شكّلت أنفاق حماس على مدى عقود أحد أبرز عناصر المواجهة مع إسرائيل، ولا تزال تمثل واحدا من أعقد ملفات ما بعد حرب 7 أكتوبر، بعدما كشفت العمليات العسكرية الإسرائيلية عن شبكة واسعة ومتطورة تحت الأرض، أثارت تساؤلات بشأن حجم الدور الإيراني في تطويرها وإنشائها.
وأصبح مصير الأنفاق مرتبطا بملف سلاح حماس، ضمن النقاشات المرتبطة بخطة السلام الأميركية. إذ تتمسك إسرائيل بعدم الانسحاب قبل نزع سلاح حماس وتدمير الأنفاق، بينما ترفض الحركة تسليم سلاحها قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
وتمتد شبكة أنفاق حماس، التي تصنفها واشنطن جماعة إرهابية، بين مناطق شمال قطاع غزة ووسطه وجنوبه، وتضم ممرات وغرفا ومخازن ومراكز قيادة وأنظمة كهرباء وتهوية وأبوابا داخلية.
وفي ديسمبر 2023، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه حدد أكثر من 800 فتحة نفق منذ بداية الحرب، ودمر أكثر من 500 منها، كما تحدث عن مسارات قال إن بعضها يمتد لنحو عشرة كيلومترات ويربط بين مناطق مختلفة من القطاع.
ولمواجهة شبكة الأنفاق، استخدم الجيش الإسرائيلي وسائل متعددة، شملت السيطرة على المداخل والمخارج، وفحص المسارات، واستخدام المتفجرات، والروبوتات وضخ المياه.
ويميّز الخبير العسكري الفلسطيني اللواء سمير عباهرة، في حديثه لـ “الحرة”، بين تدمير النفق ومنع القدرة على استخدامه.
ويرى عباهرة أن طبيعة الشبكة المتشعبة، واختلاف أعماقها، وتعدد مساراتها، واستخدام الخرسانة المسلحة في أجزاء منها، يجعل تدميرها بالكامل عملية معقدة ومكلفة، إلا أن السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع، خصوصا في رفح وعلى امتداد محور صلاح الدين “فيلادلفيا”، قلصت قدرة حماس على استخدام الأنفاق العابرة للحدود.
ويضع مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية والخبير في الأمن الإقليمي اللواء وائل ربيع، خلال حديثه لـ”الحرة”، الأنفاق ضمن استراتيجية عسكرية هدفت إلى منح حماس قدرة على المناورة تحت الأرض في مواجهة التفوق الجوي والتقني الإسرائيلي، وتأمين مواقع القيادة والسيطرة وحركة المقاتلين بعيدا عن المراقبة الجوية المستمرة.
ويقسم ربيع الأنفاق العسكرية لدى حماس إلى أربعة أنواع رئيسية: أنفاق هجومية، وأنفاق دفاعية داخل القطاع، وأنفاق للإمداد والاتصالات ونقل المقاتلين والذخائر والمؤن، إضافة إلى أنفاق القيادة والسيطرة التي توجد فيها قيادات ومراكز إدارة العمليات.
وعكست ضخامة شبكة أنفاق حماس وتعقيدها، إلى جانب الخبرة المحلية المتراكمة، حجم الدعم الإيراني في مجالات التمويل والتدريب ونقل الخبرات العسكرية والتقنية.
ويقول عباهرة إن الخبرة التقنية الأساسية في حفر الأنفاق تراكمت محليا لدى الفلسطينيين عبر عقود بدأت بالأنفاق التجارية على الحدود مع مصر، بينما تمثل الدور الإيراني في تقديم الدعم المادي والتدريب والتسليح ونقل الخبرات العسكرية إلى حماس.
ويرى اللواء وائل ربيع أن حزب الله، الذي تصنفه واشنطن جماعية إرهابية، نقل بعض تجاربه في جنوب لبنان إلى قطاع غزة، ولا سيما ما يتعلق بأساليب تثبيت الجدران والسقوف والتهوية وإدارة شبكات الاتصالات المغلقة تحت الأرض، قبل أن تطور حماس نماذجها الخاصة في الحفر والتدعيم الخرساني بما يتلاءم مع الطبيعة الجغرافية للقطاع.
وفي أغسطس 2017، قالت حماس إن إيران هي “أكبر داعم” للحركة عسكريا، بالمال والسلاح، بعد استعادة العلاقات بين الطرفين إثر سنوات من التوتر المرتبط بالحرب السورية. وبعد حرب غزة عام 2021، قدمت الحركة شكرا علنيا لإيران على ما قدمته من أموال وسلاح ودعم تقني.
وتقول وزارة الخارجية الأميركية إن إيران قدمت، على مدى سنوات، تمويلا وأسلحة وتدريبا لحماس، بصورة رئيسية عبر فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني الذي تصنفه واشنطن منظمة إرهابية.
وقدرت الوزارة، في تقريرها عن الإرهاب لعام 2023، حجم الدعم الإيراني السنوي لمجموعات فلسطينية مسلحة، بينها حماس والجهاد الإسلامي، بما يصل إلى مئة مليون دولار مجتمعة.
وبعد هجوم السابع من أكتوبر، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مسؤولين وشبكات قالت إنها شاركت في نقل أموال من فيلق القدس إلى حماس والجهاد الإسلامي الذين تصنفهما واشنطن جماعتين إرهابيتين.
وفي فبراير 2024، أعلن الجيش الإسرائيلي العثور داخل أنفاق في خان يونس على وثائق وأموال قال إنها تظهر تحويلات إيرانية إلى حماس، ثم نشر لاحقا وثائق أخرى قال إنه عثر عليها داخل شبكة أنفاق مرتبطة بقيادات الحركة، واعتبرها دليلا على العلاقة المالية بينها وبين الحرس الثوري.
وقبل حرب 2023 بعامين، كانت حماس قد قدمت بنفسها مؤشرا على حجم الشبكة التي بنتها، عندما قالت إنها تمتلك أنفاقا يتجاوز طولها 500 كيلومتر تحت قطاع غزة.
ولم تبدأ معركة الأنفاق في أكتوبر 2023، فخلال حرب عام 2014، أعلنت إسرائيل اكتشاف وتدمير عشرات الأنفاق التي قالت إنها تمتد من غزة إلى أراضيها.
ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أغسطس من ذلك العام، الشبكة بأنها بنية أقامتها حماس على مدى سنوات لتنفيذ هجمات ضد التجمعات الإسرائيلية.
كما قال ممثل إسرائيل في مجلس الأمن، في يوليو 2014، إن حماس بنت ما وصفه بـ”مدينة ثانية تحت الأرض”، مشيرا إلى اكتشاف 23 نفقا وأكثر من 66 نقطة دخول، بينما اعتبرت حماس الأنفاق جزءا من منظومتها العسكرية.
وأدت الحرب إلى تغيير الطريقة الإسرائيلية في التعامل مع الأنفاق، إذ بدأت إسرائيل تطوير تقنيات لاكتشاف عمليات الحفر تحت الأرض، بالتوازي مع إقامة حاجز يمتد فوق الأرض وتحتها على طول الحدود مع غزة.
وفي يونيو 2006، شكل خطف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عبر نفق قرب كرم أبو سالم إحدى أبرز العمليات التي أظهرت الإمكانات العسكرية للأنفاق العابرة للحدود.
لكن جذور الظاهرة تعود إلى مرحلة أقدم بكثير من استخدامها العسكري.
ويقول رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية سمير راغب لـ”الحرة” إن البداية الفعلية للأنفاق في رفح تعود إلى مطلع الثمانينيات، بعد توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 وترسيم الحدود عام 1982، الذي قسم مدينة رفح إلى شطرين، مصري وفلسطيني، وفصل عائلات كانت تعيش على جانبي الحدود.
وبحسب راغب، لم يكن الغرض الأول عسكريا، وإنما اجتماعيا وتجاريا، إذ استخدمت الأنفاق لربط العائلات وتسهيل حركة التجارة بين شطري رفح، فيما سجل أول اكتشاف إسرائيلي رسمي لنفق في المنطقة عام 1983.
وخلال التسعينيات، اتسع استخدام الأنفاق مع تشديد القيود على حركة الأشخاص والبضائع، وبدأت تستخدم بصورة أكبر في تهريب السلع والأسلحة، قبل أن يزداد نشاطها مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000.
لم تظهر شبكة الأنفاق التي واجهتها إسرائيل في حرب 2023 دفعة واحدة، وإنما جاءت نتيجة مسار امتد لأكثر من أربعة عقود، من ممرات بدائية بين شطري رفح، إلى أنفاق للتهريب والتجارة، ثم إلى شبكة عسكرية تضم ممرات للقتال والإمداد والقيادة والسيطرة.