مضى عامان على مغادرة ضياء بريكي مخيم نور شمس في محافظة طولكرم شمالي الضفة الغربية، عندما اضطر، نتيجة الحملة العسكرية الإسرائيلية، إلى ترك منزله مع عائلته والاستقرار في بلدة بلعا القريبة.
كان يفترض أن تكون إقامته مؤقتة لكنها طالت، ومع تراكم كلفة الإيجار وتراجع فرص العمل أصبحت العودة إلى المخيم أولوية بالنسبة له.
وتضم الضفة الغربية 19 مخيما رسميا، وأدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى نزوح معظم سكان مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس خلال يناير وفبراير 2025، ضمن عملية “السور الحديدي”.
وكثفت إسرائيل، بعد هجوم 7 أكتوبر، عملياتها العسكرية في المخيمات الفلسطينية بالضفة الغربية، وقالت إن هذه المخيمات تحولت إلى بؤر لنشاط الجماعات المسلحة.
وفي حديث لـ”الحرة”، يقول بريكي إن الحرب غيّرت أولويات سكان نور شمس، وإن كثيرين لم يعودوا يرون في الشعارات والمواقف السياسية إجابة عن الخسائر التي تحملوها. ويضيف أن ذلك لا يعني انتقالا جماعيا إلى قوة سياسية أخرى، بقدر ما يعكس تراجعا في الثقة بالفصائل والجهات السياسية.
ويضيف بريكي أن غالبية سكان المخيم، من وجهة نظره، يعارضون ما أقدمت عليه حماس في 7 أكتوبر 2023، والذي أعقبه حرب إسرائيلية واسعة في قطاع غزة.
ويقدّر، استنادا إلى ما يلمسه في محيطه، أن تأييد حماس تراجع بأكثر من 70 بالمئة. لكنه يؤكد أن الأولوية بالنسبة للسكان أصبحت العودة إلى منازلهم واستعادة مصادر دخلهم وحياتهم الطبيعية.
في مخيم بلاطة شرقي نابلس، الذي تأسس عام 1950 ويقطنه أكثر من 33 ألف نسمة ويعد أكبر مخيمات الضفة من حيث عدد السكان، يقول بهاء بدرساوي إن الحرب أدت إلى مزيد من البطالة وتراجع فرص العمل والتعليم والخدمات.
ويضيف بدرساوي لـ”الحرة” أن سكان المخيم لم يشعروا بدعم كاف من الجهات السياسية أو الحكومية، وأن حضور الفصائل لم يتحول إلى مساعدة ملموسة في حياتهم اليومية، معتبرا أن المستقلين قد يحظون بقبول أكبر إذا جرت انتخابات.
في جباليا.. تراجع الاصطفاف السياسي
يضم قطاع غزة 8 مخيمات رسمية للاجئين، ويبلغ عدد المسجلين في القطاع نحو 1.56 مليون شخص، أي نحو 73 بالمئة من سكانه وفق بيانات أونروا لعام 2024.
ويعد مخيم جباليا شمال القطاع، أكبر المخيمات من حيث عدد السكان بنحو 120 ألفا وفق بيانات أونروا 2023، وكانت تداعيات الحرب فيه أكثر قسوة.
ويقول أحمد نصار لـ”الحرة” إن السكان انتقلوا من حياة تتوافر فيها خدمات التعليم والصحة إلى النزوح والخيام والبحث عن الماء والغذاء.
ويضيف أن الحرب جعلته أقل اهتماما بالاصطفافات السياسية وأكثر انشغالا بتأمين الاحتياجات الأساسية، مبينا أنه سيصوت لأي جهة باستثناء حماس إذا جرت الانتخابات.
ورغم أن هذه الشهادات فردية ولا تكفي لإثبات تحول واسع، فإنها تقدم مؤشرا على تغير في علاقة بعض السكان بالفصائل، مع تنامي أهمية القضايا المرتبطة بالحرب والنزوح والاحتياجات اليومية.
أرقام ترصد تراجع حماس.. لكن لا تحدد البديل
وتقدم نتائج استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بين 5 و8 أغسطس 2026 مؤشرا أوسع على المزاج السياسي الفلسطيني، وإن كانت لا تقيس مواقف سكان المخيمات وحدهم.
وأظهر الاستطلاع تراجع التأييد العام لحماس إلى 24 بالمئة، مقارنة مع 35 بالمئة قبل ذلك بفترة قصيرة.
وقال 20 بالمئة إن حماس خرجت منتصرة من الحرب، مقابل 15 بالمئة رأوا أن إسرائيل انتصرت، بينما قال 60 بالمئة إن أيا من الطرفين لم ينتصر.
وفي الضفة الغربية، انخفضت نسبة من يرون حماس منتصرة من 48 بالمئة إلى 21 بالمئة. لكن التراجع لم يتحول إلى صعود مباشر لحركة فتح المنافسة؛ إذ قال 44 بالمئة إنهم لا يرون أن حماس أو فتح تستحقان تمثيل الفلسطينيين أو قيادتهم.
ويرى الباحث والمحلل السياسي عصمت منصور، في حديث لـ”الحرة”، أن استمرار الحرب والثمن الذي دفعه الفلسطينيون أسهما في تراجع شعبية حماس، بعدما حظيت الحركة بتأييد أكبر في الأسابيع الأولى التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر.
ويضيف أن تراجع حماس لا يعني عودة تلقائية إلى فتح، لأن أزمة الثقة تشمل السلطة الفلسطينية والمؤسسات والفصائل عموما، مشيرا إلى احتمال توجه قطاعات من الفلسطينيين إلى خيارات سياسية أخرى إذا جرت انتخابات.
لبنان.. تراجع حماس لا يحسم موازين المخيمات
وفي لبنان، أظهرت عملية تحقق رقمي أجرتها أونروا أن عدد الفلسطينيين المقيمين بلغ نحو 232 ألفا حتى يونيو 2025، فيما يعيش نحو 45 بالمئة من اللاجئين في 12 مخيما رسميا.
وكان لحماس قبل 7 أكتوبر حضور قوي ومؤثر داخل المخيمات الفلسطينية مستفيدة من دعم حزب الله، وفق الباحث الفلسطيني هشام دبسي، الذي يقول إن الحرب وما رافقها من خسائر واغتيالات أضعفا صورتها ورصيدها الجماهيري لدى جزء من الفلسطينيين.
وتحظى حماس وحزب الله بدعم من إيران، وتصنفهما الولايات المتحدة منظمتين إرهابيتين.
ويقول مصدر أمني لبناني لـ”الحرة” إن موقع حماس داخل المخيمات لم يتغير بصورة جوهرية منذ السابع من أكتوبر، وإن تراجع شعبية الحركة أو حزب الله لا يعني تلقائيا تغير موازين القوى داخل المخيمات.
وأطلقت السلطات اللبنانية خطة لحصر السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، بدأت في أغسطس 2025 بتسليم أسلحة الفصائل التابعة لمنظمة التحرير، فيما لم يشمل المسار حتى الآن سلاح حماس ولا حركة الجهاد الإسلامي، التي تصنفها واشنطن أيضا جماعة إرهابية.
تراجع حماس لا يعني صعود بديل
لا ترسم المعطيات الحالية اتجاها فلسطينيا واحدا بعد سنوات الحرب. ففي الضفة وغزة، تظهر مؤشرات على تراجع مكانة حماس، لكنها تأتي وسط موجة ابتعاد عن الفصائل عموما.
وبينما تختلف الظروف بين مخيمات الضفة وغزة ولبنان، تشير الشهادات وبيانات الرأي العام إلى أن الحرب أعادت ترتيب أولويات قطاعات من الفلسطينيين، لتصبح العودة والعمل والدخل والأمن والخدمات جزءا أساسيا من تقييمهم للقوى السياسية.
وبذلك، لا تشير التحولات التي أعقبت 7 أكتوبر إلى انتقال واضح من حماس إلى فصيل آخر، بقدر ما تكشف تراجع الثقة بغالبية القوى السياسية، والاهتمام أكثر بقدرة هذه القوى على الاستجابة لاحتياجات السكان وتفسير قراراتها السياسية، خصوصا في ظل الحرب والنزوح والخسائر.