كشفت التوقيفات الأمنية المتكررة في لبنان أن تنظيم داعش أعاد تشكيل حضوره عبر شبكات وخلايا تعمل بعيدا عن الأضواء، ولم يختفِ بشكل كامل مع سقوط ما عُرف بـ”دولة الخلافة”.
آخر هذه التوقيفات كانت لسوري، قالت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إنه يشغل منصب “الأمير الأمني العام” لما يعرف بـ”ولاية الجنوب” و”ولاية الوسط” في سوريا، وهو موقع يضعه ضمن الحلقة القيادية المسؤولة عن إدارة الأنشطة والعمليات الأمنية للتنظيم، بالتنسيق مع باقي قيادات داعش في سوريا.
ولا يبدو التوقيف الأخير قضية معزولة، ففي ديسمبر 2024 أعلن الجيش اللبناني اعتقال مسؤول “ولاية لبنان” في التنظيم “أبو سعيد الشامي”، ثم أعلن في يونيو 2025 توقيف خلفه المعروف باسم “قسورة”.
وبحسب مصدر أمني، أوقِف المشتبه به الجديد من قبل شعبة المعلومات في مدينة طرابلس شمالي لبنان بعد عملية رصد ومتابعة، ولا تزال التحقيقات مستمرة لتحليل الأجهزة الإلكترونية التي كانت بحوزته وتتبع شبكة اتصالاته.
ويرى الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية بديع قرحاني أن انتقال قيادات أو عناصر من داعش بين سوريا ولبنان يشكل “مؤشرا أمنيا خطيرا”، لاسيما أن الحدود اللبنانية ـ السورية، بما تضمه من معابر غير شرعية، تشكّل عاملا يساعد على حركة المهربين والمطلوبين.
داعش في لبنان
أعاد التوقيف الأخير إلى الأذهان مسارا طويلا من نشاط داعش في لبنان. ففي عام 2014 نفذ التنظيم سلسلة تفجيرات استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، قبل أن يبلغ حضوره ذروته خلال هجوم عرسال في أغسطس من العام نفسه، عندما خطف “داعش” و”جبهة النصرة” عددا من العسكريين اللبنانيين.
وفي عام 2015 شهدت الأراضي اللبنانية هجمات كان أبرزها التفجير المزدوج في برج البراجنة، قبل أن يطلق الجيش اللبناني عام 2017 عملية “فجر الجرود” التي أسفرت عن طرد مقاتلي التنظيم من جرود القاع ورأس بعلبك، كما توصل حزب الله إلى صفقة مع “داعش” في جرود عرسال، قضت بانسحاب أكثر من 600 مسلح من عناصره من الأراضي اللبنانية.
وفي عام 2021 اختفى عدد من الشبان من طرابلس، قبل أن يتبين لاحقا التحاق بعضهم بالتنظيم في العراق، وفي يونيو 2024 أطلق مسلح يحمل شعارات داعش النار قرب السفارة الأميركية في عوكر.
ويقول الخبير الأمني والاستراتيجي عصمت العبسي إن “ولاية لبنان” لم تعد قائمة ضمن الهيكل الإداري لداعش منذ سقوط “دولة الخلافة” عام 2019، موضحا لموقع “الحرة” أن العناصر الموجودة في لبنان باتت تعمل ضمن “ولاية الشام” كامتداد لقيادة التنظيم في سوريا، التي تتولى التخطيط، فيما تنفذ الخلايا اللبنانية العمليات المحلية بالتنسيق معها.
هل ما زال يشكل تهديداً؟
يعتمد داعش اليوم لتجنيد عناصره “على استغلال التهميش الاجتماعي والشعور بالإقصاء، إلى جانب العلاقات العائلية والشبكات المغلقة والسجون والمنصات الرقمية المشفرة”، كما يقول العبسي “مع بقاء الاعتماد الأكبر على العلاقات الشخصية المباشرة، نتيجة التشديد الأمني الذي يصعّب عمليات التجنيد العلنية.
ولا تزال منصات مثل “تلغرام” و”فيسبوك” تشكل أدوات لاستقطاب الشباب، ولا سيما من تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عاما، مستفيدة من قابلية بعضهم للتأثر بالأفكار المتطرفة أو الإغراءات المالية.
ورغم ذلك يؤكد قرحاني أن التنظيم فقد معظم كوادره القادرة على إدارة عمليات التجنيد، مؤكدا أنه “لم ينجح، حتى في ذروة قوته، في إيجاد بيئة حاضنة داخل لبنان، ولا سيما داخل الشارع السني”، مشيرا إلى أن عمله حاليا يقتصر على بعض الخلايا المتبقية وتحديدا في سوريا.
ورغم تراجع قدراته، يحذر الخبراء من التقليل من خطورة التنظيم لاسيما وأنه لم يعد يحتاج إلى مساحات جغرافية أو بيئة حاضنة واسعة للحفاظ على وجوده، وإنما يكفيه عدد محدود من العناصر القادرة على التخفي، وتأمين الاتصالات، وتنفيذ مهام لوجستية أو أمنية عند الطلب.
ويشدد الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد جورج نادر على أن “الضربات الأمنية المتلاحقة التي تعرض لها داعش في المنطقة والعالم أضعفت بنيته بصورة كبيرة، إلا أنه ما زال يحتفظ بقدرة على تنفيذ عمليات محدودة عبر خلايا صغيرة أو أفراد يتحركون بصورة منفردة، إلا أنه لا يهدد الاستقرار العام في لبنان في ظل غياب البيئة الحاضنة ورفض القوى السياسية والدينية له”.
وتكمن أهمية توقيف القيادي الأخير في لبنان في إبعاد أحد رؤوس التنظيم، إضافة إلى ما قد تكشفه التحقيقات من معلومات حول طبيعة الشبكات التي لا تزال تنشط، ومسارات انتقال القيادات، ووسائل التواصل التي يعتمدها التنظيم بعد انهيار “دولة الخلافة”.
ويبقى السؤال الذي قد تجيب عنه التحقيقات الجارية: هل كان وجود هذا القيادي في لبنان مجرد محطة عابرة فرضتها ظروف العمل السري، أم أنه يكشف عن دور أوسع تؤديه الأراضي اللبنانية في حركة ما تبقى من خلايا وشبكات داعش؟