وهم الإعجاز العلمي

يخوض الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى مواجهة فكرية مباشرة مع خطاب ديني شائع يخلط بين مجالي العلم والإيمان. ويفكك عيسى جذور وهم “التنافس” بينهما، كاشفا كيف تحوّل هذا الخلط إلى أداة للهيمنة، وتعطيل العقل، وتشويه الدين معا.

هذا هو نص حلقة من برنامج إبراهيم عيسى على منصات “الحرة” الرقمية أُعيد تحريره ليناسب القراءة مع الاحتفاظ قدر الإمكان بحرفية النص كما قدمه على الشاشة.

أُنهِكنا طويلاً بخطاب سلفي استنزف الطاقة والإمكانات، حين ظل يردد بلا توقف أن الدين فوق العلم، وأن الدين سابق على العلم. وهنا يبرز السؤال البديهي: ما علاقة الدين بالعلم أصلاً؟ ولماذا يُصرّ هؤلاء على وضعهما في حالة تنافس أو صراع.

في أوروبا، تم تجاوز هذا الصراع بين الدين والعلم منذ قرون، وانتهى الأمر بخروج الكنيسة من المشهد العلمي، ليبقى العلم علماً، حراً في مساره، غير مُعطَّل ولا مُقيَّد لمجرد كونه علما.

أما في مجتمعاتنا، فلا تزال المؤسسات الدينية تتداخل في تفاصيل الحياة اليومية بصورة مربكة ومعيقة، ولا تزال الدول نفسها تنجرّ خلف هذا التدخل. يكفي أن نتأمل الخلاف السنوي حول هلال رمضان، حيث يرفض الفقهاء علم الفلك، والمراصد، والأقمار الصناعية، وتقنيات الاستشعار الحديثة، ويُصرون على الرؤية المجردة وكأن الزمن لم يتحرك. هكذا نظل أسرى سردية معقدة، يقدّم فيها رجال الدين أنفسهم بوصفهم الدين ذاته، ويتعاملون مع العلم كمرتبة أدنى أو كمنافس يجب إخضاعه، لا كحقل مستقل حر.

جرح نرجسي

الخطاب السلفي والتقليدي يصرّ، في الغالبية الساحقة من منابره، على أن القرآن الكريم يحوي كل العلوم، وأنه سبق الكون وما فيه. هذا الإصرار ينبع من إحساس عميق بالنقص؛ شعور حضاري بالهزيمة. المسلم اليوم لا يمتلك أدوات الاكتشاف ولا مفاتيح الاختراع، ويعيش مستورداً للعلم والتكنولوجيا، فيلجأ إلى تعويض نفسي مفاده: “كل ما عندكم موجود أصلاً في القرآن”.

والسؤال البسيط الذي لا يملك هذا الخطاب إجابة عنه: إذا كان كل هذا موجوداً في القرآن، فلماذا لم تُنتجه أنت؟ ولماذا لم يظهر على يديك؟ الحقيقة أن هذه الفقاعة الوهمية تفترض علاقة غير موجودة بين الدين والعلم، وكأن الدين مصدر للمعادلات والنظريات والتجارب.

القرآن كتاب هداية ونور، كتاب مقدس، لا كتاب طب أو هندسة أو فلك أو فيزياء. نعم، فيه آيات تحرّض على التفكير والبحث والتدبر، وتفتح الباب أمام العقل ليستكشف الكون، لكنه ليس كتاب علوم. الادعاء بوجود “إعجاز علمي” هو فضيحة فكرية وإهانة للعقل العربي والمسلم، ونتج عنه مؤسسات ومشاريع أنفقت عليها أموال طائلة لترويج أوهام لا تصمد أمام أي منهج علمي.

حتى العلماء المسلمون في عصور الازدهار، من أطباء وكيميائيين ورياضيين، لم يستخرجوا اكتشافاتهم من نصوص دينية، ولم يستندوا إلى آيات أو أحاديث، بل اشتغلوا على العلم بوصفه علماً. فلماذا نُصرّ اليوم على تحميل الدين ما لا يحتمل؟ هل نحس بعقدة نقص حضارية؟

خدعة “الطب” النبوي

يبلغ الخلل ذروته عند الحديث عن “الطب النبوي”، وكأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان طبيباً يعالج الأمراض. والحقيقة أن النبي نفسه رفض أن يعالج ذاته وحتى وهو في سكرات الموت، بل أُحضر له الأطباء عند مرضه، ورفض بعض الأدوية التي أُعطيت له. فأين هذا “الطب النبوي” المزعوم؟

محاولاتهم هاته ليست دفاعاً عن الدين، بل إساءة له. كأن الدين لا يكون قوياً إلا إذا نافس العلم، وكأن النبوة تحتاج إلى أن تُثبت ذاتها بمعجزات طبية. هذا كله ليٌّ لذراع الدين، وتحويل له إلى أداة في صراع وهمي مع العلم، صراع تجاوزه العالم منذ قرون.

لماذا حوّلتم الدين إلى علم؟ هل أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن ليكون كتاب علوم، أم كتاب هداية ونور وإيمان؟ نحن أمام مشهد بالغ الازدواجية؛ يخرج فيه رجال الدين ليؤكدوا أن الدين يحث على طلب العلم، ثم يعودون ليقولوا إن الدين هو العلم ذاته، وأنه سابق عليه، وأن على العلم أن يستأذن الدين، وكأن صاحب العمامة وصيّ على صاحب المعطف الأبيض في معمله.

هذا التصور مرفوض تماماً. فمهما اختلفت ألوان العمائم أو أشكالها، لا أحد يملك وصاية على العلماء في مختبراتهم، ولا يملك أن يكون مرجعيتهم أو رقيباً عليهم باسم الحلال والحرام.

أما الدين فمجاله مختلف تماماً: في المقاصد، وفي القيم، وفي العبادات، وفي العلاقة بين الإنسان وربه. وليس من الدين في شيء أن يحتكر الدين الحكمَ على العلم أو أن يتصدر لتقويمه أو إخضاعه.

لكن المشكلة الأخطر أن بعض الأطباء والباحثين وقعوا في هذا الفخ، وتحولوا إلى مروّجي خرافة ودجل، مستخدمين ألقابهم العلمية لتسويق أوهام دينية. وهكذا يتحول الدين من مصدر أخلاقي إلى نصب وتجارة، ومن الهداية إلى الدجل والخرافة.

الحل الحقيقي يكمن في الفصل الواضح: العلم علم، والدين دين. والعلم لا علاقة له بالعمائم، مهما اختلفت ألوانها وأشكالها.

أيها العمائم، سوداء كانت أو بيضاء، طويلة أو عريضة، العلم لا علاقة له بكم!.. ارحمونا!.

إبراهيم عيسى

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading