من المقرر أن يصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة يوم الثلاثاء في زيارة دولة تستمر ثلاثة أيام، وهي الأولى له إلى مصر منذ عام 2016.
وتأتي الزيارة بينما تدرس مصر مقترحا من شركة هواوي الصينية العملاقة للتكنولوجيا لبناء بنية تحتية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي لصالح الحكومة. وبينما يُطرح المشروع رسميا كمناقصة لتوفير معدات وخدمات حوسبة، فإنه يندرج ضمن المنافسة التكنولوجية الأوسع بين الولايات المتحدة والصين.
ووفقا لوثائق وأشخاص مطلعين على المقترح، نقلت عنهم “بلومبرغ نيوز”، ستُستخدم البنية التحتية في عمليات عسكرية وأعمال مراقبة وغيرها من عمليات القطاع العام.
وعرضت هواوي توريد 1,408 معالجات من طراز Ascend 950 لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، و600 معالج من طراز Ascend 950 أو الطراز الأقدم 910B لتشغيل تلك النماذج عبر مجموعتين للحوسبة. واقترحت الشركة استكمال المشروع في غضون 12 شهرا.
وفي حال اكتمال المشروع، فقد يمثل أول عملية تصدير معروفة لمعالجات Ascend للذكاء الاصطناعي من هواوي، بعد أكثر من عام من الجهود الرامية إلى بيعها في الأسواق الخارجية، بحسب بلومبرغ.
ولم تختر مصر بعد مورّدا لمشروع الذكاء الاصطناعي، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان قد تم تقديم عرض أميركي رسمي منافس.
ما هو مركز بيانات الذكاء الاصطناعي؟
قال محمد عزام، عضو مجلس إدارة الرابطة الدولية لإدارة التكنولوجيا، لـ”الحرة” إن مراكز البيانات التقليدية تُستخدم أساسا لتخزين المعلومات وتشغيل التطبيقات الروتينية، بما في ذلك قواعد البيانات وبرامج المحاسبة والخدمات عبر الإنترنت.
أما مركز بيانات الذكاء الاصطناعي فيعتمد على معالجات متخصصة قادرة على تحليل كميات كبيرة من البيانات غير المهيكلة بسرعة، مثل مقاطع الفيديو والصور والنصوص. كما يمكنه تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على التعرف على الأنماط وإنتاج تنبؤات أو استجابات.
وقال عزام إن هذه القدرة الحاسوبية يمكن أن تدعم تطبيقات في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والزراعة والتصنيع والطاقة والمرافق العامة وإدارة المدن الذكية.
وأضاف أن القدرة المقترحة، البالغة 2,008 معالجات، أصغر من المنشآت الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا، والتي يحتوي بعضها على عشرات الآلاف من المعالجات. ووصفها بأنها خطوة أولية يمكن أن تدعم تطبيقات حكومية وتجارية متوسطة الحجم.
وقال عزام إن معالجات إنفيديا توفر حاليا قدرة حوسبية أكبر وأدوات برمجية أكثر رسوخا. إلا أن معالجات هواوي تقدم بديلا أقل تكلفة وقد يكون الحصول عليه أسهل في ظل القيود الأميركية التي تحد من الوصول إلى بعض التقنيات الأميركية المتقدمة.
رد واشنطن
بعد علمها بمقترح هواوي، تواصلت وزارة الخارجية الأميركية مع إنفيديا وAMD ومايكروسوفت بشأن إعداد بديل أميركي، وفقا لبلومبرغ.
وأفادت بلومبرغ بأن الدبلوماسية التكنولوجية الأميركية وشركات الذكاء الاصطناعي الأميركية كانت تركز في السابق بدرجة أكبر على السعودية والإمارات العربية المتحدة. لكن مقترح هواوي أدخل مصر الآن ضمن مناقشات واشنطن بشأن التوسع الخارجي للبنية التحتية الصينية للذكاء الاصطناعي.
لماذا مصر؟
تتجاوز المنافسة المحيطة بالمشروع الطلب المحلي المصري على القدرات الحاسوبية.
فمع تعداد سكاني يتجاوز 100 مليون نسمة، تمتلك مصر واحدة من أكبر الأسواق في أفريقيا، إلى جانب قاعدة كبيرة من المهندسين وخريجي التخصصات التكنولوجية. كما يربط موقعها الجغرافي أفريقيا والشرق الأوسط بأوروبا وآسيا.
وتمر كابلات دولية للاتصالات البحرية عبر الأراضي والمياه المصرية، ما يجعل البلاد نقطة عبور مهمة للاتصالات العالمية.
وقال عزام إن الجمع بين حجم السوق المصرية والمهارات المحلية والموقع الجغرافي قد يسمح للمركز بخدمة جهات تتجاوز الوكالات الحكومية. وإذا تمكنت الجامعات والمهندسون والشركات الناشئة من الوصول إلى قدراته الحاسوبية، فقد يدعم ذلك تطوير تطبيقات موجهة إلى الأسواق العربية والأفريقية، حيث لا تزال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي محدودة.
ويستند المقترح أيضا إلى عدة سنوات من التعاون التكنولوجي المتنامي بين مصر والصين.
وأطلقت هواوي منطقة خدمات سحابية في القاهرة عام 2024، وأعلنت خططا لاستثمار 300 مليون دولار في مصر على مدى خمس سنوات.
وفي سبتمبر 2024، أعلن البلدان خمس اتفاقيات تكنولوجية. وشملت الخطط تدريب العاملين، وتوسيع عمليات هواوي المحلية، وإجراء أبحاث في تصميم الرقائق، وتطوير نموذج مفتوح المصدر للغة العربية، وإنشاء صندوق للاستثمار التكنولوجي يستهدف ما يصل إلى 300 مليون دولار.
المراقبة وأمن البيانات
أظهرت وثائق اطلعت عليها بلومبرغ أن مقترح هواوي يشمل أيضا تكنولوجيا من شركة iFlytek للتعرف على الأشخاص والمركبات باستخدام قواعد البيانات الوطنية، بالإضافة إلى أنظمة مراقبة تغطي المناطق الحضرية.
وقال مستشار الأمن السيبراني محمد مجدي لـ”الحرة” إن وجود الخوادم داخل مصر لا يمثل سوى جانب واحد من جوانب سيادة البيانات. وأضاف أن موقعها المادي لا يضمن السيطرة المحلية على البرمجيات ومفاتيح التشفير وتحديثات الأنظمة.
وقال عزام إن الوصول إلى هذه العناصر سيكون ضروريا لكي تتمكن مصر من ممارسة سيطرة وطنية فعلية على الأنظمة. وأضاف أن هذه الضمانات ستكون مهمة بشكل خاص إذا كانت البنية التحتية متصلة بالجهات الحكومية أو الأنظمة العسكرية أو سجلات السكان أو المعلومات المالية والصحية للمواطنين.
الاعتماد على المدى الطويل
قال عزام إن الاعتماد على شركة واحدة في توفير المعالجات والبرمجيات والخدمات السحابية قد يؤدي إلى نشوء تبعية طويلة الأمد. وقد يتطلب الانتقال لاحقا إلى مورّد آخر واستثمارات كبيرة وإعادة بناء بعض الأنظمة، وإن أشار إلى أن الخطر نفسه قد ينشأ أيضا عند التعامل مع مزودين غربيين.
وأضاف أن مصر يمكنها تقليل هذا الخطر من خلال تدريب المهندسين المحليين، وإشراك الشركات المصرية في التشغيل والصيانة، وتمكين الجامعات والشركات الناشئة من تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها.
وأضاف أنه من دون نقل حقيقي للمعرفة، قد يؤدي المشروع إلى زيادة الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية بدلا من بناء قدرات محلية.
وتُدرج هواوي وiFlytek على قائمة الكيانات التابعة لوزارة التجارة الأميركية منذ عام 2019، وإن كان ذلك لأسباب معلنة مختلفة. وفي عام 2025، أصدرت الوزارة إرشادات تحذر من أن استخدام بعض معالجات Huawei Ascend قد ينتهك ضوابط التصدير الأميركية في ظروف معينة.
وقال عزام إن تشديد القيود الأميركية قد يؤثر في عمليات تسليم الرقائق أو تحديثات البرمجيات مستقبلا، بما في ذلك بعد بدء تشغيل المركز، ما قد يجعل المشروع عرضة للتغيرات في العلاقات بين واشنطن وبكين.
كما رأى أن القيود الأميركية قد تشجع الصين ودولا أخرى على تطوير تقنيات بديلة بوتيرة أسرع، وقد تدفع الدول النامية إلى شراء أنظمة غير أميركية متاحة، حتى عندما يكون أداؤها أقل من أداء المنتجات الأميركية الرائدة.
ولم تكشف مصر عن قيمة عرض هواوي، أو ما إذا كان قد تم تقديم عرض أميركي مضاد، أو الموعد المتوقع لاتخاذ قرار نهائي.