ذوت الأمم المتحدة، وتلاشت قدرتها على إدارة النزاعات، ناهيك عن منعها، واقتصر دورها على تقديم المساعدات الإنسانية وتوفير منبر دولي لإصدار البيانات.
وقد يسر هذا التلاشي كارهي المنظمة الدولية، لكن عليهم إعادة التفكير فيما يتمنون، فانهيار القيود المفروضة على سلوك القوى الكبرى يشكل خطرا على العالم كله.
حين كانت روسيا تستعد لغزو أوكرانيا، لم يفعل الأمين العام أنطونيو غوتيريش أكثر من مناشدة فلاديمير بوتين التراجع.
وإزاء حرب غزة، اكتفى بإصدار البيانات وزيارة معبر رفح دون القيام بأي وساطة سياسية ذات معنى. كما لم يلعب أي دور مؤثر في الحرب الأهلية بالسودان، وهو البلد الذي كان للأمم المتحدة فيه بعثات متعددة لحفظ السلام والوساطة السياسية.
أما في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فلا يكاد يرد ذكر الأمم المتحدة في إطار البحث عن حلول سلمية.
باختصار، أصبحت الأمم المتحدة اليوم على هامش الحسابات الدبلوماسية والاستراتيجية في العالم.
الشيء الوحيد الذي أعاد الأمم المتحدة لدائرة الاهتمام هو التنافس بين الدول على اختيار خليفة لغوتيريش. ويأمل المتفائلون أن يتم انتخاب شخص ذي سمات قيادية يعيد للمنظمة الدولية دورها، لكن هذه الآمال تتكرر مع انتخاب أمين عام جديد، ثم تتبدد أمام عجز المنظمة البنيوي عن حماية السلم والأمن.
تراجع الدور
عملت مستشارا سياسيا في الأمم المتحدة لمدة 4 سنوات (2001-2005)، أُوفدت خلالها إلى إسرائيل وفلسطين إبان الانتفاضة الثانية، وإلى لبنان للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، وإلى السودان أثناء أزمة دارفور.
خلال تلك الفترة، أتيحت لي فرصة العمل عن قرب مع كبار مسؤولي الأمم المتحدة ومراقبة كيفية تعامل أمينها العام كوفي عنان مع القيود التي تفرضها عليه الدول الكبرى. فالانقسامات بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وتضارب المصالح، ومزيج الغطرسة وضيق الأفق لدى الحكومات، طالما حدت، وبشدة، من قدرة الأمين العام على لعب دور فعال في تسوية النزاعات سلميا.
ورغم هذه القيود الصعبة، استطاع عنان لعب دور مؤثر. فقد ساعدت مهمته إلى بغداد عام 1998 على تفادي مواجهة عسكرية وشيكة بشأن تفتيش الأسلحة، كما ساعد على إتمام انسحاب إسرائيل من لبنان إلى الحدود الدولية المعروفة عام 2000، وأسهم في إنشاء الرباعية التي قادت جهود الوساطة الإسرائيلية الفلسطينية لسنوات، ودعم عملية السلام التي أفضت إلى اتفاقية السلام الشامل في السودان عام 2005، ووضع إطارا توافقيا لاحتواء أزمة دارفور، وصاغ أكثر الخطط الواعدة حتى الآن لحل النزاع في قبرص وحول الصحراء الغربية.
لم تنجح كل هذه المبادرات، لكنها أثبتت قدرة الأمين العام على قيادة دبلوماسية ذات مغزى رغم القيود الشديدة المفروضة على الأمم المتحدة.
ومع ذلك، رأى كثيرون أن عنان كان أكثر سلبية مما ينبغي، وأنه لم يرق إلى نموذج القيادة المستقلة للدبلوماسية الدولية الذي أرساه “داغ همرشولد” لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة.
لكن تولى “بان كي مون” هذا المنصب جعل الجميع يترحمون على أيام كوفي عنان. فإزاء الحروب في سوريا واليمن وجنوب السودان، وضم روسيا لشبه جزيرة القرم، اقتصر دور الأمم المتحدة على إصدار البيانات. لكن مع ذلك، ساعد بان في إبرام اتفاق باريس للمناخ ودفع أهداف التنمية المستدامة قدماً.
في عهد غوتيريش، وصل التراجع في فعالية الأمم المتحدة إلى مستوى يصعب تجاهله. يبرر غوتيريش انسحاب المنظمة من لعب دور دبلوماسي فعال بأنها بلا قوة ولا تملك جيشاً!
وسواء عكس ذلك عدم فهم لإمكانات منصبه أو حالة من الإنهاك أو التشاؤم، فإن النتيجة واحدة وهي تخلي غوتيريش عمليا عن محاولة جعل الأمم المتحدة طرفاً ذا شأن في تسوية النزاعات.
أمين عام الأمم المتحدة يستطيع لعب دور دبلوماسي ذي معنى، عبر التواصل مع القادة قبل اندلاع الأزمات، وعبر إيفاد المبعوثين وفتح قنوات خلفية للتفاوض، وعبر بناء تحالفات تمارس ضغطا على الأطراف المعنية بالنزاع، وعبر تهيئة الظروف التي تسهل التوصل إلى تسويات سلمية.
لكن أي أمين عام للأمم المتحدة، مهما بلغت مهارته، سيواجه عوائق بنيوية صعبة.
الأمم المتحدة: تصميم قديم لعالم انقضى
صُممت الأمم المتحدة على أساس استمرار التعاون بين القوى الكبرى لحماية السلم والأمن الدوليين، وبحيث تلعب التنمية الاقتصادية والاجتماعية دورا مساندا لذلك، انضمت له لاحقا حماية حقوق الإنسان والقانون الدولي.
لكن الحرب الباردة سرعان ما قوضت ذلك التعاون وجعلت مجلس الأمن ساحة للتنافس بين القوى الكبرى. كما وقعت منظومة التنمية الاقتصادية والاجتماعية ضحية البيروقراطية وتضارب المصالح القومية، وهو نفس المصير الذي أصاب حماية حقوق الإنسان.
وفي نهاية المطاف، جاءت كل إنجازات الأمم المتحدة بفضل تصميم العاملين بها وتحايلهم على القيود المؤسسية المفروضة عليهم، لا نتيجة هذا التصميم المؤسسي.
اليوم، يكاد التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا يقضي على ما تبقى من الأمن الجماعي. كما أن الكثير من النزاعات الحالية ناجم عن فشل الدول وانهيارها، وتفشي الجماعات المسلحة، وهي تحديات لم تُصمم الأمم المتحدة للتعامل معها بفاعلية.
كما تفتقر الأمم المتحدة إلى أدوات للتعامل مع القطاع الخاص الذي بات يلعب دورا متزايدا، ولا سيما شركات التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي والعمليات السيبرانية والأسلحة ذاتية التشغيل تتطلب معايير مشتركة وآليات للمساءلة، تعجز المنظمة عن توفيرها.
لا يمكن معالجة هذه المشكلات بانتخاب أمين عام جديد أو بإعادة ترتيب الهيكل التنظيمي للمؤسسة، ومن غير الوارد أن تفضي مفاوضات إصلاح مجلس الأمن لشيء مفيد، ولا يستطيع الإصلاح المؤسسي إزالة التناقض الكامن بين الأمن الجماعي والمصالح الوطنية.
باختصار، يحتاج حفظ الأمن والسلم الدوليين إلى نهج جديد.
بناء منظومة جديدة للأمن الدولي
تحتاج أي منظومة أمنية عالمية فعالة إلى أربع مقومات. أولها وجود قيم ومعايير وقواعد للسلوك متفق عليها. النظام الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية كان محاولة طموحة لإرساء قواعد ليبرالية على المستوى الدولي، وقد انهارت هذه المحاولة الآن إلى حد بعيد. لكن الدرس المستفاد ليس التخلي عن المحاولة، بل اعتماد قيم وقواعد يقبلها أطراف النظام الرئيسيون بجدية، بحيث يطبقونها بشكل مستمر، ولا سيما حين يكون ذلك مكلفاً.
ثانياً، تعريف واسع للأمن، فصراعات اليوم لم تعد تقتصر على الحروب بين الدول. ما زالت هناك حروب تقليدية بين الدول، مثل الغزو الروسي لأوكرانيا أو احتمال تحرك صيني ضد تايوان، وهي صراعات لها سماتها العسكرية التقليدية.
وهناك أيضا نزاعات بسبب الصراع على الموارد، مثل النزاع على مياه النيل، وهي تحتاج لآليات دائمة للوساطة والتحكيم كيلا تتحول لصراعات مسلحة.
لكن العالم يشهد منذ نهاية الحرب الباردة الكثير من النزاعات داخل الدول، تتحول إلى نزاعات دولية، بعضها ناجم عن فشل أو انهيار الدولة، كما في السودان والصومال وليبيا، وهذه نزاعات تستدعي المساعدة في إعادة بناء الدول وتقوية قدرتها على الحكم.
وهناك أيضا حروب بالوكالة، مثل تلك التي تديرها إيران في لبنان واليمن والعراق، والتي تجمع بين التنافس الدولي التقليدي وبين مشكلة هشاشة وفشل الدول، وهو أمر يستلزم مزيجا من الردع التقليدي وجهود إعادة بناء الدولة في البلدان الواقعة ضحية لها.
ثالثاً، يحتاج أي نظام أمني فاعل إلى نظام لصنع القرار يسنده هيكل لتوزيع القوة قادر على إنفاذ قراراته. ويعني هذا أن يكون متخذو القرارات من يملكون القدرة على تنفيذها، فالدول القوية هي التي تتحمل عبء تنفيذ القرارات، وتجاهل مصالحها أمر صعب وغير عملي.
ولذلك لا يمكن اتخاذ القرارات عبر هيئة مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث لكل دولة صوت، بما في ذلك الدول الهامشية. بل ينبغي أن يُوزن صوت كل دولة بحسب قوتها، كما هو الحال في حلف شمال الأطلسي. قد لا يعجبنا عدم التوازن في القوة بين الدول، لكن القوة حاسمة في هذا الشأن.
وأخيراً، يحتاج أي نظام أمني فعال إلى مؤسسات تنسق معايير الحكم والسياسة الاقتصادية، وسياسات الطاقة وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي والتهديدات السيبرانية والأسلحة ذاتية التشغيل، ولإخضاع الشركات الخاصة لأطر المساءلة العامة.
وهناك مؤسسات قائمة تقدم عناصر مفيدة لبناء مثل هذه المنظومة. على سبيل المثال، هناك القواعد والقيم والالتزامات المشتركة في حلف الأطلنطي، وهناك القدرات المؤسسية التي يملكها صندوق النقد والبنك الدوليان في مجالات الحوكمة والإصلاح الاقتصادي.
مثل هذه المنظومة الجديدة يمكن أن تجتذب الدول لسببين: بعضها، مثل دول الاتحاد الأوروبي واليابان، ملتزم بقواعد وقيم يريد حمايتها على مستوى العالم، والبعض الآخر يدرك أن الانضمام لمنظومة أمنية قوية وفعالة يساعدها على النمو وتجنب النزاعات، وهو ما ينطبق على كثير من الدول الصغيرة، وبعضها في العالم النامي، التي تجد الحماية في نظام قائم على القواعد.
وما يبقي الدول داخل المنظومة الأمنية هو عملية الاندماج ذاتها: فالمؤسسات المشتركة، والسياسات التي تم تنسيقها، ونمو الاعتماد المتبادل بينها يجعل تكلفة الانسحاب عالية. وهذا ما يميز المجتمع عن التحالف الذي لا يدوم إلا بدوام المزاجية السياسية لأعضائه. وفي هذا المنظور، تتحول القيود على السيادة الوطنية إلى جزء من القيم والقواعد التي تقبلها الدول عند الانضمام كما حدث مع دول الاتحاد الأوروبي.
تاريخيا، تولد المؤسسات الدولية الجديدة من رحم الدمار. نظام الأمن الجماعي الحالي الذي تمثله الأمم المتحدة عاطل، لا يعمل، بما يزيد احتمالات وقوع أزمة عالمية. تخيلوا مثلا ما قد يحدث إذا تحركت الصين ضد تايوان في حين تدور الحربان الجاريتان في أوكرانيا والخليج.
عندما تقع أزمة كبرى كهذه تنشأ حاجة عملية إلى نظام أمني جديد. لكن هذه النظم لا تولد من فراغ، بل لا بد أن يسبقها تفكير ورؤية وتخطيط. والتفكير في منهج جديد لصون السلم والأمن الدوليين هو أحد الأمور التي يستطيع الأمين العام الجديد للأمم المتحدة القيام بها.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).