تدخل سوريا عام 2026 وقد وجد تنظيم «داعش» بيئة مثالية لإعادة هندسة وجوده، منتقلاً من العمل السري في البادية إلى التغلغل داخل المؤسسات الرسمية، مستفيداً من الفراغ الأمني الناجم عن تعثر التسويات السياسية الكبرى.
وتكشف تقارير ميدانية ومعلومات استخباراتية عن استراتيجية مزدوجة للتنظيم: الأولى تعتمد على استغلال «فوضى الدمج» العسكري لاختراق وزارة الدفاع، والثانية توظف الصراعات البينية بين مكونات المجتمع السوري (الكرد، الدروز، والعلويين) والسلطة الانتقالية لتوسيع هامش مناوراته الميدانية.
اختراق
تقول الباحثة المختصة في شؤون الجماعات المتطرفة، لامار أركندي، إن «داعش» نجح في اختراق «الجيش السوري الجديد». وتوضح أن الآلاف من عناصر التنظيم الذين فروا عقب انهيار «دولة الخلافة» وهزيمتهم في معارك الباغوز، لم يختفوا تماماً، بل لجأوا حينها إلى مدينة إدلب والمناطق التي كانت خاضعة لسيطرة فصائل المعارضة.
وتضيف أركندي أن هؤلاء العناصر انضموا إلى تلك الفصائل، ومع سقوط النظام السابق وتشكيل السلطة الانتقالية، اندمجت هذه التشكيلات تلقائياً في ملاك «وزارة الدفاع السورية». وتؤكد الباحثة أن هؤلاء العناصر ما زالوا يحافظون على العقيدة القتالية للتنظيم، وينتظرون الفرصة المناسبة للكشف عن أنفسهم.
وتشير المعلومات إلى أن هؤلاء العناصر “يتنقلون بكل حرية في جميع المناطق السورية تحت غطاء وزارة الدفاع”.
وتدعم لغة الأرقام هذه الفرضية، حيث كثّف التنظيم نشاطه بشكل ملحوظ خلال العام الجاري، منفذاً ما يقارب 121 عملية، مقارنة بـ117 هجوماً في العام الماضي، ما يعكس تصاعداً في القدرات العملياتية مدعوماً بهذا الاختراق.
فراغ في الشمال
يستمد التنظيم جزءاً من قوته الحالية من تعثر المسار السياسي في شمال البلاد. إذ بات الاتفاق الذي وقعه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مع القائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي في 10 مارس الماضي على حافة الانهيار.
ويشخص الباحث في «المركز السوري للدراسات» بدمشق، وائل علوان، أسباب هذا التعثر بوجود «أطراف ضمن (قسد) نفسها تريد توسيع المكتسبات السياسية والميدانية على حساب الاتفاق»، ما خلق حالة من الشلل في تنفيذه.
من جانبه، يرى الباحث السياسي زانا عمر أن الرئيس أحمد الشرع يمارس سياسة “الضغط” مستخدماً التهديدات التركية المستمرة ضد إقليم شمال وشرق سوريا، لدفع «قسد» إلى تقديم تنازلات جوهرية في مسار التفاوض حول دمج قواتها في الجيش الجديد.
ويشير عمر إلى تقاطع مصالح قوى إقليمية في إفشال هذا الاتفاق، وفي مقدمتها تركيا وإيران. ويفسر ذلك بأن فتح المجال أمام «قسد» للاندماج في وزارة الدفاع السورية عبر ثلاث فرق عسكرية نظامية، يعني منحها «شرعية وطنية كاملة» تضاف إلى ما تمتلكه من شرعية دولية اكتسبتها من خلال التحالف الدولي لمحاربة «داعش». ويرى أن استكمال هذه الشرعية يعني قطع الطريق أمام الخطط التركية للتوسع، ومنع استعادة إيران لنفوذها في سوريا، وهو ما يفسر استمرار الضغط لإبقاء المنطقة في حالة فراغ أمني يستغله «داعش».
من الانتظار إلى التمكين
يقول مراقبون إن تأخر تطبيق الاتفاقات السياسية، وانشغال الأطراف السورية بصراعات النفوذ والهوية، وسع يوماً بعد يوم من الفراغ الأمني الذي مهد لعودة «داعش».
ولا تخفي الأطراف السورية، سواء الحكومة الانتقالية أو «قسد»، مخاوفها من عودة التنظيم للواجهة بقوة، خاصة أنه يمتلك الآلاف من مسلحيه وقادته الرئيسيين في سجن غويران، وعائلاتهم في مخيم الهول الخاضعين لسيطرة «قسد». ولا تستبعد الباحثة لامار أركندي أن يخطط التنظيم لشن هجمات منسقة على هذه السجون لتحرير عناصره، مستغلاً الفوضى الحالية.
ويعتقد الباحث زانا عمر أن التنظيم حاضر بقوة، وبشكل أقوى من أي وقت مضى، من خلال انخراطه ضمن مؤسسات السلطة الانتقالية. ويرى أن التنظيم انتقل من «استراتيجية الانتظار» التي اتبعها خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2024، إلى مرحلة «التمكين» بأدوات جديدة تشمل هجمات مدروسة للتأثير على السياقات السياسية. ويستدل عمر على ذلك بالهجوم الذي نفذه مسلح من «داعش» في تدمر وسط سوريا يوم 13 ديسمبر الحالي، والذي أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم.

دلشاد حسين



