عند أطراف بلدة ترمسعيا، حيث تنتهي الكتلة العمرانية وتصبح المنازل أكثر انكشافًا، يقع منزل الفلسطيني الأميركي سمير حزمة. موقع البيت، البعيد نسبيًا عن مركز البلدة، جعله في السابق عرضة لاعتداءات نفذتها مجموعات من المستوطنين، وروى حزمة تفاصيلها لـ”الحرة” في تقرير سابق.
لكن المنزل الذي عاش أصحابه تحت وطأة التهديد تحوّل، السبت، إلى محطة دبلوماسية أميركية، بعدما وصل إليه السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، برفقة مسؤولين وموظفين من السفارة، للاستماع إلى فلسطينيين يحملون الجنسية الأميركية ويقيمون في ترمسعيا.
في المنزل الذي اكتظ بالسكان والصحفيين، وصف هاكابي بيت مضيفه بأنه “رائع”، قبل أن يقول إن حزمة سمح بتحويله، ولو لساعات، إلى “المكتب الرسمي للولايات المتحدة”، بعدما اختارت السفارة أن تأتي بخدماتها إلى المواطنين الأميركيين، بدلًا من مطالبتهم بالحضور إليها.
غير أن المزاح الذي استهل به السفير كلمته سرعان ما أفسح المجال أمام حديث أكثر حدة عن الخوف الذي تعيشه عائلات البلدة والاعتداءات المتكررة على المنازل والممتلكات.
وقال هاكابي إن الهدف من زيارته لم يكن إلقاء خطاب على السكان، بل الاستماع إليهم، مؤكدًا أن جميع من التقاهم خلال الزيارة يحملون الجنسية الأميركية.
وأضاف: “رسالتي إليهم كانت أنني أعمل من أجلهم. مهمة السفارة تمثيل الشعب الأميركي والسياسة الأميركية، وإذا كانت لديهم شكاوى فنحن نريد أن نسمعها، واليوم استمعنا إليها”.
وتحمل الزيارة أهمية خاصة بالنسبة إلى ترمسعيا، التي قال رئيس بلديتها نواف زغلول إن نحو 80 في المئة من سكانها البالغ عددهم قرابة 3 آلاف نسمة يحملون الجنسية الأميركية.
كما التقى هاكابي أيضًا أقارب فلسطينيين أميركيين قُتلوا في اعتداءات بالضفة الغربية. وكان من بين المشاركين هديل جبارة، وهي أم لطفلين قُتل زوجها عمر، الذي كان يحمل الجنسية الأميركية، على أيدي مستوطنين عام 2023.
ووصفت جبارة اللقاء بالإيجابي، معربة عن أملها في أن تتمكن الحكومة الأميركية من حماية سكان البلدة، وعن خشيتها في الوقت نفسه على سلامة طفليها.
واستمع السفير خلال اللقاء إلى شهادات عن اقتحام ممتلكات وإحراق سيارات والاعتداء على دور عبادة وتخريب منازل واقتلاع أشجار زيتون، فضلًا عن الخوف الذي يرافق العائلات والأطفال في حياتهم اليومية.
واستخدم هاكابي وصفًا واضحًا لهذه الممارسات، معتبرًا أن الاعتداءات لا تقتصر على كونها جرائم، بل ترقى إلى مستوى “الإرهاب”.
وقال للصحفيين عقب اللقاء: “عندما تحاول خلق أجواء يشعر فيها الناس بعدم الارتياح داخل منازلهم، ويخاف أطفالهم من اللعب في حدائقهم، ولا يشعرون بالأمن بسبب سلوك الآخرين وترهيبهم، فهذا إرهاب بأي تعريف، سواء كان تعريف القانون أو القاموس”.
وأكد أن الفلسطينيين الأميركيين في ترمسعيا “لهم الحق في العيش بأمان داخل المنازل التي بنوها ودفعوا ثمنها”، مشددًا على أن البيت يجب أن يكون ملاذًا تشعر فيه العائلة بالأمن عندما تغلق أبوابه ليلًا.
واوضح انه أبلغ الحكومة الإسرائيلية والمسؤولين في واشنطن بضرورة تطبيق القانون بصورة متساوية على جميع الجرائم، من دون تمييز، بصرف النظر عن هوية مرتكبها.
وأضاف: “هناك أعمال إرهابية لا يمكن أن تستمر من دون أن تحقق الدولة فيها وتعمل ضدها”، موضحًا أن السفارة تستطيع إبلاغ الحكومة المضيفة بوجود قضايا “لا يجوز تجاهلها”.
ورأى هاكابي أن المسؤولين عن هذه الاعتداءات يشكلون أقلية صغيرة، قائلًا: “قد يكون المسؤولون بضع مئات، لكنهم بضع مئات أكثر مما ينبغي”.
وأضاف أن غالبية الإسرائيليين في الضفة الغربية “يشعرون بالاشمئزاز” من سلوك من وصفهم بـ”عصابة من الإرهابيين”، مشيرًا إلى صدور إدانات لهذه الاعتداءات عن مسؤولين إسرائيليين، بينهم رئيس الوزراء والرئيس ووزير الخارجية، وكذلك رئيس مجلس “يشع” الاستيطاني يسرائيل غانتس.
لكنه شدد على أن ترك مجموعة صغيرة تنفذ هذه الأعمال الإجرامية يلحق الضرر بالفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، ويسيء إلى صورة المجتمع الذي قد يُنظر إلى المعتدين على أنهم يمثلونه.
وفي المقابل، اعترض المتحدث باسم بلدية ترمسعيا، المحامي ياسر علقم، على تقدير هاكابي لحجم الظاهرة، وقال إن عدد المستوطنين المشاركين في الاعتداءات يبلغ “الآلاف وليس المئات”.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد في نهاية لقاء هاكابي مع سكان البلدة، سُئل السفير عما إذا كانت السلطات الإسرائيلية تفعل كل ما في وسعها لمواجهة ما يصفه هو نفسه بـ”إرهاب المستوطنين”.
أجاب هاكابي: “لا أعرف”، موضحًا أنه لا يملك تفاصيل كل ما تفعله السلطات أو لا تفعله، لكنه أقر بوجود حالات لا تزال بحاجة إلى معالجة.
وأضاف أنه يأمل أن تتعامل السلطات الإسرائيلية بجدية مع المخاوف الأميركية، معتبرًا أن محاسبة منفذي الاعتداءات تصب أيضًا في مصلحة إسرائيل، لأن صورتها تتضرر عندما يبدو أن “مجموعة صغيرة من المغيرين” تمثل عددًا أكبر من السكان.
وعندما سُئل عن سبب عدم استخدام الولايات المتحدة دعمها العسكري والسياسي والمالي الواسع لإسرائيل من أجل وقف الاعتداءات، رد هاكابي: “كيف تعرف أنني لا أفعل”؟
وأشار إلى أنه اتخذ موقفًا علنيًا وحازمًا من هذه الممارسات، وقال إن الولايات المتحدة تطلب من السلطات الإسرائيلية التحرك، وإن السفارة ستواصل نقل هذه الرسالة.
وتابع: “لا أملك الحق في أن أطالب بشيء، لكنني بالتأكيد أطلب أن يكون هناك إدراك متزايد لأهمية الأمر بالنسبة إلى إسرائيل، وإلى السكان الذين يعيشون تحت السلطة الفلسطينية، وإلى العالم الذي يريد أن يرى محاسبة”.
وسُئل هاكابي عن استشهاده سابقًا بإحدى الوصايا العشر: “لا تسرق”، في إدانته الاستيلاء على ممتلكات فلسطينية، وما إذا كانت الوصية تشمل الأرض أيضًا، لا المنازل والمواشي فقط.
أجاب: “إنها تنطبق على أي شيء لا يملكه الشخص الذي يأخذه”.
وأضاف أن ذلك يشمل المنزل وقطعة الأرض وشجرة الزيتون وقطيع الأغنام، معتبرًا أن النظر إلى ممتلكات الآخرين والرغبة في الاستيلاء عليها يدخل أيضًا في باب الطمع الذي تنهى عنه الوصايا الدينية.
ونفى أن يكون موقفه هذا تحولًا في نظرته إلى الاستيطان، لكنه أكد أن “الجريمة جريمة، والإرهاب إرهاب”، وأن مرتكبي هذه الأفعال يجب أن يواجهوا العواقب التي ينص عليها القانون.
كما قال إنه يدعم حق الناس في العيش في المناطق التي يملكونها ويحق لهم الوجود فيها وفق اتفاقيات أوسلو، مضيفًا: “ما لا أؤيده هو أن يأتي أشخاص ويحاولوا أخذ ممتلكات يملك آخرون حقًا قانونيًا فيها ووثائق تثبت ذلك”.
وتكتسب هذه التصريحات دلالة إضافية بالنظر إلى أن هاكابي قس معمداني ومن أبرز المؤيدين للمستوطنات الإسرائيلية، كما أنه أول مسيحي إنجيلي يتولى منصب السفير الأميركي لدى إسرائيل.
ويستخدم هاكابي تسمية “يهودا والسامرة” التوراتية عند الإشارة إلى الضفة الغربية، وهي تسمية تعتمدها الحكومة الإسرائيلية، لكن الحكومة الأميركية لم تتبنها رسميًا.
كما زار مستوطنة “شيلو” القريبة من ترمسعيا مرتين منذ عام 2025. ويعتبر معظم المجتمع الدولي المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي، فيما ترفض إسرائيل هذا التوصيف.
وجاءت زيارة هاكابي بعد أكثر من عام ونصف على إلغاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عقب عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، عقوبات كانت إدارة جو بايدن فرضتها على أفراد وجماعات من المستوطنين المتطرفين المتهمين بممارسة العنف ضد الفلسطينيين.
وأقر هاكابي بالحدود التي تقيد عمل السفارة الأميركية، وقال إنها لا تملك صلاحية التحقيق في الجرائم أو اعتقال المشتبه بهم أو محاكمتهم.
لكنه أكد أن واشنطن تملك أدوات أخرى، بينها ممارسة التأثير والضغط من أجل معالجة الانتهاكات، ونقل التفاصيل إلى الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية.
وشدد على أن الفلسطينيين الذين يحملون جوازات سفر أميركية يقعون ضمن مسؤولية بلاده، قائلًا: “أنتم أميركيون وتحملون جوازًا أميركيًا، وأنتم مسؤوليتنا. لهذا السبب نحن هنا”.
لكنه تجنب تقديم وعود لا تستطيع السفارة تنفيذها، مؤكدًا أن الاستماع إلى شهادات السكان وجمع تفاصيل الاعتداءات يشكلان الخطوة الأولى لممارسة الضغط والتحرك.
وقال علقم لـ”الحرة” إن الهدف من الزيارة كان الاستماع إلى الفلسطينيين الأميركيين المقيمين في ترمسعيا، معتبرًا أنها “خطوة أولى في الاتجاه الصحيح”.
وأضاف: “هناك تفاعل، ونحن متفائلون بأن تكون هناك في الأيام المقبلة متابعة من السفارة الأميركية لأوضاع ترمسعيا والمواطنين الأميركيين الموجودين فيها”.
غير أن علقم وضع هذا التفاؤل أمام اختبار أكثر بساطة وقسوة من التصريحات الدبلوماسية: قدرة سكان المنزل الذي استضاف السفير على قضاء ليلتهم من دون اعتداء جديد. وقال وهو يقف في البيت المكشوف عند أطراف البلدة: “يمكننا أن نتفاءل، لكن إذا لم يهاجموا هذا البيت الليلة نكون بخير، أما إذا هاجموه فلا يبقى ما نتفاءل به”.