قوبلت نتائج الانتخابات الإسرائيلية بترقب في عواصم الشرق الأوسط، وسط شكوك في أن يؤدي تغيير الحكومة، إن حدث، إلى تحول جوهري في سياسات إسرائيل الخارجية، خصوصا فيما يتعلق بالحرب مع إيران والقضية الفلسطينية والعلاقات مع الدول العربية.
وعبرت مواقف محللين ومسؤولين سابقين من دول عربية، تحدث بعضهم إلى “الحرة”، عن تباين في التوقعات بشأن المرحلة المقبلة. ففي حين استبعد بعضهم حدوث تغيير كبير في السياسات الإسرائيلية، رأى آخرون أن تشكيل حكومة بديلة قد يفتح المجال لتخفيف التوترات واستئناف الحوار، خصوصا مع مصر والأردن.
وتابعت وسائل الإعلام في الشرق الأوسط، على مدى أيام، المنافسة بين المعسكرات السياسية الإسرائيلية وتداعيات النتائج على مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
يقول جعفر سلمان، محلل الشؤون الخليجية وكاتب الرأي بصحيفة الأيام البحرينية لـ”الحرة” إن إسرائيل دولة فاعلة في المنطقة، سواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا. وهذه الفاعلية تجعل الانتخابات الإسرائيلية شأنا يتجاوز حدود الدولة، لأن الحكومة الناتجة عنها ستقدم صورة أولية عن مستقبل المنطقة خلال السنوات الأربع المقبلة.
وبعد انتهاء فرز الأصوات، أظهرت النتائج فقدان نتنياهو للأغلبية الضئيلة التي كان يتمتع بها تكتله في الكنيست، إلا أن معسكره حقق نتائج أفضل من منافسه غادي آيزنكوت، ولم يتمكن الطرفان من الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، في حين حققت الأحزاب العربية إنجازا تاريخيا بحصولها على 19 مقعدا في الكنيست.
وفي ظل هذه النتائج، من المنتظر أن يظل نتنياهو رئيس وزراء في حكومة لتصريف الأعمال، تاركا لمعارضيه فرصا ضئيلة للغاية للإطاحة به، إذ يتطلب ذلك الحصول على دعم واسع من الأحزاب العربية، وهو أمر يرفضه العديد من القادة اليهود.
وعلى الرغم من الرغبة الشديدة التي يظهرها الخطاب الإعلامي العربي في تغيير حكومة نتنياهو، إلا أنه يعتقد في نفس الوقت أن رحيله لا يعني بالضرورة حدوث تحول جذري في السياسة الإسرائيلية.
يقول الدكتور أحمد فؤاد أنور، أستاذ الفكر الصهيوني بجامعة الإسكندرية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، لـ”الحرة” إن دول المنطقة ترى أن الفارق بين نتنياهو وآيزنكوت ليس كبيرا بما يكفي للتعويل عليه.
وفي تحليل نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في يوليو 2026، أشار الباحثان أوفير وينتر ويهودا ديسكين إلى أن الإعلام السائد في الأردن ومصر تعامل مع الانتخابات باعتبارها منعطفا استراتيجيا يمس المصالح المباشرة للبلدين ومستقبل القضية الفلسطينية. لكن الخطاب نفسه أبدى تشكيكا في فرص حدوث تغيير جوهري، حتى في حال وصول حكومة بديلة إلى السلطة.
يقول عايد المناع، الأكاديمي والباحث السياسي الكويتي إن تغيير الحكومة الإسرائيلية أو الوجوه أو حتى السياسات لن يؤثر كثيرا على الوضع في الشرق الأوسط، حيث يرى أن إسرائيل لن تتراجع عن إصرارها على عدم إقامة دولة فلسطينية، علاوة على مواقفها في الملفات الأخرى.
وفي المقابل، يرى آخرون أن تغيير الحكومة قد يفتح نافذة دبلوماسية جديدة، حتى إن لم يؤد إلى تحول فوري في المواقف الجوهرية. وقد يعني ذلك استعادة قنوات تواصل إسرائيل مع الأردن ومصر بشكل أكثر فاعلية، أو تخفيف التوتر مع دول عربية.
وتثير سياسات اليمين الإسرائيلي في حكومة نتنياهو، التي تلوح بتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، مخاوف الأردن ومصر، باعتبارها تقويضا لإقامة دولة فلسطينية ومساسا بأمنهما القومي.
ويرى نائب رئيس الوزراء الأردني الأسبق محمد الحلايقة في تصريحات لـ”الحرة” أن الأردن يتأثر مباشرة بما يحدث في القدس والضفة الغربية وغزة، ويشير إلى أن العلاقات الرسمية الأردنية “تشهد قطيعة إلى حد كبير مع الحكومة اليمينية الإسرائيلية المتطرفة، باستثناء التنسيق في قضايا محددة”.
واعتبر الحلايقة أن تغيير الحكومة الإسرائيلية الحالية، قد يفتح باب الحوار “مع الأردن في عدد من القضايا ويخفف التوترات في الأراضي الفلسطينية والمنطقة”.
وفي دول الخليج، تتقاطع نتائج الانتخابات الإسرائيلية مع اعتبارات أخرى، تشمل الأمن الإقليمي، والعلاقة مع الولايات المتحدة، ومخاطر التصعيد مع إيران، ومستقبل التطبيع مع إسرائيل.
فالحرب مع إيران تجعل أهمية القيادة الإسرائيلية المقبلة مسألة تتجاوز حدود إسرائيل. إذ يمكن لطبيعة الحكومة وتوجهاتها الأمنية أن تؤثر في تقدير احتمالات التصعيد العسكري، وفي شكل التنسيق الإقليمي، وفي المخاطر التي تواجهها دول المنطقة إذا توسعت المواجهة.
ويرتبط مستقبل التطبيع بمدى قدرة أي حكومة إسرائيلية على تقديم ما يتجاوز التفاهمات الأمنية والمصالح الاقتصادية، وخصوصا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وتربط السعودية أي مسار للتطبيع مع إسرائيل بوجود خطوات عملية وموثوقة نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما يرفضه نتنياهو.
على صعيد آخر، تتسم علاقات تركيا وقطر مع إسرائيل بالتوتر في الوقت الحالي، وقد تزداد حدة هذا التوتر في حال استمرار نتنياهو رئيسا للحكومة، بعد اتهامات إسرائيلية للدولتين بتقديم أموال للأحزاب العربية للتأثير في الانتخابات، وهو ما نفته كل من الدوحة وأنقرة.
وقد يكون مصير الحرب مع إيران من بين أصعب الأسئلة التي يمكن الإجابة عليها، ومدى ارتباط ذلك بهوية الحكومة المقبلة، خصوصا مع وجود طرف رئيسي آخر هو الولايات المتحدة.
وقال نتنياهو في أول خطاب له بعد الانتخابات إن أمام بلاده “فرصة تاريخية فريدة” بالتعاون مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقضاء على التهديد الوجودي الإيراني بصورة نهائية.
ويرى المناع أن الإسرائيليين يصرون على إنهاء أي قوة نووية لدى دول المنطقة، وخاصة الدول التي يعتقدون أنها تهددهم، ومنها إيران. وبالتالي، من الواضح أنه سواء كان نتنياهو أو أي طرف إسرائيلي آخر، فسوف يصر على تدمير إيران ما لم يتم إنهاء نشاطها النووي بصورة نهائية.
أما إيران نفسها فحاولت التقليل من أهمية الانتخابات بالنسبة لها، إذ صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في مؤتمر صحفي عشية الانتخابات بأن النتائج “لا تشكل أي فارق بالنسبة لبلاده”.
وأشار إلى عدم وجود فارق بين من يتولى سدة السلطة في إسرائيل، ولكن تغطية وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية للانتخابات، أظهرت غير ذلك مع تركيزها على بحث فرص حزب الليكود بالفوز بالانتخابات.
وفي سوريا ولبنان، يتفق مراقبون أن نتائج الانتخابات لن تمس جوهر الأهداف الأمنية في البلدين، وإن التغيير قد يقتصر على أساليب الإدارة.
وواصلت إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة توغلات برية في جنوب سوريا، مع استمرار وجود قواتها في المنطقة العازلة ومناطق أخرى داخل الأراضي السورية.
وفي لبنان، واصلت الغارات الجوية وهجمات المسيّرات وقصف مناطق في الجنوب مرتبطة بحزب الله، المصنف على قوائم الإرهاب الأميركية، رغم اتفاق وقف إطلاق النار والجهود الدبلوماسية لاحتواء التصعيد.
ويعتبر النائب اللبناني السابق الدكتور فارس سعيد، أن اهتمام اللبنانيين بهذه الانتخابات يأتي من خصوصية الصراع مع إسرائيل، وما شهده لبنان من تداعيات مدمرة لما سماها حزب الله “حرب إسناد لغزة”، وما ترتب عليها من سيطرة إسرائيل على أراض لبنانية في الجنوب.
وفي تقديره، لن تُحدث نتائج الانتخابات تغييرا جوهريا في السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان. ويوضح أن إسرائيل تسعى منذ السابع من أكتوبر إلى انتزاع ما يصفه بـ”بوليصة تأمين” لأمنها في المنطقة، سواء عبر التفاوض أو استخدام القوة.
ويرى المستشار في المخاطر الاستراتيجية والاستخبارات السياسية، الدكتور خالد الحاج، أن “نتائج الانتخابات لم تحمل مؤشرات إيجابية لدول المنطقة، بالنظر إلى الخطاب السياسي الذي تبنّاه المعسكران الرئيسيان في إسرائيل”.
ويوضح أن إيران تنظر إلى كليهما باعتبارهما يسعيان إلى إسقاط نظامها، فيما يدرك حزب الله، أن نزع سلاحه بالقوة يبقى هدفا مشتركا لدى نتنياهو وآيزنكوت، ما يجعل الاختلاف بينهما محدود الأثر على مستقبل المواجهة مع لبنان.
وفي المحصلة فإن الدول التي كانت تترقب تغييرا في إسرائيل، فإن عليها الانتظار، في ظل استمرار نتنياهو رئيسا لحكومة تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وسط مفاوضات ائتلافية يُتوقع أن تكون شاقة وطويلة.