وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في الأول من سبتمبر، في أول زيارة له إلى مصر منذ عقد، حيث اتفق مع الرئيس عبد الفتاح السيسي على “توسيع التعاون” في مجالي الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.
وقبيل زيارة شي، أفادت “بلومبرغ” بأن شركة هواوي تقدمت بعرض لبناء مركز بيانات في مصر. وردت واشنطن بعرض منافس.
وبعد مغادرة شي القاهرة، التقى وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصري، رأفت هندي، ائتلافاً أميركياً من مطوري مراكز البيانات، وفقاً لما أوردته وسائل الإعلام الحكومية المصرية.
وبعد ذلك بوقت قصير، أعلنت القاهرة عن أول مركز بيانات للذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في البلاد: منشأة بقدرة 200 ميغاواط، تبلغ قيمتها مليار دولار، وتُبنى باستخدام تكنولوجيا شركة “إنفيديا” الأميركية.
واسعة النطاق.. لكنها سطحية؟
حققت الصين تقدماً كبيراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولا سيما في الترويج لإمكاناتها التكنولوجية بين دول المنطقة. لكن صفقة “إنفيديا” توحي بأن انخراط التكنولوجيا الصينية في أنحاء المنطقة أوسع نطاقاً منه عمقا.
ورصد مرصد النفود الصيني التابع لـMBN عشرات الاتفاقات الموقعة بين عمالقة التكنولوجيا الصينيين وكل من السعودية والإمارات منذ عام 2018.
وعلى سبيل المثال، وقعت “هواوي” اتفاقاً مع السعودية في عام 2020 لتطوير تقنيات للذكاء الاصطناعي تقدر على قراءة ومعالجة النصوص والكلام باللغة العربية. كما تعمل Alibaba Cloud في المملكة على مشروعات للمدن الذكية.
وعملت SenseTime، وهي شركة متخصصة في تقنيات التعرف على الوجوه ومقرها هونغ كونغ، مع شريك سعودي على أنظمة للذكاء الاصطناعي خلال موسم الرياض، وهو مهرجان الترفيه الأبرز في المملكة.
كما وقعت شركة Baidu، عملاق محركات البحث، شراكات في مجال الحوسبة السحابية وأبحاث القيادة الذاتية مع جهات إماراتية وسعودية في عام 2023.
ولم تُعلن الشروط المالية لكثير من هذه الصفقات على الملأ.
أما أكبر عقد تم الكشف عن قيمته فهو مشروع مشترك لشركة SenseTime بقيمة 206 ملايين دولار، أُعلن عنه في عام 2022.
ويرتكز جانب كبير من هذا النشاط على تطبيقات المراقبة والمدن الذكية، وليس على البنية التحتية الحاسوبية المتقدمة.
وفي المقابل، تبرم الشركات الأميركية صفقات بأحجام مختلفة تماماً.
ففي نوفمبر الماضي، سمحت وزارة التجارة الأميركية لشركة G42، وهي شركة الذكاء الاصطناعي المدعومة من حكومة أبو ظبي التي تتصدر طموحات الإمارات التكنولوجية، ولشركة HUMAIN، وهي شركة للذكاء الاصطناعي مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، بشراء ما يصل إلى 35 ألف شريحة من طراز Nvidia GB300 Blackwell.
وتبلغ قيمة كل صفقة نحو مليار دولار، وإن كان إتمامها مشروطاً بالتزام الشركتين بمتطلبات أمنية ومتطلبات للإبلاغ وضعتها الولايات المتحدة.
كما وقعت HUMAIN اتفاقات مع شركات أميركية، من بينها AMD وCisco وSpacexAI وغيرها لتطوير بنية تحتية تكنولوجية توفر في مجموعها نحو 3 غيغاواط من قدرات الحوسبة المخطط لها.
وفي المقابل، تعهدت السعودية باستثمار تريليون دولار في الولايات المتحدة، بينما التزمت الإمارات باستثمارات تبلغ 1.4 تريليون دولار على مدى عقد.
أسس مستعارة
ولا يعني هذا أن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على التكنولوجيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليست حقيقية.
وقالت شياومينغ لو، مديرة شؤون التكنولوجيا الجيوسياسية في مجموعة أوراسيا، إن دول الخليج باتت قادرة الآن على الاختيار بين المنتجات التي تقدمها القوتان العظميان.
وأضافت أن حكومات المنطقة تريد امتلاك قدراتها الخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن “ليس هناك عدد كبير من المجتمعات التكنولوجية القادرة على تطوير بديل ذي قيمة لنموذج تأسيسي أميركي أو نموذج تأسيسي صيني”.
ويتمثل الحل البديل في البناء على الأعمال التي أُنجزت بالفعل في الولايات المتحدة والصين.
وقالت لو: “تضع عدة نماذج تأسيسية في الطبقة الأساسية، ثم تبني تطبيقك الخاص”، مع تكييفه ليتلاءم مع القيم والثقافة واللغة المحلية.
وبُني K2 Think، وهو نموذج الاستدلال التابع لجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في الإمارات، على نموذج Qwen مفتوح المصدر من Alibaba، ويعمل على أجهزة Cerebras المصنّعة في الولايات المتحدة.
أما شركة HUMAIN السعودية، فتعتمد بصورة شبه كاملة على شراكات أميركية، ويرجع ذلك جزئياً، بحسب لو، إلى التحالف الأمني الذي يجمع السعودية بالولايات المتحدة.
منطقة “بالغة الأهمية”
ومع ذلك، تظل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ساحة بالغة الأهمية بالنسبة للصين لاستعراض ما تستطيع إمكاناتها التكنولوجية القيام به.
وقال جيمس كينغ، الزميل البحثي الأول لشؤون الصين والعالم في تشاتام هاوس، لـSemafor إن الخليج، على وجه الخصوص “بالغ الأهمية للتوسع التكنولوجي الصيني”.
وأضاف للمؤسسة الإخبارية أن ما تفعله الصين هناك يتيح لبكين إثبات أن تكنولوجياتها تضاهي التكنولوجيا الأميركية أو تتفوق عليها.
ويرى بييرو توتسي، المدير الأول لسياسة الصين في معهد “أميركا أولاً للسياسة” أن الرهانات أكبر من أي صفقة منفردة.
وقال في رسالة إلكترونية إلى MBN إن بكين “تسعى إلى وضع المعايير التكنولوجية العالمية، بدءاً من الاتصالات وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي”. وأضاف: “الدولة التي تضع المعايير هي التي تضع القواعد”.
ويعمل نموذج V4 من DeepSeek الصينية، الذي أُطلق في أواخر أبريل، على معالجة استفسارات المستخدمين عبر بنية Ascend من هواوي، ويُقال إنه أول نموذج من فئة النماذج المتقدمة يُبنى حول رقائق سيليكون صينية، رغم أنه يبدو أنه اعتمد بدرجة كبيرة على أجهزة Nvidia أثناء عملية التدريب.
وافتتحت Alibaba Cloud العام الماضي مركز بيانات ثانياً لها في دبي. كما وقعت السعودية مذكرات تفاهم مع الشركات الصينية BOE وKyland وTsinghua Unigroup، تشمل مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
وتتنافس الشركات الصينية، وتفوز في كثير من الأحيان، في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في المنطقة، إذ توفر تطبيقات للتجارة الإلكترونية، وخدمات الحوسبة السحابية، وتطبيقات صناعية، وأنظمة للمراقبة، فضلاً عن بعض البنية التحتية الأساسية التي تتيح تشغيل كل ذلك.
لكن، وكما تشير حالة القاهرة، قد تظل الصفقات الأكبر من نصيب الولايات المتحدة في الوقت الراهن.