وسعت إسرائيل نطاق سيطرتها في جنوب لبنان بالاستيلاء على تلة علي الطاهر، وهي موقع استراتيجي كان حزب الله يستخدم منشآته تحت الأرض لإدارة عملياته قرب الحدود.
لكن السيطرة على التلة تطرح سؤالا يتجاوز قيمتها العسكرية: إلى أي مدى تعتزم إسرائيل الاحتفاظ بالمواقع التي سيطرت عليها في المنطقة الأمنية، وهل يمكن أن تصبح جزءا من أي ترتيبات أو مفاوضات مقبلة بشأن جنوب لبنان؟
وكان الجيش الإسرائيلي أعلن، مساء الخميس، أنه حقق “سيطرة عملياتية” على منشآت تحت الأرض تابعة لحزب الله في المنطقة، فيما قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الجمعة، إن السيطرة على المرتفعات تمثل “إتمام مرحلة ضمان السيطرة على المنطقة الأمنية في جنوب لبنان”.
وتشير تصريحات كاتس إلى أن إسرائيل تنظر إلى علي الطاهر باعتبارها جزءا من ترتيبات أمنية أوسع في الجنوب، لا مجرد موقع عسكري منفرد، في وقت تحاول فيه منع حزب الله من إعادة بناء قدراته قرب الحدود.
وتقع تلة علي الطاهر على بعد نحو 15 كيلومترا من الحدود الإسرائيلية، وترتفع قرابة 600 متر فوق مستوى سطح البحر، ما يمنحها إطلالة واسعة على أجزاء من جنوب لبنان والطرق المحيطة بمدينة النبطية.
كما ترتبط التلة بالمناطق الجبلية الممتدة باتجاه إقليم التفاح شمالا، وبشبكة طرق تصل جنوب لبنان بالمناطق الواقعة شمال نهر الليطاني.
ويضع العميد اللبناني المتقاعد نجيب ملاعب الموقع ضمن ما يصفه بـ”خط الدفاع الثاني” لحزب الله، إلى جانب الشقيف وأرنون.
وقال ملاعب لـ”الحرة” إن خسارة التلة تدفع حزب الله إلى مواقع أبعد، وتفرض صعوبات إضافية على حركة عناصره وخطوط إمداده.
ويرى أن الموقع اكتسب أيضا أهمية رمزية بالنسبة إلى الحزب، ما يجعل خسارته تتجاوز قيمته العسكرية المباشرة.
وكانت مصادر أمنية لبنانية قالت لرويترز إن حزب الله، المدرج على قوائم الإرهاب الأميركية، أقام منشآت عسكرية تحت الأرض في المنطقة، بينها مراكز قيادة ومخازن أسلحة.
وتقول إسرائيل إن شبكة الأنفاق استخدمت لإطلاق مسيرات وصواريخ على مواقع إسرائيلية.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات الفرقة 36 عملت على تأمين مسارات تحت الأرض، وعثرت على منشآت قال إنها استخدمت من قبل وحدة “بدر” التابعة لحزب الله لإدارة عمليات قتالية والتخطيط لهجمات ضد إسرائيل.
وأضاف الجيش أنه عثر داخل الأنفاق على مراكز قيادة وغرف للأسلحة والمولدات الكهربائية، إضافة إلى أماكن للمعيشة ومرافق أخرى، قال إنها مكنت عناصر حزب الله من البقاء في الموقع وإدارة القتال لفترات طويلة.
وتأتي العملية في وقت تحمل فيه التلة أهمية تتجاوز الحسابات اللبنانية والإسرائيلية.
فبحسب ما أوردته رويترز، نقلت إيران عبر سلطنة عُمان، في منتصف أغسطس تقريبا، رسالة إلى الولايات المتحدة حذرت فيها من أنها سترد بقوة على أي هجوم إسرائيلي يستهدف مواقع حزب الله في المنطقة.
لكن مسؤولا في البيت الأبيض قال لـ”الحرة” إن ما أوردته رويترز “غير دقيق”.
ولا تقتصر أهمية علي الطاهر بالنسبة إلى طهران على موقعها الجغرافي.
ونقلت رويترز عن مصدرين إقليميين أن أكثر من 10 عناصر من الحرس الثوري الإيراني كانوا موجودين في الموقع، بينهم ضابطان كبيران على الأقل.
ولم يؤكد حزب الله وجود عناصر إيرانية في التلة.
ويقول ماثيو ليفيت، مدير برنامج راينهارد لمكافحة الإرهاب والاستخبارات في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن طهران استثمرت أموالا كبيرة في تمكين حزب الله من بناء تحصينات تحت الأرض.
ويرى أن هذه المنشآت تمثل بالنسبة إلى حزب الله والحرس الثوري “قاعدة عمليات ذات أهمية استراتيجية”، نظرا إلى موقعها وقربها من الحدود الإسرائيلية.
وأضاف لـ”الحرة” أن أهمية التلة بالنسبة إلى طهران ترتبط كذلك بشبكة حلفائها داخل لبنان، ما يجعل استهدافها اختبارا لقدرتها على حماية هذه البنية والحفاظ على نفوذها عبر حزب الله.
وكانت إيران قد جعلت وقف الهجمات الإسرائيلية في لبنان بندا في مفاوضاتها الأخيرة مع الولايات المتحدة، إذ نصت “مذكرة تفاهم إسلام آباد” على إنهاء العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.
لكن إسرائيل، التي لم تكن طرفا في المفاوضات، واصلت عملياتها في لبنان.
ويرى ديفيد داود، الزميل الأول في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن إيران لا تريد خوض حرب مع إسرائيل بسبب علي الطاهر، لكنها تسعى إلى إقناع إسرائيل بأنها مستعدة لتحمل مخاطر التصعيد، بدلا من السماح لها بالسيطرة على الموقع من دون تكلفة.
ومن الجانب الإسرائيلي، يبدو أن الهدف من السيطرة على علي الطاهر منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية قرب الحدود، أكثر من كونه سعيا للاحتفاظ بالمرتفع لذاته.
وبعد إعلان السيطرة على المنطقة، قال كاتس إن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من المنطقة الأمنية قبل نزع سلاح حزب الله، وإنها ستواصل تعطيل الأنفاق وتعزيز وجودها في المرتفعات لمنع الحزب من إعادة التمركز فيها.
وتأتي السيطرة على علي الطاهر بعد سيطرة القوات الإسرائيلية، في نهاية مايو، على قلعة الشقيف القريبة، ما يوسع انتشارها في عدد من المرتفعات الاستراتيجية في جنوب لبنان.
ومع اتساع هذا الانتشار، قد تصبح هذه المواقع جزءا من النقاش حول شروط أي انسحاب إسرائيلي لاحق، وترتيبات الأمن في جنوب لبنان، وحدود قدرة حزب الله على العودة إلى المناطق القريبة من الحدود.