واشنطن العاصمة 06:14 PM

كيف توسّع إيران نفوذها في أفريقيا؟

سعت الجمهورية الإسلامية إلى توطيد علاقاتها مع الدول الأفريقية لتخفيف أثر العقوبات وتأمين الموارد الحيوية.

اقرأ بـ English
· 7 دقيقة قراءة
امرأة تحمل رضيعها خلال مشاركتها في مراسم تأبين للمرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي داخل مسجد في كيب تاون، جنوب أفريقيا. رويترز/إيسا ألكسندر

سعت إيران بشكل نشط إلى تصدير أيديولوجيتها إلى أفريقيا منذ الثورة الإسلامية عام 1979، إلا أن أهدافها وأساليبها تغيرت بشكل كبير مع مرور الوقت، من الترويج لنسختها من الإسلام الشيعي إلى تبني استراتيجية أوسع تهدف إلى مواجهة النفوذ الغربي والحصول على المواد والموارد الأساسية.

وتضم أفريقيا 19 دولة ذات غالبية مسلمة، يدين معظم سكانها بالإسلام السني. وبعد الثورة، ركزت طهران أولا على نشر المذهب الشيعي عبر إنشاء مراكز ثقافية ومساجد وفروع لجامعة المصطفى العالمية.

وأثمر هذا التوجه عن نجاح بارز تمثل في “الحركة الإسلامية في نيجيريا” بقيادة إبراهيم الزكزكي، التي نجحت في استقطاب آلاف النيجيريين إلى المذهب الشيعي، ما جعلها في مواجهة مع الحكومة، رغم أنها تمثل تهديدًا أقل بكثير مقارنة بجماعة “بوكو حرام” السنية المسلحة.

وخلال السنوات الأخيرة، تمكنت إيران من إعادة بناء نفوذها في عدد من الدول الأفريقية من خلال خطاب إسلامي أكثر شمولًا، إلى جانب استثمار المشاعر المعادية للغرب. ويرى إريك لوب، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة فلوريدا الدولية، أن هذا النهج يلقى صدى في الدول التي تحمل إرثًا استعماريًا معقدًا وتشهد توترات مع الغرب، كما أنه يحقق مكاسب لطهران.

وقال لوب: “إحدى الطرق التي تمكنت إيران من خلالها من إعادة ترسيخ حضورها في هذه الدول هي عبر المساعدات والشراكات الأمنية”. وأضاف أن طهران، على وجه الخصوص، شاركت وصدرت تكنولوجيا الطائرات المسيّرة إلى شركائها في أفريقيا، “وهو ما يعود أيضًا بالفائدة على المجمع الصناعي العسكري الإيراني”.

ورغم أن حجم التجارة بين إيران وأفريقيا لا يزال محدودا، أفادت وسائل إعلام إيرانية، قبل اندلاع الحرب الحالية، بأنها ارتفعت بنسبة 66% لتصل إلى 944 مليون دولار خلال الفترة من أبريل إلى ديسمبر من العام الماضي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الذي سبقه.

ويشير هذا النمو إلى توجه واضح من جانب طهران نحو تعزيز حضورها في أفريقيا لمواجهة العقوبات التجارية الدولية التي ألحقت أضرارًا كبيرة باقتصادها.

الاستفادة من أساليب قديمة

اعتمدت إيران تاريخيًا على حركة عدم الانحياز، التي ضمت 121 دولة لا تنتمي رسميًا إلى أي تكتل دولي رئيسي، كأداة لتعزيز نفوذها الناعم في أفريقيا. وقد أصدرت الحركة مرارًا بيانات رسمية تؤكد حق إيران القانوني في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية وتخصيب اليورانيوم. كما تعتمد طهران بشكل كبير على قرارات الحركة في مساعيها لنزع الشرعية عن العقوبات الأميركية المفروضة على قطاعي النفط والبنوك، باعتبارها انتهاكًا غير قانوني لسيادة الدول وتلحق ضررًا غير متناسب بالمدنيين.

وفي الوقت نفسه، أدى تقليص الوجود الدبلوماسي الأميركي في أفريقيا وإغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) إلى خلق فراغ محتمل أمام القوى غير الغربية لتعزيز نفوذها. فالصين أصبحت أكبر شريك تجاري ثنائي للقارة، بعدما بلغ حجم التبادل التجاري معها مستوى قياسيًا قدره 348 مليار دولار، بينما تقدم القوات الروسية دعمًا عسكريًا مباشرًا وحماية شخصية لعدد من الأنظمة الحاكمة مقابل امتيازات اقتصادية مجزية. ويرى محللون أن إيران قد تستفيد بدورها من هذا التراجع الأميركي.

وقال إيلان بيرمان، النائب الأول لرئيس المجلس الأميركي للسياسة الخارجية: “أخطر ما في الأمر هو أن ذلك يجعل الأنظمة الموالية للغرب أكثر هشاشة”. وأضاف: “الأنظمة الموالية للغرب، التي كانت قادرة على التصدي للتغلغل الإيراني ومحاولات إيران لزعزعة الاستقرار، كانت تعتمد، بمعنى حقيقي جدًا، على دعم الولايات المتحدة”.

وفي جنوب أفريقيا، حيث يروج الرئيس لخطاب معادٍ للغرب، شاركت إيران في مناورات عسكرية مشتركة.

وقال بيرمان: “الشراكة مع إيران تنسجم تمامًا مع هذا التوجه، لأن إيران دولة تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي”. وأضاف: “إنها رسالة سياسية من حكومة جنوب أفريقيا، لكنها تمنح إيران أيضًا قدرات أكبر على توسيع القوة خارج حدودها”.

موارد أفريقيا

مثل كثير من الدول التي تنشط في أفريقيا، تسعى إيران إلى الحصول على موارد تفتقر إليها محليًا. ويأتي اليورانيوم، اللازم لتشغيل برنامجها النووي، في مقدمة هذه الموارد وأكثرها إثارة للجدل. ففي عام 2024، أفاد موقع أفريكا إنتليجنس الفرنسي وقناة إيران إنترناشيونال البريطانية بأن إيران تفاوضت على صفقة بملايين الدولارات مع النيجر لتزويدها بطائرات مسيّرة وصواريخ أرض-جو مقابل 300 طن من “الكعكة الصفراء” عالية النقاء، وهي مادة مشتقة من خام اليورانيوم. وكانت النيجر قد أوقفت جميع صادراتها النووية إلى فرنسا وأممت الأصول النووية الفرنسية في البلاد عقب الانقلاب العسكري عام 2023 الذي أطاح بالحكومة الموالية للغرب. لكن كلًا من إيران والنيجر نفتا وجود مثل هذه الصفقة.

كما تسعى إيران إلى إبرام اتفاقيات زراعية تخفف الضغوط على مواردها الغذائية المحلية. ففي اللجان الثنائية مع دول شرق أفريقيا، مثل أوغندا وتنزانيا وكينيا، تشكل الاتفاقيات الزراعية عنصرًا ثابتًا على جدول الأعمال. وتستخدم إيران مكانتها باعتبارها من أكبر منتجي اليوريا والأسمدة النيتروجينية في العالم كورقة تفاوضية.

وقال لوب: “رغم امتلاك إيران قطاعًا زراعيًا قويًا، فإنها تواجه في السنوات الأخيرة مشكلات كبيرة تتعلق بندرة المياه”. وأضاف: “ويبدو أنها تنظر إلى أفريقيا باعتبارها مكانًا يمكنها من خلاله تنويع إنتاجها الزراعي”.

وفي كثير من اتفاقياتها التجارية الثنائية مع الدول الأفريقية، تأتي الالتزامات المالية الإيرانية في صورة ضمانات ائتمانية للصادرات بدلًا من ضخ أموال مباشرة. وتهدف هذه التسهيلات الائتمانية حصريًا إلى مساعدة الشركات الإيرانية على بيع منتجاتها أو الفوز بعقود خارج البلاد. ونظرًا لصعوبة إجراء المعاملات بالدولار الأميركي أو استخدام نظام “سويفت”، تعتمد إيران في هيكلة اتفاقياتها على المقايضة بدلًا من الاستثمار التقليدي. ويقول لوب إن مساهمة إيران غالبًا ما تتمثل في “الخدمات الفنية والهندسية”، مثل إرسال مقاولين إيرانيين وآليات وتكنولوجيا الطائرات المسيّرة إلى أفريقيا. لكنه يشير إلى أن هذه الوعود لا تتحقق دائمًا على أرض الواقع.

وأضاف: “علينا أن نفرق بين ما هو مكتوب في الاتفاقيات وما يتم تنفيذه فعليًا”.

وتصدر إيران إلى أفريقيا في المقام الأول النفط أو المنتجات المرتبطة به، بينما تصدر الدول الأفريقية إليها السلع الأولية والمواد الخام. وبما أن قيمة المنتجات النفطية أعلى، يؤدي ذلك إلى عجز تجاري لصالح إيران وإلى احتكاكات مع شركائها الأفارقة.

وتضغط كل من كينيا وغانا على إيران للاستثمار في مصانع التصنيع والمعالجة داخل أفريقيا، بدلًا من الاكتفاء باستخدام القارة كسوق لتصريف المنتجات الإيرانية ومصدر للمواد الخام. لكن بسبب محدودية السيولة المالية لدى إيران، فإنها تواصل الدفع نحو نموذج التبادل غير المتكافئ بين السلع والمواد الخام، ما يجعل العديد من الدول الأفريقية مترددة في توقيع اتفاقيات طويلة الأجل قد تستنزف احتياطاتها من العملات الأجنبية.

ومع ذلك، تعتمد الدول الأفريقية على إيران ومضيق هرمز في الحصول على موارد مثل النفط والأسمدة. وقد عطلت الحرب كليهما، ما أدى إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي. ولذلك بدأت دول عديدة في البحث عن بدائل، مثل خط الأنابيب السعودي شرق–غرب، والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، وشبكة السكك الحديدية الخليجية، وتوسعة ميناء الفجيرة، وخط أنابيب حبشان–الفجيرة في الإمارات.

استثمار أمني بثمن

تواجه إيران أيضًا منافسة قوية في أفريقيا من دول الخليج العربية وتركيا وإسرائيل، ولا سيما في منطقة القرن الأفريقي القريبة من مضيق باب المندب، حيث نفذ حلفاؤها الحوثيون في اليمن هجمات متكررة على شحنات النفط. وسعيًا لتجاوز هذه المنطقة الحساسة، تعمل الإمارات على تطوير ميناء بربرة في أرض الصومال، فيما أبرمت السعودية اتفاقًا لتطوير ميناء في جيبوتي على الضفة الغربية لمضيق باب المندب. أما تركيا، فتؤدي دور الضامن الأمني الرئيسي للصومال عبر تشغيل أكبر منشآتها العسكرية الخارجية (معسكر توركسوم)، بينما ركزت إسرائيل على مضيق باب المندب وخليج عدن من خلال تحالفات استخباراتية.

كما زودت إيران إثيوبيا بطائرات مسيّرة أو نقلت إليها تكنولوجيا هذه الطائرات خلال حرب تيغراي، وكررت الأمر مع القوات المسلحة السودانية خلال الحرب الأهلية المستمرة في السودان. وهي الطائرات نفسها من طراز “شاهد” التي تعيد روسيا إنتاجها وتطويرها لاستخدامها في الحرب في أوكرانيا.

وقال بيرمان: “هذه الطائرات أكثر تطورًا بكثير من أي شيء موجود في القارة الأفريقية”. وأضاف: “لذلك فإن الدور الإيراني في السودان، حيث تختار طهران من تدعم، وترجح كفة أحد أطراف الصراع عبر توفير هذه التكنولوجيا العسكرية التي تغير موازين المعركة، يعد أمرًا بالغ الأهمية لأنه يضفي طابعًا دوليًا على النزاع”.

ولا تقتصر فوائد هذه الصفقات على زيادة أرباح إيران من مبيعات الأسلحة، بل تساعدها أيضًا على استعادة موطئ قدم في منطقة القرن الأفريقي، التي أصبحت تمثل أصلًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية منذ اندلاع هذه الحرب، بحسب لوب.

وقال: “ما رأيناه من إيران في مضيق هرمز يشبه ما فعله الحوثيون في عامي 2024 و2025 في باب المندب بالبحر الأحمر. فقد أصبحت هذه الممرات البحرية الاستراتيجية عنصرًا أساسيًا في استراتيجية إيران الأمنية واستراتيجية وكلائها وشركائها في مواجهة خصومهم”.

وفي نهاية المطاف، تستخدم إيران علاقاتها مع الدول الأفريقية للالتفاف على العقوبات من خلال الاتفاقيات الاقتصادية الثنائية، رغم أن مدى تنفيذ هذه الاتفاقيات على أرض الواقع لا يزال محل نقاش.

وقال لوب إن سعي طهران إلى توسيع نفوذها الناعم في أفريقيا “يظهر أن إيران تحاول مقاومة العزلة الدولية”.

وأضاف: “إنها توجه رسالة إلى حلفائها وخصومها في النظام الدولي، وكذلك إلى جمهورها في الداخل، بأنها لا تزال تمتلك أصدقاء وحلفاء وشركاء في الخارج، وأنها ليست وحدها”.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة