أحد الأسباب الرئيسية لعدم انتهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة هو أن إيران لا تريد لها أن تنتهي. فالحرب تخدم حاليا مصالح النظام في طهران بدرجة تفوق بكثير ما يمكن أن يحققه السلام. وانقضاء مهلة الستين يوما هذا الأسبوع للتوصل إلى اتفاق سلام، وهي المهلة التي نصّت عليها مذكرة تفاهم باتت الآن بلا قيمة بين الولايات المتحدة وإيران، ليس مدعاة للندم بالنسبة إلى نظام ارتبط مصيره بالحرب.
قد يبدو ذلك مفاجئا للوهلة الأولى. فقد أدت الحرب إلى مقتل آلاف الإيرانيين، وإصابة عشرات الآلاف، وتسببت في أضرار بمئات مليارات الدولارات طالت الجسور والطرق السريعة والسكك الحديدية والمطارات. كما تعرضت القيادة العسكرية والسياسية للبلاد لضربة قاسية، مع مقتل المرشد الأعلى وتواري خليفته عن الأنظار. وتوقفت مبيعات النفط تقريبا، ما ألحق أضرارا بالغة بالاقتصاد الإيراني.
في مواجهة مثل هذه الخسائر، تشير أي قراءة للسلوك العقلاني إلى أن طهران يفترض أن تسعى إلى السلام. لكن السلام من شأنه أن يضعف بصورة جوهرية الركائز التي يستند إليها النظام، وأن يجرد الحرس الثوري الإيراني الذي تعزز نفوذه حديثا، من حالة الطوارئ التي أتاحتها الحرب له لفرض إرادته على رئيس البلاد والبرلمان ووزارة الخارجية. وفي زمن السلم، سيتعين على مجتبى خامنئي الضعيف، الذي يُعتقد على نطاق واسع أن إصابته أثرت في قدراته، أن يخرج في نهاية المطاف من مخبئه. كما أن عودة البلاد إلى حالة من الاستقرار النسبي ستكشف الوضع الاقتصادي المتردي في إيران وأسبابه المتجذرة في سوء الإدارة والفساد، وليس الحرب. وكل مسار يقود إلى التفاوض يهدد نموذج السيطرة الذي يعتمد عليه النظام في زمن الحرب.
لدى النظام كل الأسباب التي تدفعه إلى إبقاء هذه الحرب مستمرة. وهذه ثلاثة أسباب لذلك:
سيطرة كاملة للحرس الثوري
أصبح الحرس الثوري الإيراني – الذي تصنّفه واشنطن منظمة إرهابية- دولة داخل الدولة. وبفضل أذرعه الممتدة عميقا في كل جوانب الاقتصاد الإيراني وحياة المواطنين اليومية، يسيطر الحرس على إنتاج النفط والغاز، ومشروعات البناء، والاتصالات، والمؤسسات المالية، وقطاعات أخرى لا حصر لها.
وهذا التطور، الذي تبلور على مدى سنوات طويلة، تسارع خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2021، اشتكى وزير الخارجية آنذاك جواد ظريف من أن الحرس الثوري يمتلك نفوذا على السياسة الخارجية الإيرانية يفوق نفوذ وزارة الخارجية.
والأمر أكثر وضوحا الآن، بعدما أوجدت الحرب أزمة خلافة استغلها الحرس الثوري. فبعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في بداية الحرب، نصب قادة الحرس الثوري، بقيادة العميد أحمد وحيدي، نجله مجتبى خلفا له، بوصفه واجهة للنظام.
وعُيّن وحيدي، القائد المؤسس لفيلق القدس ووزير الداخلية السابق، قائدا عاما للحرس الثوري، في إطار عملية إعادة ترتيب داخل النظام وضعت نحو 6 من كبار قادة الحرس المخضرمين في مناصب عليا. كما عُيّن محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، أمينا جديدا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وممثلا شخصيا للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي في المجلس.
وحتى لو كان مجتبى يتمتع بصحة جيدة، فإنه يفتقر إلى الشرعية الثورية التي امتلكها والده وإلى سلطته المستقلة. فهو لا يزال اسميا في أقوى منصب في البلاد، لكنه شخصية غامضة ظل وجهها وصوتها بعيدين عن الجمهور منذ توليه المنصب، ولا يستمر فيه إلا لأن قادة الحرس الثوري يدعمونه في زمن الحرب. ومن دون تهديد خارجي، قد تسعى أطراف أخرى إلى زيادة نفوذها والطعن في شرعية مجتبى.
ومع صعود الحرس الثوري، تراجعت سلطة الرئيس مسعود بزشكيان بشدة. فقبل اندلاع الأعمال القتالية، كان يمارس سلطة تنفيذية حقيقية على تعيينات الحكومة وإدارة شؤون الدولة المدنية. لكن منذ بداية الحرب، عرقل الحرس الثوري تعييناته وقلّص صلاحياته. ولا يستطيع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ولا وزير الخارجية عباس عراقجي التحرك من دون موافقة الحرس الثوري أيضا.
وبعبارة أخرى، أصبح الحرس الثوري الآن لا يخضع فعليا إلا لمرشد أعلى لا يظهر للعلن. وللحرب الفضل في حصوله على مخصصات تتجاوز 3.11 كوادريليون ريال (6 مليارات دولار) في الموازنة الحالية، أي ما يقرب من ضعف مخصصات الجيش النظامي البالغة 1.77 كوادريليون ريال (3.4 مليارات دولار).
ومن دون تهديد خارجي قائم، قد تتعثر السيطرة الكاملة للحرس الثوري. وقد يحاول بزشكيان استعادة سلطته التنفيذية، بينما قد تضغط مؤسسات أخرى للعودة إلى المسارات الدستورية.
أذرع إيران والنفوذ الإقليمي
مع استمرار هذه الحرب، تحافظ إيران على أهميتها الاستراتيجية. ورغم أن الجمهورية الإسلامية لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل عسكريا بالمعنى التقليدي، فإن بإمكانها أن تبقى قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها من خلال وكلائها، والهجمات العابرة للحدود، وإظهار استعدادها لخوض المواجهة حتى النهاية. وكما قالت منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، بإيجاز: “استراتيجية إيران في الحرب: لا تضبط التصعيد – بل تصعّده”.
ويتيح استمرار الصراع لإيران تعزيز دورها التخريبي المستمر منذ عقود، وجعل الشرق الأوسط أكثر فأكثر “منطقة محظورة” بالنسبة إلى خصومها. ويستخدم الحرس الثوري الآن، بسعادة واضحة، قدرته على إغلاق مضيق هرمز، محتفظا بحق النقض على ما يعادل خُمس حركة نقل النفط العالمية، وبقدرة هائلة على إرباك الاقتصاد العالمي.
وقد أتاحت مذكرة التفاهم التي توسط فيها الوسطاء في 14 يونيو لإيران مسارا لإنهاء الحرب. لكن سلوك هذا المسار كان سيتطلب من طهران التخلي عن نفوذها الذي اكتسبته خلال الحرب على مضيق هرمز. ورفضت طهران ذلك، مؤكدة موقفها عبر شن هجمات على الملاحة البحرية في يوليو أدت إلى انهيار المحادثات بالكامل.
ومن وجهة نظر إيران، كان السلام وفق الشروط المقترحة في مذكرة التفاهم سيعيد ورقة هرمز إليها من دون مقابل. فما إن يُعاد فتح المضيق بحرية في ظل ظروف سلمية، حتى تتخلى إيران عن النفوذ الذي تتمتع به حاليا في تعطيل حركة الولايات المتحدة، ومنتجي النفط الخليجيين، والمشترين الآسيويين.
وللمرة الأولى في تاريخها، هاجمت الجمهورية الإسلامية جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست: السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان. وأطلقت إيران وابلا غير مسبوق من الصواريخ والطائرات المسيّرة، مستهدفة مصافي النفط والمنشآت العسكرية في أنحاء المنطقة. وأثبتت أنها قادرة على تحييد كل هدف اقتصادي وعسكري رئيسي في الخليج في الوقت نفسه. ويُبقي استمرار الحرب هذا التهديد قائما فوق المنطقة.
كما تُبقي الحرب وكلاء الحرس الثوري في المنطقة، ومن بينهم حزب الله في لبنان، والميليشيات في سوريا والعراق، والحوثيون في اليمن، وحماس في غزة، معتمدين على طهران في الأسلحة والتمويل والتنسيق. وفي زمن الحرب، تصبح لدى طهران حوافز أكبر لتمويل هؤلاء الوكلاء لمهاجمة خصومها.
وفي نوفمبر الماضي فقط، كان الشرق الأوسط يحتل المرتبة الرابعة، بعد نصف الكرة الغربي وآسيا وأوروبا، في أولويات إدارة ترامب الإقليمية، وفق ما ورد في استراتيجية الأمن القومي للبيت الأبيض. وجاء في الوثيقة أن “إيران – القوة الرئيسية المزعزعة للاستقرار في المنطقة – أضعفتها بشدة التحركات الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023 وعملية (مطرقة منتصف الليل) التي نفذها ترامب في يونيو 2025، والتي ألحقت أضرارا كبيرة بالبرنامج النووي الإيراني”.
وفي زمن الحرب، رفعت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط إلى 50 ألف جندي، كما نُقلت مجموعتان قتاليتان لحاملات طائرات أميركية إلى المنطقة.
وربما لم تكن طهران ترغب في رؤية هذا الحشد من القوة العسكرية الأميركية في المنطقة، لكنها بعد أن أصبح موجودا بالفعل، قد تكون لديها مصلحة في بقائه. فكل يوم إضافي من الحرب يُبقي قوة أميركية مركزة ومكشوفة في مرمى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية ووكلائها. وتمتلك طهران ما يُعرف في المصطلحات العسكرية بـ”الخطوط الداخلية”، أي ميزة العمل بالقرب من أراضيها وسلاسل إمدادها وتعزيزاتها.
ويمكن القول إن طهران تحتاج فقط إلى جعل الانتشار العسكري الأميركي مكلفا، وقد نجحت في ذلك. فقد انخفضت مخزونات الولايات المتحدة من صواريخ الاعتراض “باتريوت” إلى ما يزيد قليلا على ثلث مستواها قبل الحرب. وفي أوائل يونيو، قدّر كبير الاقتصاديين في “موديز أناليتكس” تكلفة الحرب على الولايات المتحدة بنحو 100 مليار دولار، وهذه التكاليف لم تتوقف عن الارتفاع منذ ذلك الحين.
كما أن السلام سيعرقل البرنامج النووي الإيراني بدرجة أكبر مما فعلت القنابل. فكل أسبوع يمر من دون تسوية يعني أسبوعا آخر من دون مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. واستغلت طهران الفراغ الناجم عن ظروف الحرب لمواصلة البناء في مواقع مثل “جبل الفأس”. وأي اتفاق سلام سيترتب عليه تكثيف عمليات التفتيش التي يفضل النظام تجنبها.
القمع في الداخل
يقدم التاريخ الكثير من الأمثلة على تهديد خارجي، حقيقي أو مختلق، يبرر منح المؤسسات ذات الطابع العسكري دورا مهيمنا في دولة سلطوية؛ ويأتي هتلر وستالين وفرانكو إلى الذهن. ويمكن العثور على أصداء لهذا الوضع في مصر وميانمار وباكستان اليوم.
ويتيح الصراع الخارجي للنظام تحميل العقوبات مسؤولية الصعوبات الاقتصادية، بدلا من سوء الإدارة والفساد اللذين عانا منهما النظام الإسلامي منذ تأسيسه. وتتيح الحرب للنظام تفادي المساءلة عن نحو خمسة عقود من فشل الاقتصاد.
بدأت الحرب بعد سبعة أسابيع فقط من قتل قوات الأمن الإيرانية آلافا من مواطنيها في 8 و9 يناير. لكن بعد أقل من شهرين، انتقل اهتمام العالم إلى قادة إيران الذين قُتلوا وإلى مضيق هرمز.
وفي زمن الحرب، يمكن تبرير تشديد القيود الأمنية، وحشد المشاعر القومية، وتصوير المعارضة على أنها غير وطنية وخائنة. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب وحدها، اعتُقل أكثر من 6,000 شخص تعسفيا، بينهم محتجون وصحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان. واستخدمت السلطات التهديدات الخارجية ذريعة لتنفيذ اعتقالات جماعية، وعمليات إخفاء قسري، وتسريع المحاكمات.
دروس حرب الأيام الـ 12
بعد الصراع القصير الذي اندلع العام الماضي بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، وجد النظام نفسه أمام مهمة لملمة ما تبقى، في ظل غياب تهديد خارجي مباشر. ولم يكن الطريق إلى الأمام واضحا. وخلال أشهر، أصبح الضغط الداخلي لا يُحتمل. ودخلت العملة الإيرانية في دوامة انهيار حر. وأدى الانحدار الاقتصادي إلى اندلاع احتجاجات في أواخر ديسمبر، سرعان ما انتشرت في أنحاء البلاد.
وردّ النظام بالاعتقالات وعمليات الإعدام للحفاظ على سيطرته. وهذا هو شكل السلام بالنسبة إلى طهران: معارضة خارجة عن السيطرة، وانهيار للعملة، وصراع داخلي بين أجنحة النظام، والحاجة إلى عمليات قتل جماعي لقمع المعارضة.
وفي هذا السياق، تصبح الحرب خيارا أفضل، وكلما طال أمدها كان ذلك أفضل. وقال ضابط في الحرس الثوري في مقابلة مع “بي بي إس” الأسبوع الماضي: “إحدى الطرق هي إطالة أمد هذه الحرب حتى نصل إلى الولاية الرئاسية المقبلة ونستنزفهم”. وأضاف: “كونوا على ثقة، حتى لو استمرت هذه الحرب لسنوات، فإن صواريخ إيران ستُطلق حتى اليوم الأخير”.
اشتعلت نيران الصراع في 28 فبراير. وبعد ما يقرب من نصف عام، بات لدى الحرس الثوري حافز لإشعالها أكثر من إخمادها، وإبقاء أعدائه مستنزفين، والحفاظ على بقائه في السلطة.