قبل أيام قليلة، اتصل بي ابني من لندن. كان هو وعائلته يخططون لقضاء جزء من الصيف في لبنان. كان حفيدي الأول سيأتي أخيراً إلى هنا. تخيلنا موائد غداء طويلة، وأمسيات صاخبة بالحكايات والضحكات، وتلك اللحظات العائلية العادية التي تزداد قيمة لأنها عادية فحسب. لكنه أخبرني أنهم قرروا عدم المجيء. قال إن الوضع «شديد الهشاشة والتقلب». تفهمت الأمر. وكيف لا أتفهمه؟ فمنذ أشهر ونحن جميعاً نعيش على وقع إحساس دائم بأن الأرض تحت أقدامنا قد تتبدل في أي لحظة. نضع خططنا بحذر. نشتري تذاكر السفر بحذر. وحتى أحلامنا، نحلمها بحذر.
بعد ذلك بقليل، قرأت خبراً مفاده أن إيران والولايات المتحدة توصلتا إلى اتفاق. كانت ردة فعلي الأولى شبه فورية. تناولت هاتفي، لأكتب رسالة إلى منير مفادها: «ربما عليك أن تعيد النظر في قراراك، فربما تهدأ الأمور الآن وقد يغيّر هذا الاتفاق كل شيء». لكنني، قبل أرسلها، توقفت.
هل يغيّر الاتفاق كل شيء فعلاً؟
هل يعني اتفاق بين واشنطن وطهران سلاماً للبنان؟ هل يعني أن الخوف الذي استقر في تفاصيل حياتنا اليومية سيبدأ أخيراً بالانحسار؟ هل يعني أن العائلات التي فرقتها الضبابية وعدم اليقين تستطيع أن تعود إلى التخطيط لمستقبلها بثقة؟ أم أنه يعني ببساطة أن فصلاً جديداً من تاريخنا يُكتب مرة أخرى في مكان آخر، فيما ننتظر لنكتشف ماذا سيعني لنا؟
الحقيقة أن حياة كثير من اللبنانيين باتت معلقة بكلمة واحدة: إذا.
سيزورني ابني هذا الصيف إذا…
ستصدر روايتي الجديدة هذا الخريف إذا…
سينجو عملي إذا…
سيبقى هذا البلد قائماً إذا…
لقد أصبحنا خبراء في العيش داخل مساحة الشك، وفي التعامل مع عدم الاستقرار لا باعتباره استثناءً، بل باعتباره الحالة الطبيعية والدائمة. بقينا معلقين بين صفارات الإنذار والبيانات الرسمية، بين الصواريخ والوسطاء، بين التهديدات والمفاوضات. راقبنا رجالاً في عواصم بعيدة يناقشون منطقتنا كما لو كانت رقعة شطرنج، وسكانها مجرد قطع تُحرَّك أو تُضحّى بها أو تُستبدل.
وتعلمنا مجدداً الدرس اللبناني القديم: القرارات القادرة على تغيير حياتنا كثيراً ما تُتخذ في أماكن أخرى. وأن ما يحدث للبنان عندما يقرر الذين استخدموه ساحةً لحروبهم أن يتوقفوا عن القتال، ليس بالضرورة سبباً للاحتفال. فالخبرة الطويلة شفتنا من هذه الأوهام.
وينطبق ذلك، ربما أكثر من أي شيء آخر، على الاتفاق الآخذ في التشكل بين إيران والولايات المتحدة. فالاتفاق الإطاري الأولي يتحدث عن إنهاء الأعمال العدائية وخفض التصعيد، لكن مكان لبنان فيه لا يزال غامضاً، كما أن إسرائيل أوضحت بالفعل أنها لا تعتبر نفسها ملزمة بكل جوانب التفاهم الأميركي الإيراني.
ولهذا، ما زالت الصورة بالنسبة إلينا قاتمة. فكل المؤشرات توحي بأن إسرائيل ستبقى في أجزاء من الجنوب. وأن حزب الله سيبقى مسلحاً، فيما ستظل الدولة ضعيفة. وأن إعادة الإعمار ستبقى متعثرة، والأعمال التجارية مشلولة. وأن أعداداً لا تحصى من العائلات ستظل نازحة، ومدناً وبلدات بأكملها ستبقى مدمرة. فأي جزء من هذا يمكن اعتباره «حلاً»؟
على مدى عقود، قيل لنا إن مصيرنا لا ينفصل عن صراعات أكبر منا: الصراع ضد الإمبريالية، والصراع ضد الصهيونية، والصراع على النفوذ الإقليمي، والصراع من أجل الأمن.
ليس لأن الدول الكبرى تتفاوض؛ فهي فعلت ذلك دائماً وستظل تفعله. بل لأننا اعتدنا أن نكون موضوعاً للتفاوض، لا طرفاً في تقرير مصيرنا.
واحداً تلو الآخر، مرت كل هذه السرديات الكبرى عبر بلادنا، تاركة خلفها شهداء وشعارات وأطلالاً وأعلاماً ومقابر. تبدلت الأسماء، أما الركام فبقي كما هو.
كم مرة ينبغي لبلد أن يدفع فاتورة أحاديث جرت في أماكن أخرى؟
واليوم، بينما تحاول واشنطن وطهران إعادة رسم معالم علاقتهما، يجد لبنان نفسه مرة أخرى في موقع المنتظر لنتائج حوار لم يكن له فيه مقعد على الطاولة.
وربما يكون ذلك أعمق أشكال الإهانة كلها.
ليس لأن الدول الكبرى تتفاوض؛ فهي فعلت ذلك دائماً وستظل تفعله. بل لأننا اعتدنا أن نكون موضوعاً للتفاوض، لا طرفاً في تقرير مصيرنا.
فالاختراق المعلن يطرح أسئلة صعبة، خصوصاً بالنسبة إلى لبنان. فإذا اختارت إيران الدبلوماسية بدلاً من المواجهة، فماذا سيبقى من المنطق الذي حكم جزءاً كبيراً من حياتنا السياسية؟ ماذا يحدث حين يغيّر الراعي الإقليمي اتجاهه، فيما تبقى البنى المحلية المشيدة حول الصراع الدائم على حالها؟ ماذا يحدث عندما تكتشف حركة اعتادت تعريف نفسها عبر المقاومة أن البيئة الإقليمية تتغير بوتيرة أسرع من سرديتها؟
هذه الأسئلة ليست موجهة إلى حزب الله وحده. إنها تعنينا جميعاً.
فعلى مدى سنوات، عملت السياسة اللبنانية كنظام متبادل من احتجاز الرهائن. كل فريق كان يبرر إخفاقاته بالإشارة إلى الأخطار التي يمثلها الفريق الآخر. وكل أزمة كانت تتحول إلى ذريعة جديدة للتأجيل. يمكن للإصلاح أن ينتظر. ويمكن للمحاسبة أن تنتظر. ويمكن لبناء الدولة أن ينتظر. كان كل شيء قابلاً للتأجيل لأن البلاد، كما قيل لنا دائماً، تخوض معركة وجودية أكبر.
يبقى الدمار في لبنان، فيما تتعثر إعادة الإعمار. وتبقى فيه الأسلحة غير الشرعية، فيما تتغير الاستراتيجيات. تبقى فيه السيادة شعاراً لا واقعاً. يعلن فيه الجميع النصر، بينما يواصل المواطنون العاديون دفع الثمن
لكن ماذا لو بدأت تلك المعركة الكبرى بالتراجع؟ أي ذريعة ستبقى عندها؟
إن أكبر مخاوفي ليست الحرب.
فالحرب، على الأقل، تفرض قدراً من الوضوح.
ما أخشاه هو السلام المتجمد.
يبقى الدمار في لبنان، فيما تتعثر إعادة الإعمار. وتبقى فيه الأسلحة غير الشرعية، فيما تتغير الاستراتيجيات. تبقى فيه السيادة شعاراً لا واقعاً. يعلن فيه الجميع النصر، بينما يواصل المواطنون العاديون دفع الثمن. ونغدو فيه مجرد هامش، أو حاشية صغيرة، في اتفاق تدور فصوله الأساسية حول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات ومضيق هرمز والنفط وتوازنات القوى الإقليمية.
نحن نعرف هذه الحالة جيداً.
لقد عشنا داخل أوضاع غير محسومة لأجيال.
لا حرب ولا سلام.
لا دولة ولا لا-دولة.
لا ديمقراطية ولا ديكتاتورية.
لا انهيار كاملاً ولا تعافياً حقيقياً.
غرفة انتظار دائمة تتنكر في هيئة وطن.
وفي الأثناء، يواصل الناس أداء طقوس البقاء المرهقة. تعود العائلات إلى قرى قد تُقصف من جديد. ويعيد الرجال بناء منازل قد يخسرونها مرة أخرى. ويعيد أصحاب الأعمال فتح مشاريع قد يضطرون إلى إغلاقها مجدداً.
حلقة لا تنتهي من العمار والخراب.
فمن الأسهل أن نلقي اللوم على الإمبراطوريات من أن نفتش في إخفاقاتنا الخاصة. ومن الأسهل أن نندد بالتدخلات الخارجية من أن نسأل لماذا نعيد، مرة بعد أخرى، إنتاج الظروف التي تسمح لها بالحدوث. ومن الأسهل أن ننتظر الخلاص من الخارج من أن نخوض العمل الشاق والمؤلم اللازم لنصبح أمةً تعمل كما ينبغي.
ولهذا يثير هذا الاتفاق مشاعر تتجاوز الجغرافيا السياسية. فهو يجبرنا على مواجهة احتمال طالما فضلنا تجنبه: احتمال أن يكون مستقبلنا أقل ارتباطاً بطهران وواشنطن، وأكثر ارتباطاً بنا نحن.
وهي فكرة غير مريحة.
فمن الأسهل أن نلقي اللوم على الإمبراطوريات من أن نفتش في إخفاقاتنا الخاصة. ومن الأسهل أن نندد بالتدخلات الخارجية من أن نسأل لماذا نعيد، مرة بعد أخرى، إنتاج الظروف التي تسمح لها بالحدوث. ومن الأسهل أن ننتظر الخلاص من الخارج من أن نخوض العمل الشاق والمؤلم اللازم لنصبح أمةً تعمل كما ينبغي.
ربما لا يكمن الخطر الأكبر الذي يواجه لبنان في أن الآخرين ما زالوا يقررون مستقبله.
بل في أننا ما زلنا نؤمن بأنهم قادرون على ذلك، وأن من حقهم أن يفعلوا.
فاليوم الذي نتوقف فيه عن أن نكون ساحة معركة، قد لا يكون اليوم الذي توقع فيه القوى الكبرى اتفاقاً.
قد يكون اليوم الذي نرفض فيه أخيراً أن نكون ساحةً لأحد.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).