لم يعد الوجود الروسي في منطقة الساحل الأفريقي مجرد نشاط لشركات أمنية خاصة تعمل في الظل. وبعد تراجع مجموعة “فاغنر” ومقتل قائدها يفغيني بريغوجين، أعادت موسكو ترتيب وضعها العسكري في القارة عبر “فيلق أفريقيا”، وهو تشكيل أسسته وزارة الدفاع ليحل محل “فاغنر”، ووضعته تحت إشرافها المباشر.
ولا يقتصر هدف الفيلق، كما تقول موسكو، على محاربة الإرهاب والجماعات المسلحة، وإنما يرتبط بتثبيت نفوذها في أفريقيا ومنطقة الساحل، وتأمين موطئ قدم على طرق التجارة والموارد.
وجاء الانتقال من شركة خاصة إلى تشكيل تابع مباشرة لوزارة الدفاع ليسلط الضوء على طبيعة العمليات التي ينفذها الفيلق، والآثار التي تخلفها في القرى والمناطق النائية، والانتهاكات المتعلقة باستهداف مدنيين.
وفي منتصف يونيو الماضي، تعرضت قرية كيرنيا، وسط مالي، لغارة جوية نفذتها طائرة “سوخوي 24” روسية، وفق ما أوردته منظمة “هيومن رايتس ووتش”.
وبحسب المنظمة، سقطت الصواريخ قرب منزل رئيس القرية وفي سوق للماشية، دون أن تشير المعلومات المتاحة إلى وجود قيادي بارز في تنظيم “القاعدة”، أو معسكر تابع لجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في الأماكن المستهدفة.
وأسفرت الغارة عن مقتل 8 مدنيين، بينهم 3 أطفال. ووصفت “هيومن رايتس ووتش” الهجوم بالعشوائي وغير القانوني، وقالت إن طبيعة المكان والضحايا تثير تساؤلات جدية بشأن مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.
غير أن حادثة كيرنيا لم تكن استثنائية، ونهاية العام الماضي نشرت “أسوشيتد برس” شهادات لاجئين من مالي فروا باتجاه حدود موريتانيا، تحدثوا عن انتهاكات خطيرة نسبت إلى مسلحين روس يعملون إلى جانب القوات المالية.
وشملت الشهادات، بحسب الوكالة، اتهامات بالاغتصاب والإعدامات الميدانية وقطع الرؤوس، إضافة إلى إحراق قرى بأكملها.
ووقعت الانتهاكات بعد أشهر قليلة من بروز “فيلق أفريقيا” بوصفه البديل الرسمي لمجموعة “فاغنر”، التي ارتبط اسمها لسنوات باتهامات مماثلة في مناطق مختلفة من القارة.
ولم تقتصر الاتهامات على شهادات الناجين وتقارير المنظمات الحقوقية، وإنما ندّد خبراء تابعون للأمم المتحدة بحالات إعدام ميداني وإخفاء قسري نُسبت إلى القوات المالية بمشاركة عناصر روسية.
كما حذروا من أن بعض هذه الانتهاكات يرقى إلى جرائم حرب، خصوصًا عند استهداف مدنيين على أساس الاشتباه في تعاطفهم مع جماعات مسلحة.
وتكشف أرقام وهويات الضحايا حجم الأزمة بصورة أكثر وضوحا. ووفق بيانات مشروع “أكلد” الذي يرصد النزاعات المسلحة منذ عام 2020، أدت عمليات القوات الحكومية في مالي إلى مقتل أكثر من 8500 شخص، نصفهم تقريبا من المدنيين.
لكن نسبة المدنيين بين القتلى ترتفع إلى نحو 60 في المئة حين كان التنفيذ مشتركا بين القوات المالية والروسية.
أما عندما ينفذ الروس العمليات بشكل منفردة، فتقفز النسبة إلى نحو 90 في المئة.
وتعكس الأرقام، بحسب هيني نسيبيا، الخبير في الشأن الأفريقي لدى مشروع “أكلد”، تحولًا خطيرًا في طريقة إدارة المعارك.
وقتلت الحكومية المالية وشركاؤها الروس في عام 2025 حوالي 800 مدني أكثر ممن قتلتهم الجماعات الجهادية الرئيسية الناشطة في مالي ومنطقة الساحل، مثل جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” و”تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل” المدرجين على قائمة الإرهاب الأميركية.
ولا يعني ذلك أن القوات الروسية والمالية لا تواجه الجماعات الجهادية أو الانفصالية، لكن الصراع تحول إلى حرب استنزاف مكلفة تتكبد فيها جميع الأطراف خسائر كبيرة.
وتتفاقم المشكلة فيما يتعلق بنطاق الاستهداف، ويشير نسيبيا إلى أن ثلث العمليات الهجومية للقوات المسلحة المالية و”فيلق إفريقيا” تقريبا تطال مناطق المدنيين.
وتقول روسيا إنها موجودة في الساحل لمحاربة الإرهاب كما تؤكد الحكومات العسكرية في المنطقة أن التعاون مع موسكو يساعدها على استعادة السيادة ومواجهة الجماعات المسلحة.
لكن خلف هذه الشعارات، تظهر أرقام الضحايا، وشهادات عن قرى محروقة، وتقارير أممية وحقوقية عن إعدامات وإخفاء قسري. وبدلًا من التمييز بين المسلحين والمدنيين، يجري أحيانا التعامل مع قرى أو مناطق بأكملها باعتبارها جزءا من المعسكر المعادي.
ولا يقتصر الأمر على عمليات القتل والاعتقال، إذ تتعرض البنية التحتية، مثل الآبار وأبراج المياه والمراكز الطبية، للتدمير في مناطق يُعتقد أنها واقعة تحت نفوذ الجهاديين أو المتمردين.
والهدف، بحسب نيسبيا، إضعاف أنظمة الدعم التي يعتمد عليها السكان وجعل هذه المناطق غير قابلة للحياة أو السكن، ما يفاقم النزوح ويزيد اعتماد المدنيين على المساعدات.
ويبدو هذا النهج شكلا من أشكال العقاب الجماعي، فالقوات المالية و”فيلق أفريقيا” تتعامل في عدد من مناطق وسط مالي وشمالها مع السكان باعتبارهم متواطئين مع جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” أو مع “جبهة تحرير أزواد”.
وبين الجماعات الجهادية والقوات الحكومية و”فيلق إفريقيا”، يجد المدنيون أنفسهم عالقين في حرب بلا حماية، بينما تتراجع مساءلة المتورطين إلى أولوية تالية.
ويرى نسيبيا أن المشكلة لا ترتبط بغياب المعلومات: فالتقارير والبيانات والشهادات تتراكم منذ سنوات، لكنها تصطدم بضعف الاستجابة الدولية والإقليمية.
ويقول إن المجتمع الدولي لا يستغل أدوات الضغط المتاحة له بما يكفي، بما في ذلك العقوبات والإجراءات القانونية.
فآليات المحاسبة تظل محدودة، بينما يتواصل الإفلات من العقاب بالنسبة إلى مختلف أطراف النزاع، سواء كانوا جماعات مسلحة، أو قوات حكومية، أو ميليشيات موالية للسلطة.. أو شركاء روس.