واشنطن العاصمة 03:29 PM

مصر.. انتقادات لدعوات تغيير الدستور من أجل الرئيس

مخاوف من تمهيد سياسي لتكريس استمرار السيسي في السلطة وتجاوز مبدأ تداول الحكم، رغم تعهداته بتسليم السلطة عام 2030.

· 4 دقيقة قراءة
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلوّح بيده من داخل سيارة لدى وصوله إلى قصر مرديكا الرئاسي في جاكرتا، إندونيسيا، 11 أكتوبر 2026. تصوير: أجينغ دينار أولفيانا – رويترز.
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلوّح بيده من داخل سيارة لدى وصوله إلى قصر مرديكا الرئاسي في جاكرتا، إندونيسيا، 11 أكتوبر 2026. تصوير: أجينغ دينار أولفيانا – رويترز.

أثارت دعوات أطلقها إعلاميون مصريون مقربون من السلطة لتعديل الدستور بما يتيح للرئيس عبد الفتاح السيسي البقاء في الحكم بعد عام 2030، انتقادات بشأن دوافعها وتوقيتها، لا سيما في ضوء تأكيدات الرئيس المصري أنه لا يسعى إلى الاستمرار في السلطة بعد انتهاء ولايته الحالية.

ويرى سياسيون ونواب مصريون تحدثوا لـ “الحرة” أن هذه الدعوات قد تكون مدفوعة من أطراف داخل السلطة بهدف اختبار ردة فعل الشارع، معربين عن مخاوفهم من أن تتجاوز مجرد طرح إعلامي لتمهد لتوجه سياسي يستهدف تغيير الدستور وبقاء الرئيس.

وقال الإعلامي المصري والنائب البرلماني مصطفى بكري، في مداخلة تلفزيونية مع الإعلامي المصري عمرو أديب إن “من حق الشعب تعديل الدستور أو الدعوة إلى كتابة دستور جديد، وعندها سيكون من حق السيسي الترشح للرئاسة لمدد أخرى”، وبرر هذه الدعوة باعتبار أن “الدولة تعيش ظروفا استثنائية”.

وتواجه مصر أزمة اقتصادية حادة خلال السنوات الأخيرة تمثلت في تراجع كبير في قيمة العملة المحلية أمام الدولار، وتضخم الأسعار وتفاقم أعباء الدين الخارجي.

وفي السياق نفسه، دعا الإعلامي المصري أحمد موسى إلى تعديل الدستور مجددا، مشيرا إلى أنه سبق تعديله أكثر من مرة، بعد عام 2011 وفي عام 2019، ومتسائلا عن سبب عدم تكرار ذلك، معتبرا أن “هذه هي الديمقراطية”، على حد قوله.

وتنتهي فترة حكم السيسي الحالية عام 2030، ليكون قد أمضى 16 عاما في الرئاسة. وكان السيسي قد ترشح للرئاسة للمرة الأولى بموجب دستور 2014، الذي حدد مدة الولاية الرئاسية بأربع سنوات، وبحد أقصى فترتين متتاليتين. لكن تعديلات دستورية أُقرت عام 2019 رفعت مدة الولاية إلى ست سنوات، وأتاحت مادة انتقالية استثنائية للسيسي الترشح لولاية إضافية، لتنتهي ولايته الثانية في 2030.

وقال السيسي، في منتصف أكتوبر الماضي، خلال ندوة تثقيفية إن “للدولة دستورا وافقنا عليه (..) لن يمسه أحد”، وأعلن أنه سيقوم بتسليم السلطة لرئيس جديد في 2030.

ورغم تصريحات السيسي، جاء دعوات الإعلاميين المصريين، لتثير تساؤلات في الأوساط السياسية بشأن الهدف منها والجهات التي تقف وراء طرحها.

ويواجه الإعلام المصري انتقادات واسعة من منظمات دولية بشأن غياب الاستقلالية، في ظل هيمنة مؤسسات وأجهزة تابعة للدولة على قطاعات واسعة من المشهد الإعلامي.

وقال حسام مؤنس، السياسي المصري المستقل، لـ”الحرة” إن من المتوقع، بعد تصريحات السيسي، أن “تحاول بعض الأصوات الدفع بالحديث المعتاد والمكرر حول الاستقرار وإرادة الشعب وغيرها من المقولات التي تبدو محقة في ظاهرها، بينما يراد بها حرمان الشعب من حقه في تداول السلطة بشكل دستوري لأول مرة في تاريخ مصر”.

ومنذ إعلان الجمهورية عام 1953، توالى على حكم مصر رؤساء ينتمون للجيش كانوا بالترتيب: محمد نجيب، جمال عبد الناصر، أنور السادات، حسني مبارك، ثم عبد الفتاح السيسي (منذ 2014).

وعرفت مصر حالتين استثنائيتين لحكم مدني: الأولى عند وصول محمد مرسي، مرشح جماعة الإخوان المسلمين (المدرجة كمنظمة إرهابية في الولايات المتحدة)، إلى الحكم عام 2012، والذي انتهى بعد عام واحد عقب احتجاجات شعبية واسعة.

كما تولى رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور الرئاسة لفترة انتقالية دامت نحو عام بعد إطاحة مرسي في 2013.

ويقول فريدي البياضي، عضو مجلس النواب المصري، نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي لـ”الحرة” إن دعوات تعديل الدستور “تربط معنى الدولة والاستقرار بشخص”، ويرى أن “الاستقرار الحقيقي تصنعه مؤسسات قوية وقواعد دستورية مستقرة تسمح بتداول السلطة”.

ويضيف، أنه لا يجوز اعتبار تصريحات إعلاميين حول تغيير الدستور أو كتابة دستور جديد، مهما كانت درجة قربهم من السلطة، قرارا صادرا عن الدولة، ويرى في تكرار هذه الدعوات محاولة لجس نبض الرأي العام وتطبيع فكرة التمديد، حتى لو قدمها أصحابها باعتبارها اجتهادات شخصية.

وتنص المادة 226 من الدستور المصري على أنه يحق “لرئيس الجمهورية، أو لخُمس أعضاء مجلس النواب، طلب تعديل مادة، أو أكثر من مواد الدستور.. ويناقش مجلس النواب طلب التعديل خلال ثلاثين يوما من تاريخ تسلمه، ويصدر المجلس قراره بقبول طلب التعديل كليا، أو جزئيا بأغلبية أعضائه”.

ويحق للرئيس المصري تعيين ما يصل إلى 5% من أعضاء مجلس النواب، وفق المادة 102 من الدستور المصري. وفي المجلس الحالي، عيّن 28 نائبا من أصل 596 عضوا، أي نحو 4.7% من إجمالي الأعضاء.

وتتمتع الرئاسة بنفوذ واسع داخل البرلمان المصري، في ظل أغلبية موالية للسيسي، ما يرجح تمرير التشريعات والقرارات التي تتماشى مع توجهاته، مع محدودية فرص الاعتراض عليها. غير أن السيسي لم يعلن عزمه التقدم بطلب إلى البرلمان لتعديل الدستور.

ويتوقع مؤنس أن تكون دعوات التغيير مطروحة من قبل أجنحة داخل السلطة أو مؤيدي الرئيس أو شبكات مصالح مستفيدة، مشيرا إلى أن الأهم هو ألا تتحول هذه الآراء إلى حملات تتسع لتغيير ما أعلنه الرئيس المصري.

ودعا في الوقت نفسه، إلى أن تكون هناك خطوات واضحة للإصلاح السياسي والانفتاح بما يسمح بتأهيل قيادات وكوادر تستطيع أن تسلك مسارات الترشح للرئاسة دون أطر محددة تحرم من يرغب في الترشح من هذا الحق طالما استوفى الشروط الدستورية.

وتشير تقارير حقوقية دولية إلى استمرار القيود على الحريات العامة في مصر، بما يشمل حرية التعبير والتظاهر وتكوين الجمعيات، إلى جانب ملاحقة صحفيين ونشطاء ومعارضين واحتجاز بعضهم لفترات طويلة قبل المحاكمة، وفق منظمة هيومن رايتس ووتش.

وعند تأكيده على الرغبة في تسليم السلطة بنهاية فترته الرئاسية، تحدث السيسي عن إمكانية خضوع عدد من الأشخاص من حاملي الدكتوراه لتدريبات في الأكاديمية العسكرية لمدة 30 شهرا، حتى يتم اختيار الرئيس من بينهم بالإضافة إلى مناصب الوزراء والمحافظين.

وأصبحت الأكاديمية العسكرية المصرية، جزءا أساسيا من إجراءات التعيين لشغل الوظائف الحكومية في مصر بقطاعات القضاء والأوقاف والتعليم وغيرها، وذلك منذ تأسيسها عام 2022.

ودعا البياضي نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي إلى توسيع فرص الاختيار أمام المصريين عبر فتح المجال العام، وضمان حرية الإعلام، وتقوية الأحزاب، وإجراء انتخابات تنافسية، بدلا من اختزال الديمقراطية في محاولة خلق الظروف لاستمرار الرئيس.