واشنطن العاصمة 02:18 PM

كيف غيّر 7 أكتوبر حزب الله؟

ثلاث سنوات أعادت رسم موقع حزب الله في لبنان، بعد خسارة قيادته وتلقيه ضربات واسعة وتغيّر ميزان القوة في الجنوب.

اقرأ بـ English
· 5 دقيقة قراءة
علم حزب الله يرفرف وسط أنقاض مبانٍ مدمرة في دير قانون النهر، قضاء صور، جنوب لبنان، 15 يونيو 2026. رويترز/عزيز طاهر
علم حزب الله يرفرف وسط أنقاض مبانٍ مدمرة في دير قانون النهر، قضاء صور، جنوب لبنان، 15 يونيو 2026. رويترز/عزيز طاهر

لم يعد حزب الله اليوم الحزب نفسه الذي دخل الحرب في 8 أكتوبر 2023 تحت عنوان “إسناد غزة”.

خلال السنوات الثلاث التالية، خسر أمينه العام حسن نصر الله وعددا من أبرز قادته العسكريين والأمنيين، وتعرضت قدراته وشبكات اتصالاته لضربات واسعة. ثم جاء سقوط نظام بشار الأسد في سوريا ليحرمه من ممر إمداد رئيسي، فيما تصاعد الضغط على إيران، داعمه الأساسي.

وفي الداخل اللبناني، انتقل ملف سلاح الحزب إلى مرحلة جديدة مع قرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة.

هذه التحولات لم تنه حزب الله، لكنها غيّرت طريقة قيادته، وبنيته العسكرية، وحدود قدرته على الحركة.

وكان اغتيال نصر الله في 27 سبتمبر 2024 أبرز تلك التحولات. فقد قتلته إسرائيل في غارة استهدفت مقر القيادة المركزية للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت، منهية 32 عاما أمضاها على رأس الحزب الذي تصنفه واشنطن جماعة إرهابية.

وبعد أيام، قُتل هاشم صفي الدين، الذي كان يُنظر إليه بوصفه أبرز المرشحين لخلافته، قبل أن ينتخب الحزب نعيم قاسم أمينا عاما في 29 أكتوبر.

عندما تولى نصر الله الأمانة العامة عام 1992، كان حزب الله أصغر حجما وتأثيرا مما أصبح عليه لاحقا. وخلال عهده، توسع دوره العسكري والسياسي داخل لبنان وخارجه، فيما نما نفوذ نصر الله داخل التنظيم إلى حد تجاوز في أحيان كثيرة حدود منصبه الرسمي.

ويقول علي الأمين، رئيس تحرير موقع “جنوبية” والمعارض لحزب الله، إن نصر الله “اختصر حزب الله بشخصه ووسم الحزب بشخصيته”.

ويرى الأمين أن بقاء نصر الله في الأمانة العامة طوال 32 عاما ترافق مع تركّز متزايد للسلطة في مكتب الأمين العام، على حساب بعض الآليات الداخلية الأخرى.

وامتد ذلك إلى صورة الحزب وخطابه. ويقول الأمين لـ”الحرة”: “لم يكن ما يريد الحزب قوله يصدر عن اجتماع لمجلس الشورى أو عن بيان للقيادة، بل كان حسن نصر الله هو صوت الحزب وإعلامه ومنبره”.

لكن اغتيال قائد بهذه المكانة لا يعني بالضرورة انهيار الحزب.

ويقول بديع قرحاني، مستشار مركز البحوث حول الإرهاب ومقره باريس، إن أثر اغتيال القادة يختلف من تنظيم إلى آخر. فبعض التنظيمات تتراجع بشدة بعد فقدان قياداتها، بينما تنجح أخرى في الاستمرار عبر مؤسساتها وشبكاتها.

ويرى أن حزب الله يقع في الفئة الثانية.

ويقول: “لا أحد يستطيع أن ينفي أن اغتيال حسن نصر الله شكل أكبر ضربة للحزب، لكن هذا الاغتيال لا يلغي وجوده واستمراره”.

لم تكن خسارة نصر الله معزولة. فقد جاءت ضمن سلسلة من الضربات التي طالت قيادات عسكرية وأمنية، وأحدثت فراغات في مستويات مختلفة من حزب الله.

وفي أكتوبر 2024، نقلت “رويترز” عن مصادر مطلعة أن الحزب شكّل قيادة عسكرية جديدة لإدارة إطلاق الصواريخ والعمليات البرية، وهي معلومات نفاها الحزب لاحقا.

لكن عملية إعادة البناء لم تقتصر على ملء المواقع الشاغرة.

ففي مارس 2026، كشفت “رويترز” أن الحرس الثوري الإيراني، المصنف على قائمة الإرهاب الأميركية، شارك في إعادة تنظيم القيادة العسكرية للحزب بعد حرب 2024، ضمن عملية شملت الانتقال من هيكل أكثر هرمية إلى نموذج لامركزي يعتمد على مجموعات أصغر وأقل اطلاعا على عمليات الوحدات الأخرى.

والهدف، بحسب التقرير، كان تقليص أثر الاختراقات وحماية استمرارية العمل العسكري.

لكن إعادة تنظيم الهيكل لا تعني استعادة القدرات السابقة.

ويقول العميد المتقاعد مارون خريش إن القيادة والسيطرة تحتاجان إلى شبكة فعالة تربط القيادة بالميدان، وتسمح بتوزيع المهمات ومتابعة التنفيذ.

ويرى أن هذه المنظومة تضررت عندما اجتمعت خسارة القيادات مع الضربات التي استهدفت شبكات الاتصال.

ويقول لـ”الحرة”: “القادة الجدد يحتاجون إلى وقت للتعرف إلى الوحدات وبناء العلاقة مع المقاتلين وفهم آليات العمل التي ترسخت مع أسلافهم على مدى سنوات”.

وبعد عامين، يقول خريش إن الحزب نجح في إعادة تنظيم جزء من بنيته، لكنه لم يستعد “فائض القوة” الذي كان يمتلكه، ولا حرية المبادرة نفسها.

وتزامنت عملية إعادة البناء مع تغيرات خارج الحزب نفسه.

فسقوط نظام بشار الأسد في سوريا حرم حزب الله من حليف وفر له طوال سنوات ممرا أساسيا لوصول السلاح والمعدات الإيرانية عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

وفي الوقت نفسه، تعرضت إيران لضربات وحرب مباشرة وضغوط عسكرية واقتصادية متزايدة.

وهذا يعني أن القيادة الجديدة لم ترث فقط حزبا خسر عددا كبيرا من قادته، بل تنظيما تقلص أيضا عمقه الإقليمي وقدرته على التحرك والإمداد.

وفي يوليو 2025، نقلت “رويترز” عن 3 مصادر مطلعة أن الحزب بدأ مراجعة استراتيجية بعد الحرب مع إسرائيل، شملت بحث تقليص دوره كتنظيم مسلح من دون التخلي عن سلاحه بالكامل.

وجاءت المراجعة في وقت كان ملف سلاح الحزب ينتقل إلى صدارة النقاش الداخلي، قبل أن تتخذ الحكومة اللبنانية في أغسطس من العام نفسه قرارا بحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش وضع خطة لتنفيذه.

ومع ذلك، لا يزال حزب الله يحتفظ ببنيته السياسية والإعلامية والاجتماعية.

ويقول قرحاني إن قدرة الحزب على الاستمرار ترتبط أيضا بقاعدته الاجتماعية والعقائدية، وبالدعم الإيراني الذي ما زال قائما.

يبقى السؤال الأصعب متعلقا بمركز القرار بعد نصر الله.

يقول علي الأمين إن السلطة التي راكمها نصر الله لم تنتقل كاملة إلى نعيم قاسم، وإن جانبا أكبر من النفوذ انتقل، بفعل الحرب والظروف الأمنية، إلى القيادة العسكرية والأمنية المرتبطة بعلاقات مباشرة مع الحرس الثوري الإيراني.

ويصف الأمين العام الجديد بأنه “شخص ضمن إطار قيادي، لكنه أقرب إلى أن يكون تنفيذيا منه إلى صاحب قرار”.

ويرى الأمين أن غياب نصر الله دفع إيران إلى التدخل بصورة أكثر مباشرة في شؤون الحزب.

وهو تقييم يشاركه، بصيغة أكثر حدة، الباحث السياسي المعارض لحزب الله هادي مراد، الذي يقول إن مرحلة ما بعد نصر الله شهدت ظهور شبكات ومراكز نفوذ متعددة بعد سنوات من تركّز القرار.

لكن هذه التقديرات تبقى محل خلاف، ولا يقدم حزب الله تفاصيل علنية عن آليات اتخاذ القرار داخله أو حدود دور إيران في قيادته اليومية.

بعد عامين، أثبت حزب الله أنه قادر على البقاء بعد نصر الله. لكنه بقي في ظروف مختلفة قائمة على قيادة جديدة، وبنية عسكرية أعيد تنظيمها، وخطوط إمداد أضعف، وضغوط داخلية وإقليمية أكبر.

يقول الأمين إن الخسارة الأعمق لم تكن في القيادة وحدها، بل في صورة القوة التي بناها الحزب على مدى سنوات، مضيفا أنه “خسر سمعته الأمنية، وسمعة القوة والقدرة على الردع، وخسر صورة الحزب الذي يصعب اختراقه”.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة