الرابع عشر من يونيو 1985.
كان صوت المحركات في طائرة TWA يهدر بانتظام بعد عشرين دقيقة من إقلاعها من مطار أثينا. رحلة عادية تتجه إلى العاصمة الإيطالية روما. فجأة، يخرج رجلان مسلحان من بين الركاب، أحدهما يحمل قنبلة يدوية والآخر مسدسا.
يصرخ أحدهما بالإنكليزية بطريقة هستيرية: “اخفضوا رؤوسكم! لا أحد ينظر! ضعوا أيديكم خلف رقابكم فورا!” امتثل الجميع للمسلحين، وتعرض الركاب للضرب والاهانات. كان الخاطفان، محمد علي حمادي وحسن عز الدين، لبنانيين ينتميان إلى تنظيمات شيعية مسلحة ترتبط بـ”حزب الله” الذي أعلن عن نفسه قبل شهور قليلة من الحادثة.
كانت عملية خطف منظمة هدفها الضغط على الولايات المتحدة ودفع إسرائيل إلى إطلاق سراح محتجزين لبنانيين لديها. أجبر الخاطفان قبطان الطائرة على تحويلها نحو مطار بيروت. ثم كانت جولة طويلة من المفاوضات لإطلاق المخطوفين دامت 17 يوما، تنقّلت فيها الطائرة بين الجزائر وبيروت.
كانت الطائرة تقلّ 153 راكبا، معظمهم من الأميركيين. قتل الخاطفان الأميركي روبيرت ستيثم بدم بارد بطلقة برأسه، وألقيا بجثته من الطائرة على مدرج المطار لدفع السلطات للامتثال لمطالبهما.
نجحت المفاوضات في مرحلتها الأولى في إطلاق سراح الركاب اليونانيين الذين كانوا على متن الطائرة. بينهم كان المغني اليوناني الشهير ديميس روسوس، وقد أظهر خلال إطلاق سراحه في مؤتمر صحافي زعيم حركة “أمل” نبيه بري، الذي أصبح فيما بعد رئيسا لمجلس النواب حتى يومنا هذا.
بعد أيام من الأخذ والرد مع الخاطفين، توصل المفاوضون إلى اتفاق يضمن إطلاق سراح الركاب الاميركيين جميعا، بعد أن عاشوا سبعة عشر يوما من الرعب والتهديد المستمر بالقتل، مع عمليات تعذيب نفسي.
كانت تلك الأحداث الدامية والنقص الحاد في الإجراءات الأمنية في مطار بيروت في ذلك الوقت السبب المباشر الذي دفع إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان عام 1985 إلى إقرار حظر كامل وفوري على جميع الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، وهو الحظر الذي استمر لأكثر من 40 عاما حتى التوجيهات التي صدرت من الرئيس دونالد ترامب بعد لقائه بالرئيس اللبناني جوزيف عون الثلاثاء.
من هنا، يحمل قرار الرئيس الأميركي بعودة تسيير الرحلات إلى لبنان معنى سياسيا عميقا بالنظر إلى الثقل التاريخي والدموي الذي أدى إلى حظر الرحلات الجوية الأميركية إلى لبنان. فالرئيس اللبناني حضر إلى البيت الأبيض كأول رئيس يحمل برنامجا عمليا لسحب سلاح “حزب الله” بعد جولات طويلة من القتال مع الإسرائيليين، في وقت يستعيد في الحزب اللبناني المصنف إرهابيا خطاب الثمانينات والعودة إلى تكتيكات تلك الفترة التي شهدت عمليات “استشهادية”، كما شهدت موجة خطف لمواطنين أجانب لم تتراجع إلا مع وضع الحرب الأهلية اللبنانية أوزارها في العام 1990.
كانت عملية خطف طائرة الـTWA ترجمة للصراع في الشرق الأوسط، ودينامياته الأيديولوجية والعسكرية. عبر عمليات مماثلة، كان “حزب الله” يعلن برنامجه المتصل بالمشروع الإيراني، وينفذ بالفعل، لا بالقول فقط، شعار “الموت لأميركا” الذي كان يُسمع في طهران وفي ضاحية بيروت الجنوبية.
اليوم بعد أكثر من أربعين عاما على تلك العملية الدموية، يلغي الرئيس الأميركي الحظر، ويوعز إلى وزير النقل الأميركي باستئناف الرحلات. كثيرون لا يعرفون ربما خلفيات هذا القرار. البعض اعتبر ان إيقاف الرحلات المباشرة كان لأسباب لوجستية وتشغيلية تتعلق بالكلفة وعدد الركاب. لكن الأمور أعمق من ذلك بكثير. القرار يمثل انعكاسا لتبدّل الظروف والموازين، مع تراجع سطوة “حزب الله” على الدولة اللبنانية بعد ضربات قاسية من إسرائيل، وبعد تصنيف سلاحه من جانب الحكومة اللبنانية كخارج عن القانون.
بحسب أرشيف مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي، صدرت لائحة اتهام في 14 نوفمبر 1985، بحق الخاطفين الثلاثة (حمادي وعز الدين كانا على متن الطائرة وخاطف ثالث يدعى علي عطوة اعتقل في مطار أثينا قبل دخوله إلى الطائرة). كما جرى إصدار إشعار إنتربول أحمر بحق حمادي، وتم عرض مكافأة مالية مقابل الحصول على معلومات تؤدي إلى اعتقاله أو إدانته.
واتهمت محكمة فدرالية أميركية القيادي في “حزب الله” عماد مغنية بالوقوف وراء التخطيط لعملية الخطف.
في 13 يناير 1987، أُلقي القبض على حمادي في مطار فرانكفورت في إلمانيا وبحوزته متفجرات. وطلبت ولايات المتحدة تسليمه، لكن جمهورية ألمانيا الاتحادية اختارت محاكمته بنفسها. وفي 17 مايو 1989، أُدين حمادي بتهم القتل، واحتجاز الرهائن، والاعتداء، وجريمة القرصنة الجوية، وصدر بحقه حكم بالسجن مدى الحياة.
وفي 15 ديسمبر 2005، أُفرجت السلطات الألمانية عن حمادي، وعاد إلى بيروت في اليوم التالي. وبحسب الـFBI، لا يزال حمادي، إلى جانب الخاطفين الآخرين حسن عز الدين وعلي عطوة، فارين من العدالة ومدرجين على قائمة مكتب التحقيقات الفيدرالي لأبرز الإرهابيين المطلوبين.