاتفاقيات التي أبرمتها طهران مع شركات صينية لشراء حافلات وسيارات أجرة ومعدات نقل أخرى. واشتكى أعضاء في مجلس البلدية من عدم توفير فرص كافية للاطلاع على تفاصيل عقود تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. ودافع زاكاني ومسؤولون في البلدية عن هذه المشتريات، معتبرين أنها ضرورية لتحديث منظومة النقل المتهالكة في طهران، وقالوا إن حجب بعض التفاصيل يعود إلى العقوبات والاعتبارات التجارية.
الانتخابات المقبلة
من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028، فيما يدرس مسؤولون إيرانيون احتمال تنظيمها بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية في مايو من العام نفسه. لكن إيران التي ستشهد تلك الانتخابات ستكون مختلفة تماما عن البلد الذي انتخب محمود أحمدي نجاد رئيسا عام 2005.
يحاول النظام السياسي الإيراني الآن التعامل مع تداعيات الحرب، بالتزامن مع أول انتقال في منصب المرشد الأعلى منذ نحو أربعة عقود. ومن الصعب التكهن بالشكل الذي ستكون عليه إيران بحلول عام 2028، لكن من المرجح أن تظل بلدية طهران منصة لإذكاء طموحات الرئاسة.