في كيبوتس ناحال عوز، التجمع الزراعي التعاوني الإسرائيلي المحاذي لقطاع غزة، يضع داني رحاميم تعريفا للانتصار يختلف عن ذلك الذي تطرحه الحكومة الإسرائيلية.
“إنه انتصارنا نحن، المواطنون الذين عادوا إلى هنا ويواصلون الحياة”، يقول رحاميم لـ”الحرة”.
وبعد ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر، لا تعني العودة إلى بيوت ناحال عوز، بالنسبة إلى رحاميم، أن آثار ما حدث قد انتهت، إذ ينتقد تعامل الحكومة مع معاناة السكان.
يقول: “ليست لديّ توقعات من هذه الحكومة، ولا أرى منها أي تعاطف أو فهم لما جرى لنا، وللرعب الذي عشناه هنا، وللصدمات التي نحملها معنا”.
ولا يبدي رحاميم دهشة من “عدم الوفاء” بتعهدات القضاء الكامل على حماس، قائلا إن “تحديد أهداف غير واقعية يجعل الوفاء بها صعبا”، وإنه لم يعتقد بإمكانية القضاء على الحركة بالكامل أو منعها من العودة إلى النشاط.
وخلال سنوات الحرب، تبنى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شعار “الانتصار المطلق” الذي يشمل هدف القضاء على حكم حماس وقدرتها العسكرية، وهو هدف ظل محوريا في خطاب الحكومة خلال استمرار العمليات في غزة.
وناحال عوز كيبوتس زراعي أُنشئ عام 1951 في النقب الغربي، ويبعد نحو 800 متر عن حدود قطاع غزة. وكان من المواقع التي تعرضت لهجوم في الساعات الأولى من السابع من أكتوبر 2023، وتقع قربه قاعدة ناحال عوز العسكرية.
وإذا كان رحاميم يختصر معنى الانتصار في قدرة السكان على العودة إلى منازلهم واستئناف حياتهم، فإن رئيس كيبوتس ناحال عوز، إيلان موراغ، يربط استعادة الثقة بكشف أسباب الإخفاق الذي سمح بوقوع الهجوم وتحديد المسؤولية عنه.
وفي حديثه لـ”الحرة” دعا موراغ إلى تشكيل لجنة تحقيق تبحث في ما حدث لمنع تكراره، مؤكدا أن الغاية ليست البحث عن شخص لإدانته مسبقا، بل تحديد المسؤوليات استنادا إلى نتائج التحقيق.
ويرى أن من أخفقوا في أداء واجباتهم، يوم الهجوم أو خلال الأيام والسنوات التي سبقته، ينبغي أن يتركوا مواقعهم. ويوجه انتقادا مباشرا إلى نتنياهو، قائلا إن رئيس الوزراء “يجب أن يتحمل المسؤولية، لكنه لا يتحملها”، حسب تعبيره.
ويشير موراغ إلى استقالة رئيس الأركان هرتسي هاليفي ورئيس جهاز الشاباك رونين بار، لكنه يرى أن استعادة الثقة تتطلب تحقيقا يحدد المسؤوليات ويحمّل المقصرين تبعات أخطائهم.
وكان هاليفي قد أعلن استقالته في يناير 2025، متحملا المسؤولية عن إخفاق الجيش في حماية المواطنين خلال هجوم السابع من أكتوبر، كما استقال بار من مهامه في يونيو 2025، بعد إقراره بمسؤولية جهاز الشباك عن إخفاقات سبقت الهجوم.
في المقابل، يقدم نتنياهو رواية تركز على ما تعتبره حكومته إنجازات الحرب، وفي مقدمتها استعادة الرهائن وإعادة سكان البلدات المتضررة ومواصلة العمل على إنهاء حكم حماس، التي تصنفها واشنطن جماعة إرهابية.
وخلال مراسم رسمية لإحياء ذكرى ضحايا السابع من أكتوبر، قال نتنياهو: “أعدنا إلى البلاد جميع مختطفينا الذين احتُجزوا في أنفاق غزة، لكن هذه ليست نهاية المطاف”، مجددا تعهده بالقضاء على حكم حماس.
واستحضر نتنياهو قصص ضحايا وأسر فقدت أبناءها، مؤكدا التزام حكومته بـ”إكمال المهمة” في غزة، وربط الحرب بالمواجهة مع إيران وحلفائها. وقال إن أكثر من 90 في المئة من السكان عادوا إلى بيوتهم، وإن آلاف السكان الجدد انضموا إليهم، واصفا ما يجري في النقب الغربي بأنه “نمو غير مسبوق”.
لكن خطاب نتنياهو لم يتضمن إعلانا عن تحمّل المسؤولية عن الإخفاق الأمني في السابع من أكتوبر، أو تعهدا بتشكيل لجنة تحقيق في أسباب الهجوم.
وقُتل نحو 1200 شخص في هجوم السابع من أكتوبر، بينهم إسرائيليون وأجانب، فيما أُخذ 251 شخصا رهائن إلى قطاع غزة، وفق أرقام إسرائيلية رسمية. وأُعيد أغلب الرهائن في صفقات تبادل مع سجناء فلسطينيين، فيما قُتل آخرون في غزة، واستُعيدت جثامين بعضهم لاحقا.
ويضم ما يُعرف إسرائيليا بـ”غلاف غزة” مدينة سديروت و45 قرية وتجمعا أصغر تقع ضمن 7 كيلومترات من حدود القطاع، تعرّض 32 تجمعا مدنيا منها لهجوم مباشر في السابع من أكتوبر 2023.
ولا يقتصر النقاش في إسرائيل على سكان البلدات المتضررة، إذ يطرح اللواء احتياط نيتسان ألون، المسؤول السابق عن ملف المحتجزين في الجيش الإسرائيلي، أسئلة بشأن إدارة الحرب وأزمة الرهائن.
ففي نقاش نظمه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في الثاني من أكتوبر، قال ألون إن إسرائيل كان يمكن أن تعيد جميع المختطفين قبل نحو عام من إعادتهم فعليا، من دون تأثير جوهري في النتائج الاستراتيجية للحرب.
وأضاف أنه “ربما كان بإمكاننا إنقاذ مختطفين قُتلوا، وقد فوّتنا هذه الفرصة”، معتبرا أن الحرب استمرت أطول مما كان ينبغي، وأن تقصيرها ربما كان سيوفر آلاف الأرواح على جانبي القتال.
وتكتسب تصريحات ألون أهمية نظرا لموقعه السابق على رأس ملف المحتجزين في الجيش الإسرائيلي.
كما انتقد ألون شعار “الانتصار المطلق” الذي يكرره نتنياهو، داعيا إلى قيادة تنظر إلى الواقع كما هو وتقدم خطة واقعية ومتوازنة للتعامل مع التحديات الأمنية والاقتصادية، بدلا من الاكتفاء بالشعارات، حسب تعبيره.
وفي رد على تصريحات ألون، قال سكرتير الحكومة الإسرائيلية يوسي فوكس، في منشور على منصة “أكس“، إن الحديث عن إمكانية إعادة المحتجزين في مرحلة مبكرة كان سيتطلب انسحابا كاملا من غزة ومحور فيلادلفيا وضمانات بعدم استئناف الحرب.
واعتبر فوكس أن قبول هذه الشروط كان سيعني، بحسب تعبيره، “انتصارا لحماس وهزيمة لإسرائيل”.
وجاء رد فوكس في سياق الجدل الإسرائيلي بشأن إدارة الحرب والفرص التي أُتيحت لإعادة المحتجزين.
ومن جانب المعارضة، انتقد زعيم المعارضة يائير لبيد، الثلاثاء، ما وصفه بترويج الحكومة لنظرية “الخيانة من الداخل” لتفسير أحداث السابع من أكتوبر.
وقال، خلال المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب في جامعة رايخمان، إن هذه الرواية تعمق الشك بين الإسرائيليين وتضعف الثقة داخل المجتمع، مؤكدا أن استمرار وجود مسلحي حماس في غزة يعني أن الحركة لم تُهزم، وأن “الانتصار على الإرهاب لا يُقاس فقط بعدد الأنفاق التي دُمرت والمسلحين الذين قُتلوا.”
وبعد ثلاث سنوات، لا يزال الحديث السائد في إسرائيل يتمحور حول النتائج العسكرية للحرب ومسؤولية إخفاق السابع من أكتوبر، وما إن كان بالإمكان تفادي جزء من كلفة الحرب، وما إذا كانت صفحة ذلك اليوم ستطوى بمحاسبة المسؤولين.