شنت السعودية والولايات المتحدة، فجر الأربعاء، ضربات مفاجئة استهدفت مواقع داخل العراق، قالت الرياض وواشنطن إنها تتبع جماعات موالية لإيران وترتبط بالهجمات الأخيرة على منشآت الطاقة في المملكة.
وبدت الهجمات نقطة تحول لافتة بالنسبة للسياسة السعودية منذ اندلاع الحرب في المنطقة في فبراير الماضي، إذ انتقلت المواجهة إلى مرحلة جديدة لم تكتف فيها السعودية باعتراض الصواريخ والمسيرات، وإنما بادرت إلى ضرب المواقع التي تنطلق منها الهجمات أو توفر لها الدعم.
وهي المرة الأولى خلال الحرب الحالية التي تعلن فيها السعودية مشاركتها علنا في تنفيذ ضربات إلى جانب الولايات المتحدة في تطور يهدد باتساع رقعة الصراع عبر فتح جبهة جديدة بين الرياض وحلفاء إيران في المنطقة.
وجاء الهجوم السعودي الأميركي بعد ساعات من إعلان وزارة الدفاع السعودية إسقاط مسيرات حاولت استهداف منشآت بترولية في المنطقتين الشرقية والرياض.
واتهمت الوزارة مجموعات مرتبطة بإيران بإطلاق المسيرات من الأراضي العراقية، قبل أن تعلن مشاركتها مع القيادة المركزية الأميركية في ضرب المواقع المتصلة بتلك الهجمات.
وقال العميد المتقاعد حسن الشهري إن السعودية دخلت مرحلة مختلفة تهدف إلى بناء معادلة ردع تجعل كلفة مهاجمة المملكة أعلى من أي مكسب تتوقع الجماعات المنفذة، أو داعموها في إيران، تحقيقه.
وأضاف في تصريحات لـ”الحرة” أنه في حال عجز بغداد عن وقف الاعتداءات، يصبح من حق الرياض اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها وسيادتها، استنادا إلى حق الدفاع عن النفس الذي تكفله المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
ودانت الرئاسة العراقية الضربات السعودية الأميركية واعتبرتها انتهاكا لسيادة البلاد، لكنها جددت في الوقت نفسه رفضها استخدام الأراضي العراقية قاعدة للاعتداء على دول الجوار أو كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وفي حين قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الضربات جرت بالتنسيق مع الحكومة العراقية، وجه رئيس الوزراء علي الزيدي بعقد اجتماع طارئ للمجلس الوزاري للأمن الوطني لبحث تداعياتها.
وجاء الهجوم عشية زيارة كان من المقرر أن يجريها الزيدي إلى السعودية، الخميس، في أول زيارة رسمية له إلى المملكة منذ توليه منصبه في مايو الماضي، لكن مصدرا سعوديا خاصا أكد لـ”الحرة” إلغاء الزيارة.
عملية دقيقة
الباحث في الدراسات الإستراتيجية، اللواء الطيار عبد الله غانم القحطاني، وصف الضربات بأنها عملية محدودة ودقيقة، تحمل رسالة إلى الجماعات المسلحة وداعميها بأن السعودية ستدافع عن أراضيها وثرواتها.
لكن القحطاني استبعد أن تتجه السعودية إلى توسيع عملياتها أو الانجرار إلى حرب مفتوحة.
وفي بيان عقب الهجوم نفت وزارة الدفاع السعودية أي نية للتصعيد، وقالت إنها سترد على أي عدوان تتعرض له.
وكانت مصادر “الحرة” أفادت في وقت سابق بمقتل 5 مستشارين في الحرس الثوري الإيراني، المدرج على قوائم الإرهاب الأميركية، في الضربات الجوية داخل العراق.
وذكرت المصادر أن الإيرانيين الخمسة سقطوا في معسكر “أبو منتظر المحمداوي” في محافظة ديالى المحاذية للحدود الإيرانية شرقي العراق.
واستهدف الهجوم، بحسب القيادة المركزية الأميركية، مواقع للأسلحة والإمداد تستخدمها جماعات وجهها الحرس الثوري الإيراني لمهاجمة القوات الأميركية والبنية التحتية للطاقة في السعودية.
وأوضحت القيادة المركزية أن الضربات تندرج ضمن حق الدفاع عن النفس، بعد تكرار محاولات استهداف المنشآت البترولية السعودية، وأضافت أن التحرك جاء بعد أكثر من 30 هجوما بالمسيرات خلال 72 ساعة.
ويقدر الشهري أن أكثر من نصف الهجمات التي تعرضت لها المملكة خلال شهور أبريل ومايو ويوليو انطلقت من العراق.
ويرى أن السعودية لا تسعى إلى التصعيد، لكنها لن تبقى في موقع رد الفعل الدائم، لذلك ستكون خطواتها محددة من حيث التوقيت والحجم، فتتجه إلى تعطيل قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ الهجمات، بدلا من الاكتفاء باعتراضها بعد انطلاقها.
وطالت الغارات مواقع عدة وتركزت على محافظة نينوى، وتحديداً في منطقة برطلة، وهي من أكثر المناطق التي جمّع فيها الحشد الشعبي قواته لتأمين مناطق الشمال والحدود الغربية مع سوريا.
كما استُهدف “معسكر المحمداوي” في ديالى، الذي يوصف بأنه مركز لوجستي وتدريبي وقيادي للمناطق المحيطة شمال بعقوبة، إلى جانب “معسكر الفتح المبين” في محافظة واسط.
كما سُجّلت غارات في منطقة الدير، التي لم يُعرف عنها أنها مركز تجمّع عسكري لكنها تُعدّ من المراكز اللوجستية والدعم في منطقة غنية بالمنشآت النفطية وقريبة من الكويت.
ويتطلب توجيه الاتهام إلى جهة أو دولة ما بإطلاق مسيرات، تحديد مسارها ومكان إطلاقها إلى جانب فحص مكوناتها والبيانات الفنية المرتبطة بها.
ويقول القحطاني إن السعودية تعتمد على منظومة متكاملة من الرصد الإلكتروني والرادارى والبصري، إضافة إلى معلومات استخباراتية تساعدها على متابعة التهديدات وتحديد مصدرها، كما يمكن الاستفادة من الحطام الذي يتم العثور عليه بعد إسقاط المسيرات، فضلا عن البصمة الحرارية ووسائل فنية أخرى.
أما اللواء محمد القبيبان، المختص في الشؤون العسكرية، فيقول إن الرياض بنت خيارات أمنية لمراقبة تحركات الفصائل ومتابعة مصادر الخطر، من بينها إنشاء مواقع عسكرية مخصصة للرصد، واستخدام أجهزة متقدمة وطائرات من دون طيار للكشف عن التهديدات والتعامل معها.
وتتيح هذه المنظومة جمع معلومات من مصادر عدة قبل تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم، بدءا من متابعة المسيرة خلال تحليقها، وصولا إلى تحليل مسارها وفحص أجزائها بعد اعتراضها.