جاء قرار قطر تخفيض ميزانيات عدد من إداراتها الحكومية بنسبة تصل إلى 30 بالمئة مؤشرا واضحا على انتقال تأثيرات الحرب من منشآت الطاقة والممرات البحرية إلى مجالات أخرى بينها الإنفاق الحكومي.
وبينما لم تتخذ دول المنطقة قرارات مماثلة حتى الآن، تعكس الأرقام ضغوطا اقتصادية كبيرة، بعدما أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتراجع صادرات النفط والغاز إلى زيادة الأعباء، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق لحماية المنشآت وتأمين الغذاء والطاقة.
وتملك أغلب دول الخليج احتياطيات وصناديق سيادية ضخمة، لكن قدرة تلك الدول على مواجهة الأزمة تتفاوت بحسب درجة اعتمادها على المضيق، ومرونة موازناتها.
وبالإضافة إلى قرار تخفيض الميزانيات الحكومية، لجأت الدوحة إلى تقليص تمويل المساعدات الخارجية بنحو 85 بالمئة.
وتعرضت قطر إلى ضربة اقتصادية قوية بعد تضرر منشآت الغاز العملاقة في رأس لفان، وتعطل جانب كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال التي تمثل المصدر الرئيسي للإيرادات.
وأعلنت وزارة المالية القطرية تسجيل عجز قدره 10.3 مليار ريال، أي نحو 2.8 مليار دولار، خلال الربع الأول من 2026، مقابل 500 مليون ريال خلال الفترة نفسها من 2025.
وقفز العجز بذلك إلى أكثر من 20 ضعفا خلال عام واحد.
وتزامن اتساع العجز مع انخفاض الإيرادات بنسبة 23.5 بالمئة إلى 37.8 مليار ريال مقارنة بالربع الأول من العام الماضي.
ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي القطري بنسبة 8.6 بالمئة خلال 2026، وهي النسبة الأعلى بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي.
وتمثل الخطوة القطرية، حتى الآن، حالة فردية لا يجب تعميمها، بحسب الخبير الاقتصادي عواد النصافي، باعتبار أن الدوحة تعرضت لصدمة تشغيلية ضربت مصدر إيراداتها الأساسي.
لكن الاتجاه نحو ضبط الإنفاق يبدو مطروحا أيضا في بقية دول الخليج، وإن اختلفت الأسباب والدرجات.
في السعودية، أعلنت وزارة المالية تسجيل عجز قدره 125.7 مليار ريال، أي نحو 33.5 مليار دولار، خلال الربع الأول من 2026، وهو أعلى عجز فصلي منذ عام 2018.
وفي المقابل ارتفع الإنفاق العسكري بنسبة 26 بالمئة إلى 64.7 مليار ريال خلال الربع الأول، مقابل 51.4 مليار ريال خلال الفترة نفسها من 2025، في مؤشر على اتجاه جانب أكبر من الموارد إلى حماية المملكة ومنشآتها الحيوية.
وفي الجارة الكويت، تتوقع موازنة السنة المالية 2026-2027 عجزا قدره 9.8 مليار دينار، أي نحو 31.9 مليار دولار، مقابل إيرادات تبلغ 16.3 مليار دينار، ومصروفات تقدر بنحو 26.1 مليار دينار.
ويقول الاقتصادي العماني علي الحامدي في تصريحات لـ”الحرة” إن مراجعة الإنفاق بدأت تظهر في الموازنات الخليجية، خصوصا مع اتساع العجز وتراجع الإيرادات، متوقعا أن تتجه حكومات أخرى إلى إعادة تقييم النفقات وجدولة بعض المشروعات إذا استمرت الحرب.
بينما يرى الاقتصادي الكويتي محمد القطان أن ترشيد الإنفاق في الكويت لم يعد خيارا يمكن تأجيله، لأن توقف تصدير النفط يعني تعطل التدفق اليومي للسيولة إلى الخزينة.
ويمكن أن يبدأ خفض الإنفاق في الكويت، إذا تقرر، بالمشروعات الحكومية الجديدة وغير الضرورية والمصروفات القابلة للتأجيل، دون المساس المباشر بالرواتب والخدمات الأساسية.
وربما لا يظهر الخفض في صورة إلغاء معلن للمشروعات، وإنما في تأخير طرح مناقصات وتقليص نطاق العقود، وتمديد الجداول الزمنية وإرجاء مشروعات جديدة إلى حين اتضاح مسار الحرب.
ويحذر القطان من احتمال تأثر القطاع الخاص قبل الحكومي، لأن شركات المقاولات والموردين والمكاتب الاستشارية وشركات التكنولوجيا وغيرها تعتمد بدرجات متفاوتة على العقود الحكومية.
ويعني تراجع نشاط القطاع الخاص إضعاف قدرته على توظيف المواطنين، ويزيد الطلب على الوظائف الحكومية، ما يعيد الضغط إلى الموازنة من باب التوظيف.
وتملك الكويت في المقابل احتياطات مالية كبيرة، إذ تجاوزت أصول الهيئة العامة للاستثمار الكويتية تريليون دولار، ما يمنح الدولة قدرة على امتصاص الصدمات المؤقتة، من دون أن تشكل هذه الأصول بديلا دائما عن الإيرادات النفطية.
وتختلف قدرة دول الخليج على مواجهة الصدمات، فبينما تواجه بعضها ضغوطا ناجمة عن الديون أو توقف صادرات الطاقة، تتمتع دول أخرى بمنافذ بديلة واحتياطيات تسمح لها بتأجيل الخفض الواسع للإنفاق.
وتأتي البحرين في مرتبة حساسة بسبب ارتفاع عبء الدين العام، إذ تتوقع “ستاندرد آند بورز” وصول صافي دين الحكومة العامة إلى نحو 150 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2029، مقارنة بنحو 127 بالمئة في 2025.
ويرى النصافي أن ارتفاع الدين يجعل هامش الحركة المالية في البحرين أضيق مقارنة بدول خليجية أخرى.
ولم تتجه الإمارات إلى إعلان خفض واسع في الإنفاق، إذ أقرت موازنة اتحادية متوازنة لعام 2026، بإيرادات ومصروفات تبلغ 92.4 مليار درهم لكل منهما من دون عجز مقدر.
ويرتبط هذا التوازن بتنوع مصادر الإيرادات التي تشمل الضرائب ورسوم الخدمات وعوائد الاستثمارات.
لكن ذلك يتزامن مع أرقام سلبية أخرى.
الأربعاء قالت شركة “مطارات دبي” المشغلة لمطار دبي الدولي إن حركة المسافرين عبر المطار تراجعت 31.3 بالمئة في النصف الأول من العام في ظل الاضطرابات الكبيرة التي سببتها حرب إيران.
وفي أغسطس الحالي، أعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، وهي واحدة من أكبر شركات إنتاج الطاقة في العالم، أنها تتأثر بشكل كبير بالهجمات في الوقت الذي تسعى فيه إلى مواصلة تلبية متطلبات عملائها في ظروف وصفتها بأنها بالغة الصعوبة.
وكانت الإمارات أكبر المتضررين من الهجمات الإيرانية خلال المراحل الأولى من الحرب. وقد اتخذت قبل أيام قرارا مفاجئا بتعليق جميع المعاملات المالية والاقتصادية مع إيران حتى إشعار آخر.
ويقول الحامدي إن الإمارات وعمان أقل تضررا من اضطراب هرمز بفضل الموانئ الواقعة خارج المضيق، وشبكة الأنابيب البرية التي تسمح للإمارات بتصدير جزء من نفطها عبر الفجيرة.
وتعمل الصناديق السيادية في دول الخليج كحزام أمان قادر على امتصاص الصدمة الأولى ومنع اللجوء إلى تقشف قاس، لكن تلك الصناديق قد تضطر، إذا استمرت الحرب، إلى إعادة توجيه جانب من استثماراتها نحو الداخل لدعم الموازنات والقطاعات المتضررة.
وعادة ما تكون مشروعات البنية التحتية غير الضرورية والمشروعات العملاقة ذات التكلفة المرتفعة من أكثر البنود تعرضا للتأجيل، يليها قطاعا البناء والسياحة، ما قد يبطئ نمو القطاع غير النفطي ويقلص فرص العمل الجديدة.
ويميز النصافي بين المشروعات القابلة للتأجيل ومشروعات التنويع المرتبطة بخطط التحول الوطني، موضحا أن الحكومات قد تحمي المشروعات التي تقلل اعتماد اقتصاداتها على النفط والغاز، لأنها تمثل استثمارا طويل الأمد.
من جهة أخرى، قد لا تؤدي الحرب إلى خفض إجمالي الإنفاق في جميع الدول بقدر ما تؤدي إلى تغيير وجهته، إذ تزداد الحاجة إلى تمويل الدفاع وحماية المنشآت، وإنشاء طرق بديلة لتصدير الطاقة وتعزيز المخزون الغذائي وحماية شبكات المياه والكهرباء.
وأوصى صندوق النقد الدولي حكومات المنطقة بتقديم دعم مؤقت وموجه إلى الأسر الأكثر عرضة للتأثر، على أن يمول من خلال إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وليس عبر توسيع العجز، كما دعا إلى تنويع طرق التجارة وتعزيز البنية التحتية الحيوية.
وبحسب الصندوق، تعتمد البحرين والكويت وقطر والإمارات على الاستيراد لتغطية أكثر من 80 بالمئة من استهلاكها الغذائي، ما يجعل الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد من الأولويات التي يصعب تقليص الإنفاق عليها.
ويرى النصافي أنه لا يمكن التعامل مع الصناديق السيادية الخليجية باعتبارها حسابات نقدية جاهزة لتمويل المصروفات السنوية، لأنها أدوات استثمار طويلة الأجل مخصصة لتنويع الثروة وحماية الأجيال القادمة.
ويقول إن هذه الأصول تمنح دول الخليج قدرة على تأجيل التقشف الحاد، لكنها لا تلغي الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات إذا طالت الحرب.