قبل نحو أسبوعين، دوّت الصواريخ الإسرائيلية في سماء الدوحة.
أعادت الغارة التي استهدفت قيادات من حركة “حماس” في العاصمة القطرية ملف جماعة الإخوان المسلمين في الخليج إلى الواجهة.
الحركة التي وُلدت في مصر قبل نحو قرن، ووجدت موطئ قدم في الخليج منذ الأربعينيات، تبدل موقعها في العلاقة مع السلطات.
اليوم، بعد التصنيفات الإرهابية والملاحقات الأمنية لأعضائها: هل انتهى زمن نفوذ الإخوان في الخليج، أم أن الجماعة قادرة على إعادة إنتاج نفسها؟
لم يثر وجود الإخوان في الخليج جدلا حادا في البداية.
من الاحتضان إلى التجريم
في السعودية، جاءوا لاجئين هربا من بطش أنظمة عربية أخرى. دخلوا الجامعات والمدارس، وأسهموا في تشكيل وعي أجيال جديدة.
في الإمارات، سُمح لهم بتأسيس جمعيات اجتماعية وثقافية، وفي الكويت اندمجوا في مجتمع منفتح نسبيا وأسسوا أذرعا سياسية. وفي البحرين، اختاروا النشاط الخيري والتعليم الديني بدلا من الانخراط في السياسة بشكل مباشر.
لكن ربيع 2011 العربي قلب المعادلة رأسا على عقب.
رأت دول الخليج، وخصوصا السعودية والإمارات، في صعود الجماعة إلى الحكم في مصر، ولو لفترة وجيزة، تهديدا وجوديا. ومنذ ذلك الحين، تباينت السياسات بين من حظر الجماعة وطاردها، ومن أبقى على قنوات تواصل معها، ومن تمسّك بدور الراعي كما فعلت قطر.
عرفت السعودية الإخوان منذ الأربعينيات، عندما وفدوا من مصر وغيرها. اندمجوا في قطاع التعليم، ونشروا أدبياتهم، وأثروا لاحقا في بروز ما عُرف بـ”الصحوة”. لكن مع تصاعد الحركات الجهادية، تغيّر المزاج الرسمي في المملكة.
في 2002 وصف الأمير نايف الجماعة بأنها “أصل البلاء”. وبعد الربيع العربي، دعمت الرياض الجيش المصري في إطاحة حكم محمد مرسي. وبينما رفع سعوديون شعار “رابعة” في الشوارع، أصدرت السلطات في 2014 مرسوما يجرّم التعاطف مع الجماعات المتطرفة، وصنفت المملكة الإخوان تنظيما إرهابيا.
وأبعدت السلطات السعودية كتب الإخوان عن المدارس والجامعات، وسحبت السفير من قطر احتجاجا على “دعمها للجماعة”. وفي 2020، أعلنت هيئة كبار العلماء في السعودية الإخوان جماعة “إرهابية”، ولا يزال رموزها البارزون خلف القضبان منذ 2017.
من الانفتاح إلى المواجهة
في السبعينيات، ومع استقلال الإمارات، عاد طلاب متأثرون بفكر الإخوان ليؤسسوا “جمعية الإصلاح”. سمح الانفتاح السياسي والاجتماعي وقتها بصعود التيار الإسلامي، وسيطرته على اتحادات الطلبة.
وشجع رئيس الإمارات آنذاك، الشيخ زايد، في البداية أنشطة دينية واجتماعية اعتبرتها السلطات “بريئة”.
لكن بعد أحداث 11 سبتمبر تغيّر المشهد. بدأت الدولة بتقليص نفوذ الجمعية وإقصاء كوادرها من الوزارات، ثم جاءت عريضة المطالبة بإصلاح سياسي، وقعها 133 إماراتيا عام 2011، بينهم الشيخ سلطان بن كايد القاسمي لتزيد القطيعة.
منذ ذلك الحين، اشتدت المواجهة. في 2023 أدانت محكمة اتحادية 53 متهما من قيادات الإخوان، وفي 2024 قالت السلطات الإماراتية إنها كشفت عن تنظيم سري جديد يقوده عناصر في الخارج. وفي العام التالي أدرجت أبوظبي 19 فردا وكيانا مرتبطين بالجماعة على قائمة الإرهاب.
الإمارات، التي بدأت علاقتها بالإخوان بتسامح واسع، أغلقت الباب نهائيا واعتبرت أي نشاط للجماعة تهديدا للأمن الوطني.
رغم الضغوط
كانت الكويت البوابة التي دخل منها الفكر الإخواني إلى الخليج منذ 1952، عبر جمعية “الإرشاد الإسلامي،” التي تحولت لاحقا إلى “جمعية الإصلاح الاجتماعي”. وبعد تحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1991 أسست ذراعها السياسية “الحركة الدستورية الإسلامية – حدس”.
شاركت “حدس” في الانتخابات وفازت بعدد مقاعد متفاوت، من أربعة عام 2016 إلى مقعد واحد في 2024. لكنها بقيت جزءا من المعارضة النشطة. ومع ذلك، شهدت العلاقة مع السلطة توترا حادا بعد “فضيحة الإيداعات المليونية” التي اتهم فيها مسؤولون حكوميون بشراء أصوات النواب عام 2011 واقتحام مجلس الأمة، تلتها اعتقالات وتسليم عناصر إلى مصر بين عامي 2020 و2023.
يقول المحلل الكويتي د. سويد العبكل: “لا يزال للجماعة حضور داخل بعض المؤسسات المنتخبة والجمعيات، مما جعل قرار مواجهتها أصعب”. ويضيف: “ليس من الدقة القول إن الجماعة ما زالت تحتفظ بنفوذ مؤسسي كبير، لكن الخطر لا يكمن فقط في المؤسسات الرسمية”.
رغم الضغوط، أظهر الإخوان في الكويت مرونة كبيرة، واحتفظوا بدور مؤثر في المعارضة والمجتمع المدني.
السياسة بواجهة اجتماعية
بدأ الإخوان في البحرين نشاطهم مبكرا عبر “نادي الطلبة” في 1941، ثم “جمعية الإصلاح” التي ركزت على العمل الخيري والتربوي. وخاض ذراعهم السياسي “المنبر الإسلامي” الانتخابات منذ 2002 وحصد مقاعد برلمانية حتى 2010.
لكن الربيع العربي غير المعادلة. ووضعت تصريحات “المنبر” ضد المتظاهرين الشيعة عام 2011 الجماعة في مواجهة مع المجتمع.
يرى الكاتب البحريني جعفر سلمان أن فرع الإخوان “يُظهر قدرة على التكيف: يبرز النشاط الخيري عندما تشتد الضغوط السياسية، ويتراجع حين تسمح الظروف بالتصعيد السياسي”. ويضيف: “الخطر في مرونتهم التنظيمية، فهم قادرون على البقاء حتى مع موجات الإقصاء”.
رغم ذلك، تختلف البحرين عن السعودية والإمارات في تعاملها مع الإخوان، رغم أنها التحقت بالمقاطعة الخليجية ضد قطر عام 2017، ووصفت الجماعة بـ”الإرهابية”.
الحاضنة المثيرة للجدل
رغم حل الفرع المحلي للإخوان في قطر عام 1999، لم تقطع الدوحة علاقاتها بالجماعة. استضافت قيادات إخوانية مثل يوسف القرضاوي، وفتحت أبوابها لقيادات “حماس” مثل خالد مشعل وإسماعيل هنية.
وخلال حكم الزعيم الإخواني الراحل، محمد مرسي، في مصر، أشارت تقارير إلى أن قطر قدمت لمصر دعما ماليا بمليارات الدولارات. أما في غزة، فقدمت مئات ملايين، وسمحت لحماس بفتح مكتبا سياسيا في الدوحة. وفي عام 2012 زار الأمير السابق حمد بن خليفة غزة ليعلن عن مساعدات بقيمة 400 مليون دولار.
لكن هذه السياسة وضعت قطر في مواجهة مع دول الخليج الأخرى. ففي 2017 قطعت السعودية والإمارات والبحرين، إضافة إلى ومصر، العلاقات مع الدوحة بحجة دعمها للإخوان وحماس. ودافع وزير الخارجية القطري وقتها عن حق بلاده في دعم “المقاومة المشروعة”.
ومع ذلك، استمرت الدوحة في لعب دور الوسيط بين حماس وإسرائيل برعاية أميركية، محتفظة بدور إقليمي حيوي.
ومثلت الضربة الإسرائيلية في 9 سبتمبر الحالي للدوحة نقطة تحول، إذ بدا أن إسرائيل أرادت إيصال رسالة مباشرة بأن احتضان حماس بات خطا أحمر.
وربما تجد قطر نفسها الآن في وضع صعب، بين خيار مراجعة حساباتها أو الاستمرار العلاقات مع حركة مرتبطة بالإخوان.
تجربة قطر تُظهر أن ملف الإخوان في الخليج لم يُغلق بعد، بل يعاد فتحه مع كل أزمة جديدة.
“لم تعد جماعة الإخوان بالقوة التي كانت عليها قبل عقد ونصف، لكنها لم تختفِ”. وكما يقول جعفر سلمان “قد يخبو أثر الجماعة أحيانا نتيجة الظروف الدولية أو المحلية، لكنهم باقون لأنهم يعرفون كيف يتعاملون مع التحديات”.
هل أشرت الضربة الإسرائيلية على الدوحة بداية النهاية لنفوذ الإخوان في الخليج؟ أم أن الجماعة ستجد طريقا آخر للاستمرار، كما كانت تفعل دائما؟
سكينة المشيخص
كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية



