واشنطن العاصمة 06:22 PM

الإمارات ومصر.. استثمارات عابرة لخلافات السياسة

التعاون الاقتصادي بين مصر والإمارات يفرض تساؤلات بشأن تأثيره على القرارات السياسية بين البلدين.

· 5 دقيقة قراءة
رئيس الإمارات محمد بن زايد يجلس مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في "ياس مول" بأبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، في 7 مايو 2026.
رئيس الإمارات محمد بن زايد يجلس مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في "ياس مول" بأبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، في 7 مايو 2026.

تتوسع الإمارات في قطاعات تعد من الأكثر حساسية في الاقتصاد المصري، من الموانئ والطاقة إلى الرعاية الصحية والعقارات، فيما تتخذ القاهرة وأبوظبي مواقف متباينة في عدد من أبرز أزمات المنطقة، بينها السودان والصومال واليمن.

وبلغت العلاقات التجارية بين البلدين درجة الشراكات الاقتصادية وصفقات الاستحواذ على كيانات كبرى، كما تمتد الاستثمارات الإماراتية في مصر إلى قطاعات يمكن وصفها بالحيوية مثل الموانئ والمستشفيات.

لكن المواقف السياسية تشهد تباينات في ملفات سياسية إقليمية هامة: على رأسها السودان والصومال واليمن.

وفي أحدث تعاون اقتصادي قبل أيام، كشفت الحكومة المصرية عما يسمى بتحالف “الفجيرة -العلمين للنفط والغاز”، وهي شراكة مرتبطة بتفاهم سابق بين وزارة البترول المصرية وحكومة إمارة الفجيرة الإماراتية لإنشاء منطقة حرة خاصة بمدينة العلمين الجديدة، على ساحل البحر المتوسط في مصر.

ويحظى ميناء الحمراء الذي ستتولى شركة الفجيرة استغلاله ببنية أساسية متطورة وطاقة تخزينية تؤهله لدور محوري في حركة تجارة البترول إقليميا ودوليا، بحسب بيان رسمي لوزارة البترول المصرية.

وتأتي الشراكة بين البلدين في إطار تنشيط سوق تموين السفن العابرة قرب الموانئ المصرية، بحسب تصريحات مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول المصرية الأسبق لـ”الحرة”.

وتوسعت الإمارات مؤخرا في مشروعات الشراكة أو توقيع عقود تشغيل طويلة الأمد لموانئ مصرية على ساحلي البحر الأحمر والبحر المتوسط.

وتمتلك شركات إماراتية شراكات تشغيلية في موانئ مصرية عدة مثل العين السخنة والإسكندرية وشرق بورسعيد وسفاجا وغيرها.

وتمتد بعض عقود الإدارة والتشغيل إلى 30 عاما كما هو الحال مع ميناء سفاجا، أو 15 عاما في ميناء غرب بورسعيد، و50 عاما لمنطقة كيزاد بورسعيد.

واتفقت موانئ أبوظبي مع وزارة النقل المصرية على إدارة ميناء العين السخنة منذ 2022، وتشغيل ميناء نهري في محافظة المنيا، جنوبي مصر، حسب المكتب الإعلامي لحكومة أبوظبي.

ويرى ممدوح سلامة، خبير الطاقة والنفط، أن التعاون بين مصر والإمارات يكتسب أهمية كبيرة بالنظر إلى تداعيات التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، وتأثيرها على أسواق النفط والغاز.

وأوضح في تصريحات لـ”الحرة” أن القاهرة تتأثر بصورة مباشرة بإغلاق مضيق هرمز ما يجعلها عرضة لتداعيات ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، ويدفعها إلى زيادة الاستثمارات مع دول أخرى على رأسها الإمارات، التي تواجه أيضا تأثير التطورات المتعلقة بمضيق هرمز.

وقال الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري إن حجم التبادل التجاري بين البلدين يبلغ 9.7 مليار دولار خلال عام 2025 مقابل 6 مليارات دولار خلال عام 2024 بنسبة ارتفاع قدرها 61.7 %.

ومثل إعلان الجانبين المصري والإماراتي عام 2024 تطوير منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي الغربي علامة بارزة في العلاقات بين البلدين، إذ جاءت تلك الخطوة في وقت زادت فيه الضغوط على الاقتصاد المصري.

وتعد الصفقة أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر، وبلغ إجمالي الاستثمارات المباشرة المقدمة للخزانة المصرية 35 مليار دولار، فيما تحصل الحكومة المصرية على 35% من أرباح الشركة المستقبلية.

وتستحوذ شركة “أبراج كابيتال” الإماراتية على حصص في مستشفيات خاصة في مصر، بعدما أقرت الحكومة المصرية في مايو 2024 قانونا يتيح للمستثمرين المصريين أو الأجانب إدارة وتشغيل المرافق الصحية.

ويشير ضرار بالهول الفلاسي، عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق بالإمارات، في حديثه لـ”الحرة” إلى أن الاستثمارات الإماراتية في مصر ترتبط دائما بمشروعات تنموية وقطاعات إنتاجية وخدمية ذات أثر ممتد.

واعتبر أن مصر، من المنظور الإماراتي، تمثل شريكا اقتصاديا محوريا، وشراكة استثمارية طويلة الأجل.

ورغم الشراكة الاقتصادية البارزة، يختلف الأمر فيما بالعلاقات السياسية بين البلدين.

وتشدد القاهرة وأبوظبي دائما على متانة علاقاتهما السياسية، وصولا إلى إعلان القاهرة مرارا أن “أمن الإمارات من أمنها”.

وفي مايو الماضي تفقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، “مفرزة” مقاتلات مصرية متمركزة في الإمارات.

ونشرت وكالة الأنباء الإماراتية صورا ظهر فيها السيسي ومحمد بن زايد أمام مقاتلة “رافال” تحمل علامات سلاح الجو المصري.

وتمت الزيارة بالتزامن مع تصاعد التوتر في المنطقة بسبب حرب إيران، بينما قالت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية إنها كانت بغرض الاطلاع على جاهزية القوات العملياتية و”الاستعداد لمختلف التحديات”.

لكن ظهور المقاتلات المصرية في الإمارات، لا يحجب وجود اختلافات في التوجهات السياسية خلال الفترة الأخيرة بين البلدين.

وفي نهاية يوليو 2025، رصدت مصادر مصرية وأجنبية خلافا مصريا إماراتيا بشأن السودان خلال اجتماع للجنة الرباعية في واشنطن، التي تضم مصر والإمارات والسعودية والولايات المتحدة.

وتأجل إصدار بيان ختامي للمجموعة نظرا لأن القاهرة، بحسب المصادر، شددت على دور للجيش السوداني الذي يقوده عبدالفتاح البرهان في المرحلة الانتقالية، بينما لم تر أبوظبي ذلك.

ولا يبدو أن العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين البلدين تضمن وفاقا سياسيا بين الدولتين مثلما يحدث مثلا بين مصر والسعودية.

ويقول معتز أحمدين، مندوب مصر الدائم السابق بالأمم المتحدة إن الإمارات تتصف بمرونة أكبر، مقارنة بالسعودية فيما يتعلق بدعم القاهرة اقتصاديا مع وضع حد أدنى للاعتبارات السياسية، بينما تُغلّب السعودية الشروط السياسية علي الاعتبارات الاقتصادية، رغم أن مواردها الاقتصادية أكبر وأكثر تنوعاً من الإمارات.

وأضاف في تصريحات لـ”الحرة” أن مصر تلجأ بصورة أكبر للإمارات لتلبية احتياجاتها الاقتصادية، مع التغاضي عن الخلافات السياسية في ملفات إقليمية، فلا تطلب مصر علنا من الإمارات تغيير مواقفها بشأن السودان والصومال وإثيوبيا، ولا الإمارات تطالب مصر باتباع نفس مواقفها السياسية بشأن هذه القضايا.

ويتهم الجيش السوداني الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه الإمارات تماما.

لكن ذلك أدى إلى قطع الحكومة السودانية علاقاتها الدبلوماسية مع أبوظبي في مايو 2025. في حين تدعم القاهرة والرياض-ضمن المجموعة الرباعية- الجيش السوداني في إطار توجه دائم.

ويبدو تعاطي مصر والإمارات متباينا أيضا فيما يتعلق ملف “أرض الصومال” التي أعلنت استقلالها من طرف واحد، دون اعتراف دولي.

وتؤكد القاهرة دائما رفضها أي “محاولات من شأنها المساس بوحدة الأراضي الصومالية بما في ذلك أي اعتراف بما يسمى بأرض الصومال”.

وفي 2024 دعمت مصر الصومال بطائرتين عسكريتين محملتين بمعدات عسكرية ردا على اتفاقات إثيوبية مع أرض الصومال.

ورغم إن الإمارات لم تعترف رسميا بأرض الصومال، فإنها لم تكن بين الدول العربية التي أدانت في بيان الاعتراف الإسرائيلي في ديسمبر 2025.

وقالت الحكومة الصومالية في يناير الماضي إنها ستلغي كل الاتفاقيات مع الإمارات، ومن بينها اتفاقيات الموانئ والدفاع والتعاون الأمني، متهمة الدولة الخليجية بتقويض سيادتها الوطنية.

وفي اليمن، بلغ التوتر ذروته في ديسمبر الماضي مع سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات على حقول نفط في حضرموت، متجاوزا “خطا أحمر” تضعه السعودية.

وشنت مقاتلات سعودية ضربة على ميناء المكلا بعد أيام، وقال التحالف الذي تقوده المملكة آنذاك إن الضربة استهدفت دعما عسكريا خارجيا قادما للانفصاليين.

وأعلنت الإمارات بعد ساعات سحب قواتها من اليمن على خلفية ما جرى.

وبدا الموقف المصري بعيدا عن نظيره الإماراتي أيضا في هذا الملف، إذ ترفض القاهرة التعامل مع أي فاعل سياسي غير الحكومات، خصوصا في منطقة البحر الأحمر، التي تعتبرها مصر منطقة نفوذ وأمن قومي لتعلق الأمر بقناة السويس.

ويرى هيثم حسنين في تحليل سابق نشره “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” إن مصر تعزز تقاربها الاقتصادي والاستثماري مع الإمارات بينما تحافظ على استقلال استراتيجي في ملفاتها الأساسية، ولا تواجه أبوظبي علنا مع الحفاظ على مسارات سياسية وأطر أمنية إقليمية أوسع بعيدا عن النزاعات الثنائية.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة