في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأميركية على إيران مع إعلان تشديد العقوبات الاقتصادية، بدا أن قنوات التواصل الدبلوماسي بين طهران ووسطاء في المنطقة تشهد حركة جديدة تركز على وقف التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز، دون استئناف للمفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران.
وفي أحدث التحركات، الثلاثاء، قالت سلطنة عُمان وإيران في بيان مشترك إن وزيري خارجية البلدين ناقشا إطارا يوفر أساسا لاستئناف الملاحة عبر مضيق هرمز، ويتضمن إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك.
ولم يكشف البيان عن تفاصيل أخرى بشأن الممر المفترض، لكنه أضاف أن المفاوضات الفنية ستتواصل أيضا بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن ممر ملاحي دائم، وترتيبات مستقبلية لإدارة المضيق.
وشدد الجانبان على أهمية إجراء مناقشات مشتركة مع دول المنطقة المطلة على مياه الخليج.
من جهته، أكد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي أنه يأمل الإعلان قريبا عن ممر مؤقت عبر مضيق هرمز وترتيبات عملية لاستعادة الملاحة الآمنة، مضيفا أن الترتيبات الخاصة بإدارة المضيق مستقبلا والتوصل إلى حل دائم ستأتي في الوقت المناسب، وفق المادة الخامسة من مذكرة إسلام آباد.
ونصت المادة الخامسة من المذكرة على أن تتخذ إيران ترتيبات لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، وأن تجري مشاورات مع سلطنة عُمان بشأن إدارة المضيق مستقبلا والخدمات البحرية فيه.
وتضمنت التصريحات العمانية كذلك الاتفاق على تنفيذ مشروع مشترك لتطهير المضيق من الألغام.
لكن تلك الإشارة بدت متعارضة مع تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق الثلاثاء بأن البحرية الأميركية أبلغته بإزالة جميع الألغام من المياه الدولية في مضيق هرمز.
ورفضت الولايات المتحدة بشدة في السابق أي ترتيبات للمرور عبر مضيق هرمز تمنح إيران سيطرة استراتيجية أو سلطة فرض رسوم على حركة الملاحة الدولية.
كما سبق أن أبدت سلطنة عمان رغبة في الحصول على دور رسمي ومباشر في إدارة هرمز، أهم ممر مائي محل نزاع في العالم بعد انتهاء الحرب. كما قالت إنها تريد حصة من أي رسوم قد يتعين على ناقلات النفط دفعها مقابل المرور، وهو ما اصطدم أيضا بمعارضة أميركية قاطعة.
وتسعى واشنطن إلى الحفاظ على حرية المرور، لكن مذكرة التفاهم التي وقعتها في يونيو تركت لإيران وعُمان مهمة “تحديد الإدارة المستقبلية” للمضيق.
وكان البوسعيدي قد وصل إلى طهران الثلاثاء، حيث التقى نظيره الإيراني عباس عراقجي، بينما قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إن الزيارة لا ترتبط بمباحثات قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران.
وبالتزامن مع التحرك العماني، قالت باكستان الثلاثاء، إن محادثات قائد جيشها الأخيرة في إيران أحرزت “تقدماً كبيرا”.
وذكر بيان للجيش الباكستاني أن المناقشات تناولت منع مزيد من التصعيد، وإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الصراع في أسرع وقت.
وكان منير تحدث إلى الرئيس الأميركي قبل زيارته إلى طهران، بحسب ما نقلت “رويترز” عن 3 مصادر باكستانية.
ونقلت وكالة “تسنيم” عن مصدر مقرب من الفريق المفاوض الإيراني أن منير سعى إلى فتح المجال أمام المفاوضات ونقل المواقف الإيرانية إلى واشنطن.
ويرى أرمان محموديان، الباحث في معهد الأمن العالمي والقومي بجامعة جنوب فلوريدا، في تصريحات لـ”الحرة” أن جهود الوساطة وتبادل الرسائل تشير إلى وجود مصلحة لدى واشنطن وطهران في إيجاد مخرج من الصراع واستكشاف مسار دبلوماسي.
لكنه يحذر من اعتبار ذلك دليلا على قرب التوصل إلى اتفاق، مشيرا إلى أن “تجارب سابقة شهدت اتصالات مشابهة انتهت دون تفاهم”.
وفي المقابل يرى آلان إير، الزميل الدبلوماسي في معهد الشرق الأوسط، أن كلا الطرفين لا يزال ينتظر تراجع الآخر نتيجة للضغوط المستمرة.
ويرى إير إن الولايات المتحدة لا تسعى إلى التصعيد، في حين قد تميل إليه أطراف إيرانية لاعتقادها بأن ذلك قد يعزز قوتها النسبية، وفي غضون ذلك، يواصل الوسطاء نقل الرسائل.
وتدور هذه الاتصالات بينما تتمسك طهران بالإعلان بشكل دوري عن رفضها ما تصفه بالإملاءات أو الضغط الأحادي الجانب.
في المقابل، يقول ترامب إن إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق، لكنه أضاف أنها لم تعد مستعدة بالشروط التي تراها واشنطن مناسبة.
واعتبر محموديان أن اتفاقا مرحليا “خطوة بخطوة” يبدو أكثر واقعية الآن من اتفاق شامل، مرجحا أن تركز المرحلة الأولى على مضيق هرمز والمواجهة البحرية المرتبطة به.
وأضاف أن نجاح أي ترتيب أولي بشأن المضيق قد يمهد لاحقا لبحث قضايا أكثر تعقيدا، بينها العقوبات والبرنامج النووي الإيراني والأمن الإقليمي.
وجاءت التحركات الدبلوماسية الأخيرة بعد أيام من إشارات إيرانية لمحت إلى أهمية إنهاء الحرب، تزامنت أيضا مع استمرار الخطاب الرافض للضغوط الأميركية.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إنه سيكون من الأفضل لإيران إنهاء الحرب الآن، بينما هي في أوج قوتها والعالم يعترف بانتصارها، على حد قوله.
كما أقر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بحجم الضغوط الاقتصادية، قائلا إن إيران لا تستطيع الصمود بينما يعاني المواطنون من الجوع ويتراجع النمو الاقتصادي.
وفي المقابل، انتقدت الخارجية الإيرانية العقوبات الأميركية الأخيرة، ووصفتها بأنها تهديد للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، معتبرةً أنها تكرّس “فوضى قانونية صارخة”.
ويرى إير أن هذا التباين يعكس نقاشا داخل إيران بشأن توقيت وشروط التفاوض، مشيرا إلى أن بعض الأطراف ترى أن الوقت حان للبحث عن حل سياسي، بينما يرى الاتجاه الغالب أن الولايات المتحدة لم تتكبد بعد ما يكفي من الخسائر لترسيخ قوة الردع الإيرانية المفترضة.
ولا يقرأ محموديان تباين الخطاب الإيراني بالضرورة باعتباره انقساما داخل القيادة، ويقول إن الخلاف يدور أساسا حول موعد وشروط إنهاء الحرب، وما يمكن أن تحصل عليه طهران في المقابل، وكيفية تقديم أي تسوية داخليا دون أن تبدو تراجعا أو استسلاما.
وأوضح محموديان أن التباين في الخطاب الإيراني ليس جديدا، لكنه أصبح أكثر وضوحا مع حجم الحرب وتكاليفها، إضافة إلى غياب المرشد علي خامنئي، الذي قال إنه كان يؤدي تقليديا دورا حاسماً في حسم الخلافات داخل النظام.
وفي تطور يتزامن مع الحراك الدبلوماسي، تستعد الخارجية الأميركية لإعادة دبلوماسيين إلى سفارات في الشرق الأوسط بعد إجلائهم بسبب الحرب، وفق وثيقة داخلية نقلتها صحيفة “نيويورك تايمز”، فيما قد تبدأ العودة هذا الأسبوع إلى بعثات في إسرائيل ولبنان والسعودية وقطر والأردن وعُمان والعراق والكويت.
وقالت “رويترز” نقلا عن مصدرين مطلعين، إن الولايات المتحدة بدأت بالفعل إعادة موظفين إلى بعض بعثاتها، بينها لبنان وإسرائيل والسعودية والعراق، مع السماح بعودة أفراد أسر الموظفين إلى الرياض.
بينما قال متحدث باسم الخارجية الأميركية إن الوزارة تراجع باستمرار الوضع الأمني وتعدل مستويات الموظفين وفق أحدث تقييماتها، فيما ستعمل بعض البعثات مبدئياً بأقل من طاقتها الكاملة.