مساجد الـ”غرب فوبيا”

يعيش مسلمو الغرب اليوم مأزقا حقيقيا، فـ”إسلامهم يُختطف”، وفق ما يقدر الكاتب والمفكر إبراهيم عيسى.

تيارات الإسلام السياسي تفرض عزلة فكرية عليهم، وتتحكم في منابرهم ومساجدهم، وتحتكر تمثيلهم، بدعوى الخصوصية الإسلامية.

لماذا ينجح المسلم في الغرب علميًا واقتصاديًا، لكنه يعيش حالة خصومة مع حضارته؟

ولماذا يصبح “الإسلاموفوبيا” سلاحًا بيد المتطرفين لتبرير “غرب فوبيا” أشد خطورة؟

في هذا التحليل، يرصد إبراهيم عيسى مفارقات هذا الواقع، ويحذر من ثمن باهظ سيدفعه الجميع بسبب “نفاق” من يدعون الاعتدال وصمت المعتدلين.

هذا هو نص حلقة من برنامج إبراهيم عيسى على منصات “الحرة” الرقمية أُعيد تحريره ليناسب القراءة مع الاحتفاظ قدر الإمكان بحرفية النص كما قدمه على الشاشة.

أزمة الجيل الثالث

أعتقد أنه من المآسي الكبرى، أن المسلمين في أوروبا وأميركا واقعون تحت طائلة الجماعات الإسلامية، والتيارات الإسلامية، والإخوان المسلمين، حتى إنهم خلطوا ما بين الإسلام، والإخوان المسلمين.

أحكي لكم القصة، لنكون مدركين أبعاد الحكاية، وكيف أنا أتصور أن المسلمين في الغرب في خطر حقيقي، ربما أكثر من المسلمين الذين يعيشون في جنبات الشرق الأوسط، والوطن العربي، والبلاد العربية.

لماذا؟

أولًا، مسلمو الغرب مهاجرون، سواء الجيل الأول، أو الجيل الثاني. والكارثة السوداء بدأت تظهر مع الجيل الثاني والجيل الثالث.

وليس بعيدًا عنا جميعًا العدد المخيف من المسلمين الفرنسيين، أو من الفرنسيين المسلمين، ومن الألمان المسلمين، ومن البلجيك المسلمين، الذين انضموا لداعش، والذين انضموا لـ”دولة الخلافة”، وارتكبوا مجازر ومذابح. أيضا البريطاني المسلم الذي تفاخر بأنه حرق الطيار الأردني، أو أنه ذبح الأسرى الأقباط، وما إلى ذلك.

هناك مشكلة كبيرة جدًا. هناك حالة اختطاف للإسلام في الغرب، من الإخوان المسلمين، والتيارات المتطرفة.

لماذا؟

قرر هؤلاء أن يقنعوا المسلم في الغرب أنه ينفصل وينعزل عن الثقافة والحضارة الغربية، بدعوى أنها ثقافة كافرة، وحضارة تريد أن تلوث دينه، وأنه لا بد أن يحتفظ بهويته الدينية، ومن ثم يبني أسوارًا وسياجًا حول هذه الهوية الدينية.

فيحصل ماذا؟

يحصل أن المسلم الذي في لندن يذهب إلى الجوامع التي يسيطر عليها الإخوان المسلمون، أو الجماعات الإسلامية.

80٪ من الجوامع مسيطر عليها الإخوان المسلمون، و%20 للشيعة.

هذه سيطرة وهيمنة من التيارات الإسلامية، والإسلام السياسي، على الجوامع، والجمعيات التي تتحدث باسم الإسلام في الغرب.

أنت تذهب كمسلم، تريد أن تحافظ على شعائر دينك، وعلى تعاليم دينك، فإنت تذهب لتصلي في الجوامع، وتسمع خطبة الجمعة، وتصلي الجمعة في الجامع، وتتضامن معنويًّا وروحيًّا، وتتدفأ بأصحاب ذات الدين معك.

في هذه اللحظة تُستغل.

هذه الحاجة الروحية، والاحتياج الروحاني للمسلم، يتم استغلاله، بأنه يُعبأ أفكاره وعقله بالتطرف، والتخلف، والانفصام، والانفصال عن المجتمع الغربي الذي يعيش فيه، بدعوى أنه مجتمع أخلاقه ومفاهيمه مخالفة للإسلام، ومعادية للإسلام.

وعليك أن تنحصر داخل قوقعتك، وأنك تبقى معنا في الجامع، أو في المؤسسات الدينية هذه، ونحن نتحدث باسمك.

فخ “الخصوصية الإسلامية”

وهنا يحصل أن حتى المؤسسات الغربية: برلمانات، أو جمعيات حقوق إنسان، أو إعلام، أو دوائر بحثية وأكاديمية، بدأت تتعامل مع المسلمين في الغرب، باعتبار أنه لا بد أن نحترم خصوصيتهم.

ما هي “خصوصيتهم” هذه؟

تجدها خصوصية الإخوان المسلمين، ليست خصوصية المسلمين.

بمعنى: أنه يخرج اليسار الغربي، أميركيا أو أوروبيا، ويقول لك: لا، من حق المرأة طالما مسلمة أن تلبس الحجاب، ولا يجب أن نقف ضد الحجاب. على اعتبار أن هذه حرية المرأة المسلمة. لأنهم أقنعوا الغرب أن الحجاب هو الإسلام.

لذلك لما تقرر فرنسا ألا دخول للمحجبات المدارس، يبقى هذا عداء للإسلام، ورفض للإسلام، وكره للإسلام. ليس أن هذا رفض لمفهوم في الإسلام.

أصبح وكأن الإسلام هو مفاهيم الإخوان المسلمين، وآراؤهم، ونظرياتهم. وأصبح الإسلام كأنه هو معزول عن الثقافة والحضارة الإنسانية.

وأصبحت مطالب المسلم، لكي يتميز عن الغرب، وعلشان يتميز عن الحضارة المحيطة، أنه يذهب إلى مدارس إسلامية، وإنه يسمع الوعاظ الإسلاميين، وإنه يفهم دينه على يد الإسلام السياسي.

وهذا يصبح استلابًا للعقل المسلم، لدرجة أن المسلمين في جيلهم الثاني أو الثالث، مع ظروف الهجرة، مع الواقع الاقتصادي، مع الضغط الاجتماعي، مع غياب روح الاندماج، مع وسائل التواصل الاجتماعي، مع قدرة السيطرة والهيمنة الإخوانية، والإسلام السياسي على المنابر، والمساجد، والجمعيات الدينية في أميركا وأوروبا، أصبح المسلم هناك وكأنه على حالة خصومة مع المجتمع الذي يعيش فيه.

هو يعمل، ينجح، يتقاضى أجرًا ومالًا، يصعد في درجات السلم الاجتماعي، أو يتعلم في مؤسساته التعليمية والأكاديمية، أو يتولى مناصب ومهام، أو يعيش بأمان، وتحت قانون لا يميزه عن الآخرين.

كل هذه المفاهيم، أصبح المسلم في الغرب وكأنه ضدها، وكرهها، وبقت قصته مع الحضارة الغربية قصة عداء ورفض، مع أنه يعيش في كنفها.

هناك “جمعية أنصار الشريعة في بلجيكا تدعو لتطبيق الشريعة الإسلامية في بلجيكا!”.

هناك جوامع داخل أوروبا تخطب بتكفير المواطنين الأوروبيين الذين سمحوا لك ببناء هذا المسجد!

“إسلاموفوبيا” و”غرب-فوبيا”

أنت تذهب وتهرب من المجتمع العربي، أو الدول العربية والمسلمة، وتروح للغرب تحت دعوى أنك مضطهد.

وبعد ذلك أول ما تتمكن من الحياة في الغرب، حتى كلاجئ، يبقى مهمتك أن تضطهد الغرب، وتركب السيارة وتدهس مواطنين فرنسيين أو ألمان ماشين في الشارع، لمجرد أنك تريد أن تعلن عن غضبك “لصالح الإسلام، والإسلام، والمسلمين، والدولة الإسلامية”، وأن الغرب يعادي الإسلام.

يا ابني، أنت عايش جوه العالم الغربي!

المسلم في الغرب، الجيل الأول، كان أكثر اعتدالًا، ربما، وأكثر تماشيًا مع أفكاره المعتدلة والوسطية، والمؤمنة بأن الإسلام إسلام حضارة، يتسع للتعايش مع كل الأفكار والقيم.

ويحترم تمامًا فكرة أن هذه المجتمعات الأوروبية، والغربية، والأميركية، سمحت له بهذا التعدد، والتنوع، والمغاير، والمخالف.

فجأة، يأتي لنا الجيل الثاني، والجيل الثالث من المهاجرين أو اللاجئين، الذين هم الذين أفرزوا ما تسمى “الثورة الإسلامية في إيران”، أو “الصحوة الإسلامية” التي خرجت من السعودية، وسيطرة الجماعات الإسلامية.

هذا الإفراز بتاع السبعينيات، هو الذي أدى إلى موجة جديدة للإسلام في الغرب، موجة متعصبة، متطرفة، تعادي الغرب نفسه، والتعايش مع الغرب.

هنا، مأزق شديد، لأنه هناك مفارقات غريبة جدًا تحملها هذه المرحلة.

لدينا كاتب مصري، متخصص في الشأن الإسلامي، قدّم منتجًا فكريًا كبيرًا في نقد الإسلام، وموجود، وعايش في ألمانيا، ويحمل الجنسية الألمانية.

تصور، أن هذا الكاتب، والمفكر، والباحث، قرر أن ينتقل من ألمانيا إلى لبنان، لأنه شعر أن لبنان أكثر أمانًا عليه من ألمانيا!

لماذا؟

لأن الإسلاميين في ألمانيا قرروا اضطهاد هذا المفكر، ويطاردوه، ويتهمونه، ويكفّرونه، لأنه قال: “أنا ضد الإسلام”، و”ملحد”.

لا يتحملوان أفكاره، ولا يتحملون أن يتعايشوا معه.

والتهديدات له بالقتل وصلت إلى حد أن السلطات الألمانية وضعت له حراسة. فيبقى هذا في قلب ألمانيا الغربية، المسلمون فيها مختطفون من قبل تيارات إسلامية لا تحتمل كاتبًا واحدًا يقول كلامًا ضد الإسلام وتحاصره وتطارده وتسعى لقتله. بينما يجد ملجأ في التنويعات الموجودة في لبنان.

يحصل بقى الإبداع الجديد.. إبداع “الإسلاموفوبيا”.

كل مسلم في الغرب، أو مسيحي عربي، يتحدث بأي نقد لأفكار التطرف، والإرهاب، والتعصب، التي ينشرها الإخوان المسلمون، والتنظيمات الإسلامية في الغرب، أو يتحدث بها وعاظ وخطباء في الجوامع والمساجد. أي مسلم يخرج ويقول إن هذه الأفكار ضد مفهوم الإسلام، يواجه على طول بتهمة “الإسلاموفوبيا”.

هذا هو الإبداع المتطرف الجديد.

أي باحث أو كاتب غربي، يُتهم على طول، أول ما يتكلم عن التطرف الديني، بأنه “إسلاموفوبيا”. بينما في حقيقة الأمر، إن الخوف الحقيقي على المسلمين في أوروبا وفي الغرب عمومًا، هو “غرب فوبيا”!

شيء غريب جدًا. ألمانيا تستقبل مليون لاجئ سوري، فيخرج لاجئون سوريون في مظاهرات تؤيد التطرف والإرهاب، وتتهم الغرب بأنه “يعمل مؤامرة صليبية على الإسلام”، وهو الغرب الذي استقبل هؤلاء المهاجرين واللاجئين!

هنا الفصام الرهيب الشنيع. المسلمون المعتدلون الحقيقيون في الغرب، يجب أن ينتبهوا إلى أن إسلامهم يُختطف!

إبراهيم عيسى

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading