واشنطن العاصمة 12:57 PM

وسط أزمة هرمز.. العراق يعيد حساباته بشأن عضوية أوبك

هل يستطيع العراق تحمل كلفة الانسحاب من منظمة أوبك؟

اقرأ بـ English
· 5 دقيقة قراءة
موظفون في حقل نهر بن عمر النفطي والغازي قرب البصرة، العراق. / أ ف ب

أجبرت الأزمة في مضيق هرمز العراق على إعادة تقييم مشاركته في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، وهي المنظمة التي تأسست لتنسيق سياسات الإنتاج والأسعار في سوق النفط. وكان العراق قد لوّح مؤخراً بالانسحاب من المنظمة إذا رفضت رفع حصته الإنتاجية، قبل أن يتراجع عن هذا التهديد في اليوم نفسه.

واستطاع العراق استخدام التهديد بالانسحاب كورقة ضغط لدفع أوبك إلى زيادة حصته الإنتاجية، باعتباره ثاني أكبر منتج للنفط داخل المنظمة.

وتواجه أوبك ضغوطاً متزايدة منذ انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة منها في مايو الماضي. وقد يؤدي انسحاب العراق أيضاً إلى فرض واقع جديد داخل المنظمة، في وقت تسبب فيه إغلاق مضيق هرمز باضطرابات كبيرة في أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية.

وخلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، قال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، خلال اجتماع في البيت الأبيض مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب: “العراق أحد الأعضاء المؤسسين في أوبك… ومن حقه أن يحصل على حصة عادلة.”

وكانت الإمارات قد انسحبت من المنظمة لأسباب مشابهة، أبرزها اعتبارها أن حصتها الإنتاجية المحددة داخل أوبك لا تعكس قدراتها الفعلية على الإنتاج.

لماذا الآن؟

كشف إغلاق المضيق مدى اعتماد الاقتصاد العراقي على عائدات النفط وعلى مضيق هرمز باعتباره شرياناً أساسياً للتصدير، إذ تشكل الإيرادات النفطية نحو 90% من موازنة الدولة. وقبل اندلاع الحرب، كان العراق يصدر نحو 90 مليون برميل شهرياً عبر مضيق هرمز، لكن هذا الرقم تراجع في أبريل إلى نحو 10 ملايين برميل فقط.

ورغم أن أزمة الطاقة كانت العامل الرئيسي وراء الضغوط العراقية الأخيرة، ترى الدكتورة كارول نخلة، الرئيسة التنفيذية لشركة “كريستول إنرجي”، أن بغداد كانت تحمل منذ فترة طويلة تحفظات بشأن دورها داخل أوبك.

وقالت نخلة: “أفسر ذلك في المقام الأول باعتباره تكتيكاً تفاوضياً، رغم أن طرحه علناً يظل ذا دلالة. فالعراق لطالما شعر بأن الحروب والعقوبات وعدم الاستقرار السياسي حالت دون توسيع إنتاجه وزيادة حصته السوقية، في حين تمكنت دول أخرى داخل أوبك من تحقيق ذلك. ولذلك ترى بغداد أن حصتها الحالية لا تعكس بصورة كاملة حجم مواردها ولا طموحاتها الإنتاجية.”

وأضافت أن انسحاب الإمارات شكّل سابقة جديدة بالنسبة إلى الدول الأعضاء في أوبك.

وقالت: “انسحاب الإمارات أظهر أن الخروج من المنظمة لم يعد مجرد احتمال نظري، وهو ما يمنح مثل هذه التهديدات وزناً أكبر. لكن التوضيح السريع الذي أصدره العراق يشير إلى أنه كان يختبر حدود النقاش أكثر من كونه يستعد لانسحاب وشيك.”

وأضافت: “مع ذلك، كانت الرسالة الموجهة إلى أوبك واضحة: بغداد تريد حصة إنتاجية أكبر، وهي مستعدة لإظهار هذا الخلاف إلى العلن.”

تطور دور العراق داخل أوبك

لطالما شكلت عضوية العراق في أوبك ركناً أساسياً في إدارة احتياطاته النفطية وفي سياسته الإقليمية.

وقبل أزمة هرمز، كان خبراء في المنطقة يرون أن عضوية أوبك تمثل أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي للعراق، وأداة للحفاظ على توازن علاقاته مع جيرانه الخليجيين، وفي مقدمتهم السعودية. وكان التركيز ينصب على حماية استقرار السوق والحفاظ على أسعار النفط العالمية، رغم الخلافات الداخلية المتقطعة داخل المنظمة.

لكن إغلاق المضيق غيّر هذه المعادلة بالكامل. فمع تعطل القدرة على التصدير، بات الالتزام بسقوف الإنتاج التي تفرضها أوبك يُنظر إليه في بغداد باعتباره قيداً مالياً يثقل كاهل الدولة. وتحول الاهتمام من الدفاع الجماعي عن الأسعار إلى السعي الأحادي لزيادة حجم الإنتاج بهدف الحفاظ على قدرة الدولة على الاستمرار.

التداعيات الداخلية في العراق

أثرت أزمة مضيق هرمز وتداعياتها بصورة مباشرة على الحياة اليومية للعراقيين.

فالاقتصاد العراقي، قائم بشكل شبه كامل على النفط، حيث تموّل عائدات النفط وظائف القطاع العام. ويهدد التراجع الحاد في الإيرادات بانهيار هذا النموذج.

وبات المواطنون العراقيون يشعرون بالفعل بالأعباء الاقتصادية في حياتهم اليومية.

فمنذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير، شهد سعر صرف الدينار العراقي تقلبات حادة، بل تراجع بشكل كبير أمام الدولار الأميركي.

كما تواجه شبكة الكهرباء العراقية ضغوطاً متزايدة بفعل حرارة الصيف، بينما أدى اعتماد الدولة على واردات الغاز الإيراني إلى تفاقم الأزمة، ما يزيد من خطر حدوث انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي.

واعتمد كثير من العراقيين مجدداً على شبكات الدعم العائلية والعشائرية التي اعتادوا اللجوء إليها في أوقات الأزمات، بالتزامن مع توسع الاقتصاد غير الرسمي. لكن قدرة هذه الآليات على الصمود ليست بلا حدود، إذ تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى تصاعد حالة من الغضب الشعبي تذكر بموجات الاحتجاج التي شهدها العراق في السنوات الأخيرة.

ويأتي ذلك بعدما خرج آلاف الشباب العراقيين إلى الشوارع في مايو الماضي احتجاجاً على نقص فرص العمل في القطاع الحكومي.

لماذا تختلف حالة الإمارات؟

أضفى انسحاب الإمارات ثقلاً على التهديد العراقي، لكن المقارنة بين الحالتين ليست دقيقة.

فقد استطاعت أبوظبي الانسحاب لأنها تمتلك الإمكانات التي تسمح لها بذلك.

فالإمارات تمتلك صناديق ثروة سيادية ضخمة، واقتصاداً يتجه بسرعة نحو التنويع، وبنية تحتية متطورة تتيح لها زيادة الإنتاج بسرعة وتحمل تبعات حرب على الحصص السوقية. أما العراق، فيفتقر إلى احتياطيات مالية كافية، ويعاني من هشاشة في البنية التحتية وارتفاع تكاليف استخراج النفط، خصوصاً في الحقول الجنوبية.

ولا يملك العراق بدائل حقيقية خارج أوبك، رغم أنه أصبح أكثر جرأة في استخدام أوراق الضغط داخل المنظمة. كما أن الانسحاب قد يشعل حرباً على الأسعار.

فبإمكان الرياض زيادة إنتاجها بسهولة وإغراق الأسواق، ما قد يؤدي إلى انهيار الأسعار العالمية، ليجد العراق نفسه يصدر كميات أكبر من النفط لكنه يجني إيرادات أقل بكثير، فضلاً عن احتمال تعرضه لعزلة دبلوماسية في وقت يحتاج فيه بشدة إلى دعم حلفائه الإقليميين.

ومنذ اندلاع الحرب على إيران في أواخر فبراير، تعرض إقليم كردستان شمال العراق لأكثر من 800 هجوم نفذتها إيران وميليشيات عراقية مدعومة منها.

وتضيف الدكتورة نخلة أن استمرار عضوية العراق في أوبك ما زال يوفر له مزايا وحماية من تقلبات سوق النفط، حتى في ظل أزمة الطاقة الحالية.

وقالت: “من المرجح أن يستفيد العراق من البقاء داخل أوبك أكثر من الانسحاب منها. فالعضوية تمنح بغداد نفوذاً في القرارات الجماعية، وتوفر لها قدراً من الحماية من منافسة غير منضبطة على الحصص السوقية قد تؤدي إلى انخفاض الأسعار.”

وأضافت: “وبالنسبة إلى بلد يعتمد إلى هذا الحد على الإيرادات النفطية، فإن بيع كميات أكبر من النفط بأسعار أقل بكثير لن يؤدي بالضرورة إلى تحسين وضعه المالي.”

وفي حال حدوث انسحاب عراقي، وهو احتمال لا يزال مستبعداً، فإن التداعيات ستكون كبيرة وواسعة النطاق.

وقالت نخلة: “سيشكل انسحاب العراق ضربة أكبر بكثير من انسحاب دولة منتجة أصغر. فالعراق عضو مؤسس في أوبك، وأحد أكبر منتجيها. وإذا اقترن انسحابه بانسحاب الإمارات، فسوف يعزز الانطباع بأن كبار المنتجين باتوا يعطون الأولوية لمرونة سياساتهم الإنتاجية الوطنية على حساب الالتزام الجماعي.”

وفي النهاية، يبدو أن تهديد العراق كان محاولة لتعزيز موقفه التفاوضي أكثر منه نية فعلية للانسحاب، ومن المرجح أن يبقى الأمر كذلك. لكن، إلى جانب انسحاب الإمارات، تعكس خطوة بغداد تحولاً أوسع داخل أوبك، إذ بدأ كبار المنتجين يمنحون المرونة أولوية أكبر من وحدة الصف.

وحتى إذا لم ينسحب العراق في نهاية المطاف، فإن هذا الضغط وحده قد يعيد تشكيل تماسك المنظمة في وقت تهدد أزمة هرمز استقرار أسواق الطاقة العالمية.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة