عند الساعة الثانية فجر الأربعاء، تعرّض مقرّ قيادة عمليات الحشد الشعبي في البصرة جنوبي العراق، لضربة جوية، وخلال الساعات التالية اتّسعت رقعة الاستهداف لتشمل سبع محافظات، ووصلت إلى أطراف العاصمة بغداد.
وبحسب مسؤولين عراقيين تحدثوا لـ”الحرة”، شملت الضربات منطقة شمل الدير في البصرة، والصويرة في واسط، وناحية عون في كربلاء، وقضاء الدبس في كركوك. وأفادت مصادر أمنية بأن الهجمات طالت سبع مدن على الأقل، من بينها قضاء المدائن على أطراف بغداد.
وأعلن الحشد الشعبي أن الهجمات طالت مقاره في محافظات بغداد وواسط ونينوى والبصرة وكركوك وكربلاء وديالى، مخلّفة أضرارا مادية متفاوتة في عدد من المقرات والآليات والمعدات العسكرية.
وشملت الغارات على محافظة نينوى، منطقة برطلة، وهي من أكثر المناطق التي جمّع فيها الحشد قواته لتأمين مناطق الشمال والحدود الغربية مع سوريا.
كما استُهدف “معسكر المحمداوي” في ديالى، الذي يوصف بأنه مركز لوجستي وتدريبي وقيادي للمناطق المحيطة شمال بعقوبة، إلى جانب “معسكر الفتح المبين” في محافظة واسط. وسُجّلت غارات في منطقة الدير، التي لم يُعرف عنها أنها مركز تجمّع عسكري لكنها تُعدّ من المراكز اللوجستية والدعم في منطقة غنية بالمنشآت النفطية وقريبة من الكويت.

وأعلنت هيئة الحشد الشعبي حصيلة وصفتها بأنها “غير نهائية” للضربات: ما لا يقل عن 20 قتيلا و32 مصابا. ولا تشمل هذه الحصيلة القتلى الإيرانيين.
وفقا لمصادر “الحرة”، قُتل خمسة من عناصر الحرس الثوري الإيراني، المدرج على قائمة الإرهاب الأميركية، في الضربات، جميعهم في معسكر أبو منتظر المحمداوي في محافظة ديالى المحاذية للحدود الإيرانية.
والمقر هو “معسكر أشرف” سابقا، الذي كان مقرا لحركة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة قبل إخراج مقاتليها من العراق في 2016، ويقع قرب بلدة الخالص، شمال شرقي بعقوبة، مركز محافظة ديالى. وقد أُعيدت تسميته «معسكر أبو منتظر المحمداوي»، نسبة إلى قيادي قُتل خلال العمليات ضد تنظيم “داعش”. ووفقا لتقرير صادر عن معهد واشنطن، تخضع القاعدة، التابعة للحشد الشعبي، رسميا لسيطرة الحكومة العراقية، لكن منظمة بدر تديرها فعليا.
وليست هذه المرة الأولى التي يُستهدف فيها الموقع. ففي عام 2019 تعرّض المعسكر لغارات جوية نُسبت حينها إلى إسرائيل، وذكرت وسائل إعلام أن الهدف كان مستودعات تضم صواريخ إيرانية.
ولم ترد أي إشارة إلى القتلى الإيرانيين في بيانات هيئة الحشد الشعبي أو في أي بيان حكومي عراقي.
وقالت القيادة المركزية الأميركية إنها نفذت بالشراكة مع القوات المسلحة السعودية ضربات دقيقة في العراق استهدفت موالين لإيران وجّههم الحرس الثوري لمهاجمة القوات الأميركية والبنية التحتية للطاقة في المملكة، وإن الغارات جاءت رداً على أكثر من 30 هجوماً بمسيّرات خلال الساعات الـ72 الماضية.
من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع السعودية أن قواتها المسلحة، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، شنّت ضربات نوعية محددة ضد أهداف تابعة لفصائل مسلحة على الأراضي العراقية مرتبطة باستهداف المنشآت البترولية في المملكة. وهذه أول مرة تعلن فيها الرياض مسؤوليتها عن شن ضربات داخل الأراضي العراقية منذ اندلاع الصراع بين إيران والولايات المتحدة.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشبكة “فوكس نيوز” إن الضربات الأميركية السعودية في العراق جرى تنسيقها مع الحكومة العراقية، مشيرا إلى أن هناك تحذيرات إضافية موجهة لوكلاء إيران قيد الدراسة.
لكن مسؤولا في الحكومة العراقية، قال لـ”الحرة” إن “الضربات لم تكن بالتنسيق، وإنما حديث سابق للولايات المتحدة بأنها سترد على الضربات التي تهدد مصالحها ومصالح أصدقائها”.
وكان مقررا أن يزور رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي الرياض غدا الخميس في أول زيارة رسمية له للمملكة منذ توليه منصبه في مايو الماضي، غير أن مصدرا حكوميا أكد لـ”الحرة” تأجيل الزيارة.
وعقد المجلس الوزاري للأمن الوطني برئاسة الزيدي اجتماعا طارئا، وقال إن “التعاطي مع مثل هذه الاعتداءات ومواجهتها يُعد مسؤولية حصرية للحكومة العراقية ومؤسسات الدولة الدستورية دون سواها”.
ويأتي ذلك بعد أيام من بدء لجنة عراقية مشتركة، بتوجيه من رئيس الوزراء، التحقيق في إعلان السعودية تعرّضها لهجوم بمسيّرات انطلقت من العراق، وطلبت من الرياض معلومات إضافية. وأعلن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان فتح تحقيق رسمي في الاتهامات السعودية، مؤكدا أن الحكومة لن تسمح بأي محاولة للمساس بالعلاقات مع الرياض.
وأدانت الرئاسة العراقية القصف الذي استهدف مقار الحشد الشعبي وأسفر عن مقتل وإصابة عدد من المنتسبين، واعتبرت أن الهجمات تشكّل “انتهاكا لسيادة البلاد”، مجدّدةً في الوقت نفسه رفضها استخدام الأراضي العراقية “ساحةً لتصفية الحسابات أو للاعتداء على دول الجوار.”
في المقابل، نفت الفصائل المسلحة العراقية أي دور لها في هجمات المسيّرات، وألمحت ما تعرف بـ “المقاومة الإسلامية في العراق” إلى أن هجمات الاثنين نفّذها الحوثيون في اليمن.
وقبل فجر الأربعاء، لم يسبق للرياض أن أقرّت بتنفيذ ضربات داخل العراق، وبقي الأمر في خانة توجيه الاتهامات لفصائل موالية لإيران باستهدافها. كما أن جماعات عراقية موالية لإيران اتهمت الرياض سابقا بدعم جماعات مسلحة، لا سيما خلال موجات العنف في العراق بين عامي 2006 و2008 وفترة صعود تنظيم “داعش” بين 2014 و2017.
أما الضربات الجوية على مواقع الحشد فكانت تُنسب إلى جهات أخرى أو تبقى دون تبنٍّ. ففي مارس الماضي استهدفت سلسلة ضربات جوية “غامضة” مواقع للحشد في كركوك ونينوى والأنبار، شملت مقر اللواء 40 في الدبس والقيارة، وموقعاً للفوج 33 في نينوى، ومنطقة الگهاوي في الأنبار حيث يتمركز اللواء 45 (كتائب حزب الله)، ولم تُعرف الجهة المنفذة رسمياً.
وأدانت حركة النجباء الضربات السعودية الأميركية ووصفتها بأنها “عدوان وانتهاك للسيادة”، وأكدت أن “دماء الضحايا لن تذهب هباءً”، وطالبت الحكومة بإنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق ووقف جميع أشكال التعاون مع السعودية، وبعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة والاستنكار.
وعلّق زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر بأن على “المليشيات المنفلتة” عدم إعطاء ذريعة لقصف العراق، داعيا الحكومة إلى ضبط الأمن وفرض السيادة.
وتضع هذه الأحداث، رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في موقف صعب. فمن جهة، يسعى إلى تقريب وجهات النظر مع دول المنطقة والولايات المتحدة الأميركية، ومن جهة أخرى لا يريد استفزاز شركاء الداخل. وتأتي هذه التطورات على وقع ضغوط أميركية متزايدة على بغداد لسحب سلاح الفصائل الموالية لإيران، بعد تعهد الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة.