واشنطن العاصمة 09:22 PM

خاص بـ"الحرة": رسالة لم يحملها الزيدي من ترامب إلى خامنئي

واشنطن رحبت بأي تحرك عراقي لخفض التصعيد، لكن طهران تنظر بحذر إلى رئيس حكومة يواجه استحقاق نزع سلاح حلفائها في العراق.

· 4 دقيقة قراءة
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يشارك في اجتماع ثنائي مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن، 14 يوليو 2026. رويترز/إيفان فوتشي

عاد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي من واشنطن من دون الرسالة التي كان يريد حملها إلى طهران.

لكنه عاد بما يكفي للمضي في المحاولة.

قال مصدران عراقيان لـ”الحرة”، أحدهما مقرّب من الزيدي والآخر من داخل “الإطار التنسيقي” الشيعي الحاكم، إن رئيس الحكومة طلب خلال زيارته للعاصمة الأميركية الأسبوع الماضي رسالة من الرئيس دونالد ترامب ينقلها إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الذي تولى زمام القيادة في طهران بعد اغتيال والده، علي خامنئي، أواخر فبراير.

لم يلبّ ترامب الطلب. وبدلا من الرسالة، تلقى الزيدي ما وصفه المصدر المقرّب منه بأنه “دعم أميركي” غير مباشر. فقد أبلغته واشنطن بأنها “ترحب بأي خطوة يقوم بها لتهدئة الأوضاع” في المنطقة.

ومن المقرر أن يختبر الزيدي حدود هذا الترحيب عندما يزور طهران نهاية الأسبوع الحالي، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية العراقية. وستضعه الزيارة أمام مهمة دقيقة، تتمثل في محاولة إقناع إيران بأن العراق قادر على المساعدة في خفض التصعيد، من دون أن يبدو موفدا أميركيا.

وسيحاول أيضا التفاهم مع طهران بشأن الفصائل المسلحة في وقت يواجه فيه ضغوطا من واشنطن لحصر السلاح بيد الدولة.

وتأتي هذه التحركات وسط وضع إقليمي هش منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أواخر فبراير، التي أودت بحياة المرشد السابق علي خامنئي. وأعقب الحرب وقف مؤقت للعمليات، ثم توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران في يونيو. لكن إعلان إيران لاحقا تعليق التزاماتها بموجب المذكرة أظهر أن مسار التهدئة لا يزال معرضا للانهيار.

وفي هذا المناخ المتقلب، تكتسب أي محاولة عراقية للوساطة، أو حتى لنقل الرسائل بين الطرفين، حساسية إضافية. كما يصعب فصلها عن حسابات واشنطن وطهران بشأن مستقبل الاتفاق، وعن التنافس بين عدد من الدول التي لعبت أدوارا مماثلة خلال السنوات الماضية.

ويقود الزيدي، الذي تولى رئاسة الحكومة في مايو بدعم أميركي معلن بعد مسيرة في عالم المال والأعمال، مسارا دقيقا بين تلبية الشروط الأميركية المتعلقة بفك الارتباط مع الفصائل الموالية لإيران، وتفادي الاصطدام المباشر مع طهران، التي تعد هذه الفصائل جزءا من شبكة نفوذها الإقليمي.

وقد ظهر هذا التوازن بوضوح في الأيام التي سبقت زيارته لواشنطن. إذ شارك الزيدي في مراسم تشييع خامنئي في العراق، ثم انتقل إلى البيت الأبيض للقاء ترامب، في مشهد اختزل المسافة الضيقة التي تحاول حكومته التحرك ضمنها.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها “الحرة” من مصدر مقرب من الزيدي، وقد يكون ضمن الوفد المتوجه إلى طهران، إلى عدم وجود جدول أعمال متفق عليه مسبقا بين الجانبين. ويجعل ذلك الزيارة أقرب إلى محاولة لاستكشاف المواقف منها إلى لقاء مخصص لإنجاز اتفاقات جاهزة.

وبحسب المصدر، سيركز الزيدي في طهران على ملف الفصائل المسلحة، وسيعرض فكرة أن يضطلع العراق بدور في تهدئة الأوضاع الإقليمية، وسط تقارير عن مبادرة عراقية لفتح قنوات حوار بين طهران وواشنطن.

لكن مصادر “الحرة” القريبة من العاصمتين تستبعد أن تمنح إيران الزيدي دورا فعليا بينها وبين واشنطن. وقالت المصادر، التي التقت مسؤولين إيرانيين في طهران خلال الأيام الماضية، إن زيارته الأخيرة للولايات المتحدة ولقاءه ترامب أزعجا الإيرانيين “بشكل كبير”.

وظهر بعض هذا الانزعاج علنا عندما هاجم أحد مستشاري خامنئي رئيس الوزراء العراقي ووصفه بأنه “شاب قليل الخبرة”.

وتتوقع جميع المصادر التي تحدثت إليها “الحرة” في إطار إعداد هذا التقرير أن يعرض الزيدي في طهران موقف حكومته من الفصائل المسلحة الموالية لإيران، في محاولة لتجنب صدام معها، بعدما تعهد بحصر السلاح بيد الدولة بحلول 30 سبتمبر.

لكن تنفيذ هذا التعهد يبقى موضع شك. وقال الخبير الأمني فاضل أبو رغيف، خلال استضافته في برنامج “ساعة بغداد” الذي تنتجه “الحرة”: “لا أعتقد أن هذه الفصائل ستسلم سلاحها. ندعو الله أن يجنبنا الصدام بينها والقوات الأمنية”.

وبذلك، لا تتعلق زيارة الزيدي فقط بقدرته على نقل الرسائل بين واشنطن وطهران. فالاختبار الأكثر إلحاحا قد يكون ما إذا كان يستطيع إقناع إيران بعدم عرقلة خطته لإخضاع حلفائها المسلحين للدولة، من دون أن يدفع العراق إلى مواجهة داخلية جديدة.

وما يرجح هذا الاحتمال موقف أبرز فصيلين مسلحين، كتائب حزب الله وحركة النجباء، اللذين تمسكا علنا بسلاحهما ورفضا تسليمه قبل إنهاء الوجود الأجنبي في العراق، انطلاقا من موقف عقائدي يربط هذا السلاح بما يسميانه “معادلة المقاومة” في مواجهة القوات الأميركية. في المقابل، وقّعت فصائل أخرى تعهدات بتسليم سلاحها، ما يكشف انقساما داخل الفصائل الموالية لإيران حيال مهلة نهاية سبتمبر.

هذا التباين بين الفصائل يفتح الباب أمام قراءتين مختلفتين لما يسعى إليه الزيدي في طهران، من دون أن تتوفر حتى الآن معطيات حاسمة ترجّح إحداهما: فمن جهة، يمكن قراءة الزيارة كمحاولة لانتزاع غطاء إيراني يسمح لحكومته بفرض سيطرة الدولة على الفصائل الرافضة قبل نهاية سبتمبر، بما يعزز موقعه أمام واشنطن التي تضغط لإنهاء ملف السلاح خارج إطار الدولة.

ومن جهة أخرى، قد يكون الزيدي بصدد البحث عن توافق أو تفاهم مع طهران حول الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الفصائل في المرحلة المقبلة، بدل فرض حل من جانب واحد قد يجر حكومته إلى مواجهة داخلية لا تحتمل تبعاتها السياسية والأمنية.

أيا تكن الإجابة، فإن حصيلة الزيارة ستشكل مؤشراً مهماً على قدرة رئيس الوزراء العراقي على إدارة معادلة متزايدة التعقيد بين حليف أميركي يطالب بنتائج ملموسة قبل نهاية سبتمبر، وحليف إيراني ما يزال يتعامل بحذر مع حكومة يرى فيها أثراً لضغوط واشنطن، وفصائل مسلحة منقسمة حول جدوى التخلي عن سلاحها في هذه المرحلة بالذات.

وستظهر نتائج الزيارة ما إذا كان الزيدي قد حصل من طهران على ما لم يحصل عليه في واشنطن: مساحة تسمح له بالمضي في خطة حصر السلاح بيد الدولة، من دون الدخول في مواجهة مع الفصائل الموالية لإيران.

أيا تكن الإجابة، فإن حصيلة الزيارة ستشكل مؤشرا مهما على قدرة رئيس الوزراء العراقي على إدارة معادلة بالغة التعقيد بين حليف أميركي يطالب بنتائج ملموسة قبل نهاية سبتمبر، وحليف إيراني ما يزال يتعامل بحذر مع حكومة يرى أنها أقرب إلى واشنطن.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة