في الأيام الأخيرة، عاد الجنوب اللبناني إلى واجهة المشهد الأمني مع تصاعد الغارات الإسرائيلية، التي امتدت لتطال البقاع أيضاً، مستحضرة صور الحرب التي وضعت أوزارها قبل نحو عام باتفاق لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.
هذا التصعيد جاء غداة توجيه حزب الله “كتاباً” إلى الرؤساء الثلاثة، معلناً فيه رفض أيّ تفاوض بين البلدين أو إجراء نقاش حول سلاحه.
الرد الإسرائيلي لم يتأخر، وجاء على شكل إنذارات بإخلاء مبانٍ في جنوب لبنان تمهيداً لقصفها، وغارات مكثفة استهدفت ما تؤكد إسرائيل أنها مواقع للحزب في الجنوب والبقاع، إلى جانب تصاعد وتيرة الاغتيالات التي تطال كوادر ومسؤولي الحزب.
وبين لهجة التحدّي التي يعتمدها الحزب، وتصاعد حدّة الردود العسكرية الإسرائيلية، يقف لبنان اليوم في منطقة رمادية، عالقاً بين رسائل السياسة وهدير الميدان، فيما تلوح في الأفق نذر مواجهة كبرى جديدة.
استعدادات إسرائيلية
في ظلّ التصعيد الإسرائيلي على الجبهة الجنوبية، تتزايد المؤشرات على أن لبنان يقترب من مرحلة بالغة الخطورة، وبحسب الكاتب والمحلّل السياسي يوسف دياب، فإن احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية واسعة “كبيرة جداً وقويّة”، مرجعاً ذلك إلى ما تعتبره إسرائيل عجز الدولة اللبنانية عن تنفيذ التزاماتها المتعلقة بنزع سلاح حزب الله.
ويشير دياب في حديث لموقع “الحرة” إلى أن التقارير الصحفية الغربية تتحدّث عن أن الجيش الإسرائيلي في حالة استعداد لحرب طويلة ضد لبنان، وأن هذه الحرب يمكن أن تترافق مع عملية موازية ضد إيران”.
كذلك يحذّر العميد المتقاعد في الجيش اللبناني يعرب صخر من أن المعطيات الميدانية والدعائية تشي باحتمال حصول عملية إسرائيلية أوسع.
وفي تدوينة على منصّة “إكس” يشير صخر إلى أن التحضيرات لحرب متجددة على “جبهات متعددة باتت مكتملة”، ويعتبر أن “تردّد السلطة اللبنانية وبطء تحرّكاتها، إضافة إلى رفض حزب الله القاطع تسليم سلاحه، بما يخالف ما ورد في اتفاق وقف النار بتاريخ 27 نوفمبر 2024، عوامل تزيد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع”.
ساعة الصفر وحجم المواجهة
في قراءة تستند إلى تقارير صحفية إسرائيلية وأميركية، يقول دياب إن “قرار الحرب قد اتّخذ فعليّا”، لكنه يربط توقيت اندلاعها بـ”إيقاع الأجندة الأميركية لا الإسرائيلية”، مشيراً إلى أن تصريحات المبعوث الأميركي توم براك، التي أكّد فيها أن واشنطن ستتفهم أيّ تحرك إسرائيلي لتولّي مهمة نزع سلاح حزب الله، إذا عجزت الدولة اللبنانية عن القيام بذلك.
وكان برّاك حذّر في منشور على منصّة “إكس”، من أن فشل لبنان في نزع سلاح حزب الله قد يدفع إسرائيل إلى القيام بتحرّك عسكريّ أحادي، واعتبر أن الجناح العسكري للحزب سيكون حينها في مواجهة كبرى مع إسرائيل.
ويرى دياب أن حجم أيّ مواجهة ومدى اتساعها سيبقيان رهن التطورات الميدانية، قائلاً: “إذا استهدفت إسرائيل مواقع للحزب في الضاحية الجنوبية أو مدنيين في الجنوب أو البقاع وردّ الحزب بالمثل، فلن يكون أحد قادراً على توقّع إلى أين ستتدحرج الأمور”.
لكن المحلل السياسي إلياس الزغبي يرى في حديث لموقع “الحرة” أن إسرائيل “لا تحتاج إلى شنّ حرب واسعة كما في السابق، بل إلى تصعيد عملياتها الجوية لمسح مواقع الحزب التي أعاد ترميمها”، ويوضح أن إسرائيل قد تحتاج إلى تنفيذ عمليات إنزال مدروسة ومحدودة ضد بعض المواقع شمالي نهر الليطاني وفي الضاحية الجنوبية والبقاع”.
القدرات العسكرية للطرفين
يوم الثلاثاء الماضي، لوّح الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، “بوضع حدّ” للاستهدافات الإسرائيلية في لبنان، مؤكداً أن جماعته لن تتخلى عن السلاح.
وفي المقابل، صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو من لهجته، مؤكداً أمام الكنيست، يوم الإثنين الماضي، أن الحرب ضد أعداء إسرائيل “لم تنتهِ بعد”، وأن بلاده عازمة على فرض اتفاقات وقف إطلاق النار، حيثما وجدت، “بيد من حديد”. أضاف نتنياهو: “يمكنكم أن تروا ما يحدث يومياً في لبنان”، مشيراً إلى أن الجهات التي تضمر الشر لإسرائيل تعيد تسليح نفسها.
وتعليقاً على التقارير الصحفية التي تتحدّث عن إعادة ترميم حزب الله لقدراته العسكرية، يقول الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب لـ”الحرة” إن “الأمر يندرج في إطار الحرب الإعلامية والتضليل المتبادل بين الحزب وإسرائيل”، مشيراً إلى أن “قدرة إسرائيل على استهداف دراجة أو سيارة بدقة والوصول إلى الصفوف القيادية الأولى للحزب، تعكس اختراقاً استخباراتيّا وتقنيّا واسعاً، يجعل من الصعب على الحزب إعادة بناء قدراته بسهولة”.
وفيما يتعلّق بالمواجهة العسكرية المحتملة، يؤكد الحزب قدرته على خوضها واستعداده للقتال تحت أيّ ظرف.
لكن رئيس جهاز التواصل والإعلام في حزب “القوات اللبنانية” شارل جبّور يشدد على أن “الحزب عاجز عن المواجهة، والدليل أنه لم يطلق رصاصة واحدة منذ 11 شهراً”.
ويضيف إن “لبنان يعيش أجواء حرب مفتوحة طالما لم تُحسم مسألة سلاح الحزب ولم تحتكر الدولة وحدها القوة المسلحة”. لذلك، “سيبقى البلد عرضة للحصار والضغوط الاقتصادية، لأن أصل الأزمة يدور في حلقة مفرغة عنوانها مشروع حزب الله وسلاحه”، كما يؤكد جبور.



