بدعة الخميني

في حلقته الأسبوعية على منصات “الحرة” الرقمية، يتناول الكاتب والصحفي، إبراهيم عيسى، فكرة اختطاف الدين لصالح السلطة عبر نموذج “ولاية الفقيه”، ويعيد قراءة الجذور التاريخية والسياسية لهذا المفهوم.

يشدد إبراهيم عيسى أن الخميني طرح نظرية “ولاية الفقيه” كابتداع يخالف الفقه الشيعي التقليدي الذي لم يكن يقر بقيام دولة في غيبة الإمام. ويوضح كيف أصبحت هذه النظرية أساسا للحكم المطلق باسم الدين.

النص التالي أهم ما جاء في الحلقة، أعيد تحريره لتسهيل القراءة.

من الأمور التي يجب الانتباه إليها جيدا، وللغاية، هو أنه عند الحديث عن الإسلام، يُلاحظ أنه قد اُختطف لصالح مفهوم معين للإسلام، ووجهة نظر محددة في الإسلام يتعامل معها وكأنها هي الإسلام بأكمله. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل إلى مدى أقصى من ذلك، وهو أن الذي خطف الإسلام لا يعترف بأي وجهة نظر تحاوره أو تناقشه أو تخالفه.

هذا الوضع يمكن أن يُشبه بمن يخطف طفلا ثم يطلب فدية. فالمختطف يقول: “أنا خطفت هذا الطفل، ابنك، وأطلب منك فدية مليون دولار”. هنا، يصبح بإمكان المرء أن يدير الأمر كأنه في فيلم سينمائي هوليودي، لإنقاذ الابن ودفع المليون دولار. لكن المشكلة هنا، أن هذا المختطِف لم يطلب فدية مليون دولار. هذا المختطف لا يطلب فدية أصلا، بل يطلب أن تُختطف الشعوب جميعا مع الطفل، مع الابن المخطوف، مع الدين المخطوف، لكي تصبح جميعا شعوبا مخطوفة دينيا لهذا الخاطف، الذي اغتصب وجهة نظر الدين، وصار الدين كله تحت عباءته وعمامته.

المثل والنموذج الذي سيُتناول هنا هو فكرة “ولاية الفقيه” في المذهب الشيعي. لفهم هذا، يجب العودة إلى التاريخ وطرق بابه.

من الإمبراطورية الفارسية إلى الدولة الصفوية

لفهم المشهد الحالي، يجب إدراك أن إيران كدولة حديثة لم تكن موجودة بهذا الشكل المرسوم جغرافيا كما تُرى الآن. في تلك الفترة التاريخية، كانت هناك إمبراطوريات تتفكك وتتركب، ودول وممالك تتشكل، ولم تكن الخريطة على هذا النحو.

إيران الحديثة، التي ورثت الإمبراطورية الفارسية القديمة والعريقة والعميقة، تحولت من اسم “فارس” إلى اسم “إيران” في فترة متأخرة نسبيا. هذه الإمبراطورية الفارسية، التي تشكلت فيها الدولة الصفوية وسيطرت عليها، لم تكن على المذهب الشيعي بالكامل. كان هناك شيعة بالطبع، شأنهم شأن كل أنحاء الدنيا القديمة وقتها، لكن المذهب الشيعي لم يكن المذهب المهيمن أو المسيطر أو الأغلبية، بل كان موجودا في بعض المدن وبعض الأماكن الجغرافية داخل فارس.

هنا يأتي القرار التاريخي للدولة الصفوية، التي قررت أن تتبنى المذهب الشيعي. لماذا؟ لكي تصنع لنفسها غطاء دينيا مختلفا عن الإمبراطورية العثمانية السنية. في محاولة لمواجهة العثمانيين، قرر الصفويون، الذين كان مؤسس دولتهم رجلا صوفيا دينياً يُدعى صفي الدين، أن يتميزوا عن الإمبراطورية العثمانية بتبني المذهب الشيعي.

لم يكن هذا مجرد كلام، بل كان قرارا عمليا. فقد استقدم الصفويون علماء الشيعة ورجال الدين الشيعة من جبل عامل في لبنان ومن البحرين والعراق، لكي ينشروا المذهب. وبالفعل، انتشر المذهب بشكل كبير وكثيف، وأصبح المذهب السائد في الدولة الصفوية، التي تحولت بعد ذلك إلى ما يُعرف اليوم باسم إيران. هذا التأسيس السياسي لتبني مذهب معين يضع الأساس لفهم كيف يمكن أن يُعاد اختطاف هذا المذهب نفسه في العصور الحديثة.

بدعة الخميني في مواجهة إجماع الشيعة

المذهب الشيعي نفسه ليس مذهبا واحدا. ففيه الزيدية والإسماعيلية والاثنا عشرية. وهنا تحصل حالة الاختطاف الحقيقية. بالعودة سريعا إلى الفترة الحديثة، يُلاحظ أن هناك تناقضا كبيرا بين مفهوم الدولة المدنية التي كانت قائمة في إيران (دولة الشاه)، وبين المفهوم الديني الذي كان سائدا لدى رجال الدين الشيعة.

كان رجال الدين الشيعة، طبقا لمفهومهم الديني، يرون أن هناك “إماما غائبا”. وفي غيبة هذا الإمام، لا يصح إقامة دولة، ولا يصح وجود إمارة، ولا حكم، ولا رئاسة، حتى عودة الإمام الغائب. إذن، كان إنشاء الدولة في عهود سابقة هو إنشاء مدني، ووجود الدولة هو وجود مدني، لأن المذهب الديني لم يكن يقرّ بوجود دولة في غيبة الإمام. بل إن رجال الدين كانوا يرون أنه لا صلاة جمعة تقام في غيبة الإمام الغائب الذي لم يعد بعد. هذا هو الفقه الشيعي السائد.

لكن عندما جاء الخميني، طرح فكرة مختلفة تماما. لقد طرح فكرة “ولاية الفقيه” في فترة مبكرة، وهو منفي في العراق. طرحها كمحاضرة تحولت في ما بعد إلى كتاب اسمه “الحكومة الإسلامية”. ربما كانت النظرية موجودة قبله عند قلة محدودة، لكنه هو من تبناها ونشرها واعتمدها.

ما هي فكرة ولاية الفقيه؟ إنها ببساطة تقول إن الإمام غائب (المهدي المنتظر)، ومن ثم لا دولة بدون هذا الإمام إلى حين عودته. لكن الفقهاء يريدون أن يؤسسوا دولة، دولة دينية، لا دولة مدنية. ولإقامة هذه الدولة الدينية، قام الخميني بهذا “الابتداع”. الابتداع هنا هو فكرة “ولاية الفقيه” نفسها، التي تسمح للفقيه بأن يتولى مهام وصلاحيات الإمام الغائب، وأن يدير ويحكم الدولة باسم الإمام الغائب. ومن ثم يصبح هو “المرشد الأعلى”، ويصبح هذا هو حكم ولاية الفقيه. هذه النظرية هي في جوهرها أيديولوجيا سلطوية تتخفى في ثوب ديني، لا أن الفقه هو الذي أنتجها. إنه “ابتداع” يبرر الحكم المطلق، وهو ما يفسر كيف أمكن في ما بعد أن يصبح “المرشد الأعلى” يمتلك سلطة “فوق بشرية”.

عندما يتحول الفقيه إلى إله..

تمكن الخميني من العصف بكل شركائه في الثورة، والتي كانت في البداية تُعرف باسم “الثورة الإيرانية” عام 1979، لتتحول إلى “الثورة الإسلامية”. كل الذين نزلوا من الطائرة قادمين من باريس معه، من الماركسيين واليساريين والليبراليين، إما أُعدموا، قُتلوا بالمشانق أو بالرصاص، أو هربوا وخرجوا من البلاد. هكذا، تمكن الخميني من الانفراد والتفرد بحكم إيران، وأسس الدستور الإيراني الذي نص على أن “ولاية الفقيه” هي مبدأ الحكم في البلاد.

لكن هذا كان على عكس مذاهب الشيعة الأخرى، بل وعلى عكس جزء كبير من المذهب الاثني عشري نفسه. فقد كان هناك شيعة من إيران نفسها، مثل منتظري وغيره من آيات الله، ضد فكرة ولاية الفقيه. ماذا فعل بهم الخميني؟ نكل بهم. لقد كان حكما يمارس القتل والإعدام والتخلص من المعارضين.

هذا هو الاستبداد الديني الصرف. حاكم يتحدث باسم الإمام الغائب، الذي يتحدث بدوره باسم الله. ومن ثم، “لا راد لقضائه ولا معقب على حكمه. هو يملك كل شيء، يملك أن يقتلك وأن يحييك، يملك أن يحارب أو يسالم، يملك أن ينفق أو لا ينفق. هو يفعل ما يريد”. هذا الفقيه هو تجسيد للاستبداد الديني، بل ويتجاوزه إلى الاستبداد السياسي بكل أشكاله.

“ولاية الفقيه” ليست نظاما للحكم فقط، بل هي آلة للقضاء على كل أشكال المعارضة، سواء كانت سياسية أو حتى دينية من داخل المذهب نفسه. إنها سلطة كاملة على الحياة والموت، مما يحول “الفقيه” من مجرد حاكم إلى كيان له صلاحيات “إلهية” في نظر النظام، وهو ما يجعل المقاومة ضده ليست سياسية فحسب، بل هي أيضا مقاومة ضد “قضاء إلهي”.

تصدير الفكرة..

المشكلة ليست فقط في ما يحدث داخل إيران، بل في تصدير هذا النموذج. هذا النموذج من “الاختطاف” الاستبدادي وإعادة صناعة المذهب الشيعي تحت عنوان “ولاية الفقيه” امتد ليشمل الشيعة خارج إيران، والذين هم في الأساس ضد منهج ومبدأ ولاية الفقيه.

شيعة لبنان لم يكونوا يؤمنون بولاية الفقيه، حركة “أمل” لم تكن كذلك، وموسى الصدر أيضا لم يكن كذلك. ومع ذلك، تم اختراق شيعة لبنان عبر “حزب الله”، الذي أصبح هو “حزب ولاية الفقيه”. وبذلك، أصبح هناك اختراق للشيعة، ثم اختراق للدولة اللبنانية نفسها، وأصبح الحزب ذراعا لولاية الفقيه في شيعة لبنان وفي الدولة اللبنانية. هذا المشهد تكرر ذاته في العراق وتكرر حتى في اليمن وفي العالم كله.

هذا الفصل يؤكد أن “ولاية الفقيه” هي مشروع عابر للحدود، وليس مجرد نظام حكم محلي. إنها تمثل شكلا جديدا من أشكال “الاستعمار الأيديولوجي” الذي لا يعتمد على احتلال الأراضي بل على اختراق المجتمعات والأقليات الدينية وتوظيفها لخدمة أجندة دولة معينة. إن هذا “الاختراق” لم يستهدف الأعداء السياسيين فقط، بل استهدف أيضا “الشيعة” أنفسهم، مما يدل على الأولوية في هذه الأيديولوجيا هي “الولاء للفقيه”، وليس “الوطن” أو حتى المذهب. هذا يفسر لماذا تتعارض هذه الحركات مع مصالح دولها الوطنية.

تحالف “المرشدين” السنة  والشيعة..

هناك نقطة ثالثة بالغة الأهمية تكمل الصورة، وهي أن “ولاية الفقيه” التي تؤسس لما سماه الخميني “الحكومة الإسلامية” لم تكن وحدها. فقد تحالفت مع توأم ملتصق بها، وهو “الجماعات الإسلامية” من الإسلام السياسي السني.

إن “ولاية الفقيه” وجدت في الإسلام السياسي السني توأما لها. هذا الإسلام السياسي الذي يتمثل في الإخوان المسلمين وغيرهم، والذي يريد أن يعمل “دولة الخلافة”. دولة رجال الدين، التي تريد أن تطبق الشريعة، وتحكم بالحدود، وتحكم البلاد العربية والإسلامية باسم الإسلام.

هنا التقى النموذجان، ووجد كل منهما في الآخر النموذج الذي يثير حلمه ويحقق طموحه ويسعى إلى هدفه.  “الحكومة الإسلامية” هنا في ولاية الفقيه، فلماذا لا تكون “حكومة إسلامية” هناك أيضا؟  إذن، الالتصاق الذي حصل هنا هو الذي أوجد مبدأ التحالف هذا، والذي أدى إلى المشهد الذي شُوهد في المنطقة العربية، من اختراق إيراني للدول العربية عبر الشيعة بولاية الفقيه، وعبر الجماعات السنية بدعوى الحكم الديني.

هنا يكمن تهديد لا يقتصر خطره على دولة اسمها إيران أو على مذهب اسمه المذهب الشيعي، بل يشمل المجتمع العربي الذي أغلبيته مسلمة بالكامل. بل إن الأمر زاد إلى نقطة أكثر أهمية، وهو أنه أصبح خطرا على الإنسانية بأسرها. لماذا؟ لأنه عندما يتحالف حكم “ولاية الفقيه” مع حكم “ولاية أمير الجماعة” أو “ولاية المرشد”، فإن المرء يصبح أمام نموذج واحد للحكم.

وليس غريباً أبدا أن يكون الاسم هنا هو “المرشد الأعلى” لإيران، ويكون اسمه هناك “مرشد الإخوان”. ففي الحقيقة، يكمن تحالف “المرشدين”: المرشد الشيعي والمرشد السني، لكي يحققوا جميعاً هدف “الحكومة الإسلامية”. هذا هو الخطر الحقيقي، فهو ليس في الاختلاف المذهبي، بل في تشابه النموذج القائم على الحكم باسم الله وتفويض المرشد المطلق.

إن هذه التوأمة في الأيديولوجيا الاستبدادية هي ما يمثل “خطرا على المجتمع العربي” و “خطرا على الإنسانية”، لأنها ترفض مفهوم الدولة المدنية والمواطنة لصالح الحكم الإلهي. هذا التحالف الأيديولوجي يشكل خطراً على “الإنسانية”، لأنه يمثل نموذجاً للحكم الذي يرفض كل قيم التقدم والحرية والدولة الحديثة، ويؤسس لنموذج استبدادي مطلق لا يختلف عن أي استبداد سياسي آخر، بل يتجاوزه بصبغة “دينية” تجعله أكثر خطورة.

 هذا هو بالضبط ما تمثله “ولاية الفقيه”، و”ولاية المرشدَين”، سواء كان المرشد السني أو المرشد الشيعي. إنهما وجهان لعملة واحدة، تسعى إلى إقامة نموذج حكم ديني مطلق يختطف الدين من أجل السلطة، وينتج نظاما معاديا للحضارة الإنسانية الحديثة. هذا هو الخطر الذي يجب أن تُوعى أبعاده جيداً.

إبراهيم عيسى

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading