أضرم البائع المتجول التونسي محمد البوعزيزي النار في جسده في 17 ديسمبر 2010، مطلقاً شرارة احتجاجات أطاحت الرئيس زين العابدين بن علي، وأسهمت في إشعال انتفاضات الربيع العربي في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وطالب المتظاهرون بالكرامة وفرص العمل ووضع حد للفساد. وبعد خمسة عشر عاماً، تعيد المظالم ذاتها تقريباً التونسيين إلى الشوارع.
في 23 أكتوبر، اندلعت مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين في تونس العاصمة ومناطق أخرى من البلاد، إثر سقوط مدنيين قتلى على أيدي قوات الأمن، فيما يتصاعد الغضب إزاء تدهور الظروف المعيشية وسوء الخدمات العامة.
وتأتي هذه الاضطرابات عقب أكبر مظاهرة مناهضة للحكومة منذ سنوات، شهدتها البلاد في 17 أكتوبر، حين احتشد آلاف المتظاهرين في العاصمة احتجاجاً على تركيز الرئيس قيس سعيّد السلطات في يده والقيود المفروضة على المعارضة السياسية.
واللافت أن المحتجين الذين احتشدوا رددوا الشعار نفسه الذي اشتهروا بترديده خلال ثورة الياسمين في عامي 2010 و2011: “الشعب يريد إسقاط النظام”. وقد عكس اختيارهم لهذا الشعار إخفاق القيادات السياسية التي تولت الحكم بعد الثورة في معالجة الإحباطات الاقتصادية والسياسية ذاتها التي دفعت التونسيين إلى الشوارع آنذاك.
واليوم، يواجه التونسيون رئيساً وصل إلى السلطة متعهداً بإصلاح النظام الذي فقد كثيرون منهم الثقة به ورفضوه.
الأفول البطيء للربيع العربي
عقب الإطاحة ببن علي عام 2011، شرّعت تونس الأحزاب السياسية التي كانت محظورة، وأجرت أول انتخابات حرة في تاريخها. وفازت حركة النهضة، وهي حركة سياسية إسلامية تتأثر بفكر جماعة الإخوان المسلمين، بأكبر حصة من المقاعد في الانتخابات الأولى، وأصبحت القوة الرئيسية في أول حكومة تشكلت بعد الربيع العربي. لكن مسار التحول الديمقراطي في البلاد سرعان ما اصطدم بعقبات جسيمة.
وفي عام 2013، أدى اغتيال المعارضين السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي إلى تصعيد الاستقطاب السياسي وتفاقم الاحتجاجات الشعبية. وفي نهاية المطاف، وافقت حركة النهضة على التخلي عن قيادة الحكومة لمصلحة حكومة تصريف أعمال من التكنوقراط، ما ساعد على تمهيد الطريق لإقرار دستور جديد عام 2014.
وأظهر هذا التوافق أن القوى السياسية التونسية قادرة على حماية المسار الانتقالي من خلال التفاوض، وهي تجربة حظيت لاحقاً باعتراف دولي عندما مُنحت الشخصيات السياسية المشاركة في تلك المفاوضات جائزة نوبل للسلام لعام 2015.
غير أن الاختراق الديمقراطي لم يعالج المشكلات الأساسية التي يعاني منها البلد. فقد أدى هجومان إرهابيان كبيران في عام 2015 إلى تصاعد المخاوف بشأن الأمن الداخلي، فيما استمر تفاقم الإحباط الشعبي بسبب البطالة والتفاوت بين المناطق وتراجع مستويات المعيشة. ونجحت التسويات السياسية في الحفاظ على الديمقراطية، لكنها لم تحقق كثيراً من التحسينات الأخرى التي كان التونسيون يتطلعون إليها.
وأوجدت هذه الإخفاقات فرصة لصعود سعيّد. فبعد انتخابه رئيساً عام 2019 على أساس برنامج مناهض للمنظومة السياسية القائمة، استفاد من تنامي خيبة الأمل إزاء الأحزاب السياسية ونظام رأى كثير من التونسيين أنه عاجز عن تحقيق النتائج المرجوة.
ووفقاً لأليسا بافيا، الزميلة البارزة غير المقيمة في برنامج شمال أفريقيا التابع للمجلس الأطلسي، فإن فضائح الفساد التي تورطت فيها النخبة السياسية، إلى جانب عجز الحكومات المتعاقبة عن تحسين الأوضاع الاقتصادية، أسهمت في تقويض ثقة المواطنين بالنظام الذي نشأ بعد الثورة. وقدّم سعيّد نفسه باعتباره شخصية من خارج المنظومة السياسية، قادرة على مواجهة الفساد وإعادة المساءلة.
لكن هذا التأييد لم يكن يعني بالضرورة أن الناخبين أرادوا بديلاً سلطوياً. وكما توضح بافيا، كان كثير من التونسيين يبحثون عن تحسينات ملموسة في حياتهم اليومية: فرص عمل أفضل لأبنائهم، وتكاليف معيشة أكثر قدرة على الاحتمال، ووضع حد للصراعات السياسية. وعكس انتخاب سعيّد عام 2019 هذه التطلعات، ولم يكن بالضرورة تفويضاً له بتركيز السلطات في يده على النحو الذي حدث لاحقاً.
وفي يوليو 2021، علّق سعيّد عمل البرلمان ومضى في إحكام قبضته على السلطة الرئاسية، مقدماً خطواته باعتبارها وسيلة لكسر الجمود السياسي واستعادة فاعلية الحكومة. وبينما فكك الضوابط التي كانت تحد من سلطاته، ظلت المظالم الاقتصادية التي قوضت الثقة بالنظام الذي أعقب الثورة من دون معالجة.
المظالم الاقتصادية لم تختف
لم تبدأ الإحباطات الاقتصادية في تونس مع قيس سعيّد. فقبل ثورة 2011، حقق البلد نمواً اقتصادياً معتدلاً بلغ متوسطه نحو 3 إلى 4 في المئة سنوياً، لكن اقتصاده ظل مقيداً بالتنظيمات الحكومية المشددة، وتدخل الدولة، والسياسات التي فضّلت الصناعات الموجهة للتصدير على حساب تعزيز الإنتاجية المحلية على نطاق أوسع. ووفقاً لسابينا هينبيرغ من معهد واشنطن، فإن “الدولة المتغولة” في تونس ونظامها التحكمي أحبطا الاستثمار، في الوقت الذي أتاحا فيه المجال لازدهار الفساد.
واستمرت هذه المشكلات الهيكلية بعد الثورة. فقد عجزت القيادات السياسية الجديدة عن معالجة البطالة، ولا سيما بين الشباب وخريجي الجامعات، وكذلك التفاوت الإقليمي بين المناطق الساحلية الأكثر ازدهاراً والمناطق الداخلية التي عانت التهميش تاريخياً. وزاد ضعف النمو ومحدودية الاستثمار الخاص وتراكم الدين العام من تقويض الثقة، ما أتاح المجال أمام وعود سعيّد بمكافحة الفساد واستعادة فاعلية الحكومة.
لكن السياسات الاقتصادية التي انتهجها سعيّد لم تحقق حتى الآن نتائج تذكر. فقد أدى رفضه اتفاق التمويل المدعوم من صندوق النقد الدولي إلى الحد من قدرة تونس على الاقتراض من الأسواق الدولية، فيما أدى الاعتماد على الاقتراض المحلي إلى تحويل أموال كان يمكن توجيهها لدعم الشركات الخاصة والاستثمار، وهو ما قد يسهم في زيادة التضخم.
كذلك تعهد سعيّد باسترداد الأموال العامة التي يُزعم أن مسؤولين ورجال أعمال سابقين استولوا عليها. وتشير هينبيرغ إلى أن هذه الجهود تتطلب وجود مؤسسات قضائية وتحقيقية فاعلة. لكن الاعتقالات التي تستند إلى مبررات مشكوك فيها والمخاوف المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة أثارت شكوكاً بشأن الكيفية التي ستُنفذ بها تلك الوعود.
وأفضت تدابير اقتصادية أخرى أيضاً إلى نتائج عكسية غير مقصودة. وتشير هينبيرغ إلى محاولة لم تُحسن الحكومة تنفيذها لإنهاء ممارسات التعاقد من الباطن، الأمر الذي أدى، بحسب قولها، إلى عزوف شركات دولية عن العمل في تونس.
وتقول هينبيرغ إن الاستياء من سعيّد “يتزايد بالتأكيد” في تونس، لكن ليس من الواضح ما إذا كان لديه ما يقدمه لاحتوائه. كما لا يبدو أن المعارضة الحالية تضم شخصيات قادرة على تقديم بديل جاد.
وقاد الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو المنظمة النقابية الوطنية التي يزيد عدد أعضائها على مليون، احتجاجات أكتوبر 2026، ولعب دوراً حيوياً في المراحل السابقة من المرحلة الانتقالية. لكن نجاحه الأخير في حشد قوى معارضة متنوعة لم يترجم بعد إلى خطة ملموسة لإيجاد حلول للمشكلات المستعصية التي تعاني منها البلاد.
وتقول بافيا إن الاستياء من سعيّد لا يعني تلقائياً وجود ثقة في المعارضة. فبعد سنوات من الإحباط إزاء الأحزاب التي تولت الحكم عقب الثورة، سيتعين على أي بديل أن يثبت ليس فقط التزامه بالحريات السياسية، بل أيضاً امتلاكه خطة موثوقة لتحسين مستويات المعيشة.
مشهد سياسي متغير
على الرغم من أن عودة الشعارات الثورية تمثل رمزاً قوياً، فإنها لا تعني أن تونس عادت إلى الظروف السياسية نفسها التي أدت إلى انهيار نظامها عام 2011.
ففي ذلك العام، واجه التونسيون حكومة سلطوية. أما اليوم، فهم يواجهون رئيساً حظي بتأييد شعبي بعدما تعهد بتصحيح إخفاقات النظام الذي نشأ بعد الثورة. ويختلف المشهدان من الناحية السياسية، لكنهما يشتركان في مشكلة جوهرية واحدة: قدرة الحكومة على تحقيق تحسينات اقتصادية، مع بقائها خاضعة للمساءلة أمام مواطنيها.
ويُعد استمرار النشاط المدني للتونسيين مؤشراً مشجعاً. وينبغي أن يكون تذكيراً بأن معالجة المشكلات العميقة التي تعاني منها البلاد ستظل مستحيلة من دون الحفاظ على الحريات الديمقراطية التي لا تزال عزيزة على مواطنيها.